تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

نهر الراين..نشيد ألماني بلحن أوروبي

يناير 6, 2021 | 0 تعليقات

كل العالم تقريباً يعتبر نهر الراين ألمانياً بلا جدل، والألمان بدورهم يعتبرون الراين أحد أركان بلدهم التي لا جدال حولها، لكنّ الحقيقية هي أن هذا النهر الجميل ينبع من سفوح جبال الألب في سويسرا ويمر بإمارة ليشنشتاين ثم في أراضي النمسا ثم يدخل ألمانيا، ويذهب إلى فرنسا بمنطقة الألزاس واللورين ليسير مع حدودها، ثم يعود ليسيل عبر أراضي ألمانيا حتى ينتهي في هولندا ليصب في بحر الشمال. 

تنوعُ وتعددُ البلدان التي يمر بها الراين مرتبط إلى حد كبير باعتبارات الجيوبولتيك الذي حكم مناطق غرب أوروبا خلال قرون. وقبل ألفي عام رسم الجزء الشمالي من النهر الحدود الخارجية للإمبراطورية الرومانية، التي توقفت جيوشها عند الضفاف الشرقية للنهر، لتبقى الضفاف الغربية وما بعدها من مناطق أقصى غرب أوروبا خارج سلطة الإمبراطورية. ولعل من المفارقة أنّ ظهور المسيح قبل ألفي عام، والمتصل سياسياً وتاريخياً بتآكل الإمبراطورية الرومانية، لم يرتبط بنهر الراين، بل ارتبط بالشرق الأوسط ومناطقه الساخنة. الرومان اعتبروا الراين حداً سائلاً يمنع القبائل الجرمانية من الإغارة عليهم، والقبائل التيتونية بدورها اعتبرته خط الصد الأخير الذي يحميهم من سلطة الإمبراطورية المترامية الأطراف.

فيما بعد، بات النهر شرياناً نابضاً يمتد على مسافة طولها 1,233 كيلومترا ليخدم تجارة وثقافة كل من يستفيدون منه، وهكذا سالت ثروات الفيرسيانز والفايكنغز وقبائل الهانزا المؤتلفة والمتحاربة علاوة على سكان أمستردام في عصرها الذهبي عبر مياه هذا الشريان.

لكن الأراضي التي يسير فيها هذا النهر، احتوت ثروات من الحديد والفحم ومعادن أخرى، وكانت عين هذه الثروات سبباً لحروب كبرى مخرت عباب سفائن جيوشها عبر مياه الراين، ولعل مدينتي بون الألمانية، وستراسبورغ الألمانية – الفرنسية هما من أهم الحواضر التي تساحلت على هذا النهر، وشهدت تبدلات المصالح والحدود والجغرافية على مدى متطاول من الزمن، وليس غريباً لهذا أن تصبح بون عاصمة لألمانيا الغربية في عصر الحرب الباردة، كما ليس غريباً أن تمسي ستراسبورغ إحدى عواصم الاتحاد الأوروبي الطموح.

وكي لا نوغل في الجغرافية السياسية، لنعد إلى التاريخ، حيث اعتبرت المناطق التي يمر بها نهر الراين في ألمانيا على وجه الخصوص مهد الرومانتيكية، تلك المناطق تمتاز بمناظر خلابة، وطبيعة خضراء تكسوها الغابات، وتحتل كل قمم تلالها وجبالها قلاع وقصور وكنائس تنتمي إلى مختلف مراحل تاريخ أوروبا. وحين يستقل المرء إحدى يخوت السياحة ابتداء من جنوب مدينة كوبلنز الألمانية وصولاً إلى مخرج نهر الراين على الحدود الهولندية لا يملك إلا أن يتيه في ربوع الجمال التاريخي الساحر فيما تمخر السفينة عباب الماء البارد متجهة الى شمال غرب أوروبا.

جسر الدول الثلاثة على نهر الراين، سويسرا وألمانيا وليشنشتاين

وقد سُحِر الشاعر الانكليزي لورد بايرون عند رؤية أطلال قلعة جبل دراخينفيلز(قمة صخرة التنين) إحدى قمم الجبال السبعة المطلة على الضفة الشرقية لنهر الراين بمناطق ماينز وكونغزفنتر عام 1816، فكتب قصيدته الشهيرة (صخرة راسخة على جبل دراخينفيلز). المناظر الخلابة هي التي ألهمت بايرون تدفقاً شِّعرياً مُفعماً بحب الطبيعة، حتى آل به الأمر إلى أن يكتب بكل شغف، بأنه يُفضّل قضاء حياته متجولاً في محيط البرج المكلل للجبل.

ويُسلّط مُتحف (الجبال السبعة) في منطقة كونيغسفينتر الهادئة الضوء على هذه الحقبة الرومانسية، ويُتيح الفرصة لإحياء المشاعر الرومانسية مجدداً في نفوس من يمرون بالنهر الأشهر في ألمانيا.

أطلال قلعة دراخينفيلز لم تلهم الشعراء هاينريش هاينه وكليمينس برينتانو وجوزيف فون آيشيندورف فحسب، بل ألهمت أيضاً كثيراً من الرسامين وساقتهم لاستكشاف النهر ومناظره الطبيعية المختلفة الساحرة وتجسيدها في لوحاتهم.

تحتل القلاع والحصون والقصور والكنائس غالباً قمم المرتفعات في هذه المنطقة، وقد اتخذها الامراء والنبلاء في العصور الوسطى، لتكون تحصينات عسكرية بمحاذاة الطريق التجاري الأكثر تزاحماً في غرب أوروبا، ولكن تغير الأزمان وتطور التكنلوجيا، نزع عن كل تلك المباني أهميتها السياسية والعسكرية وجعل منه مجرد آثاراً تاريخية يرتادها السواح وتبع ذلك أن تقنيات الأسلحة الحديثة جعلتها فائضة عن الحاجة، كما أنها باتت أماكن لا تصلح للسكن المعاصر نظراً لارتفاع تكاليف تدفئتها وإنارتها وصيانتها بشكل كبير.

وإلى الجنوب من هذا، هناك قلاع وحصون منطقة لنتز، ولو أمعن المرء ابحاراً نحو الجنوب، فسيكون حصن شتولسنفيلز Schloss Stolzenfels المشيد عام 1259 على قمة جبل تطل على نهر الراين هو المعلم الهام الذي يتوقف عنده، الحصن هو نتيجة تراكم معماري عبر القرون جعل منه لوحة عريقة تلونها فنون عمارة 8 قرون. الأبراج مبنية على النمط الغوطي الحديث، والطريق الى الحصن يتلوى صعوداً بين الغابات والصخور والتلال والقمم.

وتقام في هذه المناطقة باستمرار مزادات عامة لبيع تلك الحصون والقلاع والقصور، ويبدأ سعرها أحيانا من “يورو واحد” وهو لعمري تطور جائر ينزع عن تلك الآثار الجميلة قيمتها ويحولها إلى مجرد أحجار تباع أحيانا لمن يرغبون في بناء الكنائس أو تزيين واجهات بيوتهم الانيقة العصرية. حتى بات من المدهش وجود بقاياً منها. وتنتمي أحجار كاتدرائية مدينة كولونيا أيضاً إلى الراين، فقد استُخرج الحجر الرمادي المعروف باسم “دراخيت” من جبل دراخينفيلز وأُرسِل إلى مدينة كولونيا على مدى قرون وصولاً إلى القرن التاسع عشر.

حصن شلوس غراخت في الراين الأوسط بألمانيا، من اجمل مناطق الراين في المانيا

ولا يزال جبل دراخينفيلز البالغ ارتفاعه 350 متراً، قبلة العديد من الزوّار، بمقارنة بسائر جبال أوروبا.

تلك الأطلال الممتدة على ضفاف الراين أضحت رموزاً سياسية تؤجج المشاعر الوطنية والقومية التي وظفها الساسة ومنهم صانع الوحدة الألمانية في القرن التاسع عشر أوتو فون بسمارك.

الطبيعة التي ألهمت الرسامين والشعراء أتاحت لهم في نفس الوقت عرض مظاهر التمدن والتمدن على ضفاف النهر، وهكذا أنجز يوهانيس ياكوب ديتسلر، على سبيل المثال لا الحصر، لوحة تبدو للوهلة الأولى رسماً متقناً لحياة ريفية هادئة، ولكن من يُمعن النظر، يكتشف أن الرسام قد أبرز علاوة على المناظر الطبيعية الخلابة، ملامح تكشف عن البنية التحتية الحديثة، إذ رسم سفينة بخارية تعبر الراين، وكروم العنب على الضفتين، وعربة تجرها الأحصنة تنقل المسافرين إلى النهر.

الرومانسيون الألمان وغيرهم أسرفوا في وصف الطبيعة، وابتكروا إضافات لها من أخيلتهم وهكذا نشأت أيضاً أسطورة لوريلاي الشهيرة، فلم تكن لوريلاي قبل القرن التاسع عشر سوى صخور شديدة الانحدار في منطقة سانت غوارهاوزين بالقرب من مدينة كوبلينز، وكان العبور في المجرى المائي خطيراً بسبب المياه الضحلة، التي تسببت بالعديد من الحوادث المؤسفة للسفن. تحطم السفن أوحى للمرة الأولى عام 1801 بأسطورة حورية البحر، التي جلست على الصخور هناك لتسريح شعرها الذهبي، وحطّمت السفن بغناء تعويذتها.

وفي عشرينات القرن التاسع عشر سلّط الشاعر الألماني الكبير، هاينريش هاينه، الضوء مجدداً على حكاية لوريلاي وأفسح مكاناً لأسطورة حورية باخاراخ على الصخرة لتسريح شعرها، ومعها أصبحت الأسطورة متقنة. وبصورة مشابهة كتبت ونشرت ملحمة سيغفريد، قاتل التنين، للمرة الأولى في القرن الثامن عشر.

أما الرسام السويسري لودفيش بلويلير، فقد أبرز في لوحاته العنصرين، الحُلم والحقيقة، وهكذا يكشف مشهد من مدينة ماينتس عن حديقة عامة يتجول فيها كثير من المُتنزِّهين، وقاطرة تسير عبرها في وقت لم تكن هناك سكة حديد في المنطقة، لكن جرى لاحقاً، بعد وفاة بلويلير بثلاثة أعوام، افتتاح خط للسكة الحديدية على الضفة الغربية للراين.

وسُجِّل وادي نهر الراين الأوسط عام 2002 في لائحة الميراث الثقافي العالمي “اليونسكو”. نهر الراين ألهم الرومانسيين فناً وشعراً، رغم أن عصر مجد الراين سبق اكتشافه من قبل الرومانسيين بمائتي عاماً.

ومنذ نهاية عشرينات القرن التاسع عشر تدفق آلاف السائحين إلى المنطقة، وساهم تسيير السفن البخارية في جعل الرحلات ذات أسعار معقولة، الأمر الذي دفع أهالي مدينة كونيغزهاوسيس الانكليزية إلى زيارة النهر الشهير. وتنامت شعبية الراين نهاية القرن التاسع عشر لتصل إلى ذروتها في المجال الفني، لكن في القرن العشرين حلت الرحلات البعيدة بالقطارات والطائرات محل رحلات اليخوت عبر نهر الراين.

الراين Rhein هو أطول أنهار ألمانيا حيث يقطع في أراضيها 375 كيلومتراً، وهو واحد من أطول انهار أوروبا أيضاً. وحيث يلتقي ببحيرة كونستانس جنوب غرب ألمانيا بعد الحدود مع النمسا، يسخّر نفسه لخدمة الألمان حيث يوفر لهم أغلب مياه الشرب العذبة، لكن سمعته كرمز للرومانتيكية تطغى على كل شيء وتجبر أي متابع لمساره أن يتأمل هذا الجانب، وما دمنا نتحدث عن بحيرة كونستانس فلابد أن نذكر جزيرة مايناو ساحرة الجمال، والتي تصبح معرض ألوان يجذب السياح والزائرين ابتداء من شهر آذار/ مارس وصولاً لشهر تشرين الأول/ أكتوبر، وفي جنائن القصر الباروكي في الجزيرة تضوع أكثر من نصف مليون زهرة مدارية في هذه الربوع بأكثر العطور عبقاً. وباتجاه غرب بحيرة كونستانس، يمخر نهر الراين عباب الغابة السوداء ” Schwarzwald” حيث تكتسب ضفافه مظاهر عالم آخر مختلف تماماً عن دلتا النهر العليا في ألمانيا.

في منطقة “فرايبورغ إم برايزغاو” يمر الزائر بقلعة روتلن المطلة على لوراش والحديقة المعمارية “فايل أم راين”. في هذه الربوع نجد جامعة أنشئت عام 1457، وقلعة قوطية، علاوة على كاتدرائية Freiburg Münster التي وضعت أحجارها الأولى عام 1202، والتي يعد كثيرون برجها البالغ ارتفاعه 116 متراً أهم الملامح المعمارية المسيحية على الإطلاق.

جانب من جسر الدول الثلاثة على نهر الراين بمدينة فرايبورغ جنوب ألمانيا

مسار النهر شمال مدينة فرايبورغ يمر خلال مزارع الكروم لمنطقة “كايزرستول”، ثم يمر عبر “بارك أوروبا”، وهو أكبر متنزه في ألمانيا، بمنطقة روست، ثم يودع الغابة السوداء بمدينة كارلسروه، ليسير عبر المدن التي شكلت حدود الإمبراطورية الرومانية.

وحيث يلتقي الراين بنهر نيكار أقيم مركز مانهايم الصناعي العملاق، تعقبه تماماً مدينة فورمز التي شهدت قيام المصلح مارتن لوثر بتغيير التاريخ المسيحي، وعلى مبعدة 35 كيلومتراً، ينحني الراين حول غرب مدينة غوتنبيرغ الشهيرة “ماينز”.

يتلوى نهر الراين في مساره عبر وادي أعلى وسط الراين شرقاً وغرباً كما لو أنه يعبّر عن بهجته للمشاهد المحيطة به. وبين فينة وأخرى تظهر منحدرات صخرية شاهقة لتُضيق مسار مياه النهر الداكنة ­ التي تعكس على صفحتها تلك المنازل نصف الخشبية المنتشرة على ضفاف النهر بألوانها الخلابة.

ويمثل الوادي الواقع بين بلدتي روديسهايم ولانشتاين الألمانيتين إحدى أكثر المناطق جاذبية على هذا الطريق؛ فالدروب الضيقة تفسح المجال أمام مسارات التنزه الواسعة والتي تتلوى عبر الوديان المجاورة، ثم تتحول إلى ممر للسابلة المشاة مرتفع يصل بالمتنزهين إلى القمة التالية.

ولا تسنح الفرصة أمام المتنزهين لسماع أنغام أناشيد الرعاة إلا في المساء، وذلك من أطراف القرى الناعسة المنتشرة بطول ضفة النهر. بيد أنه في تلك البقعة من الطريق، والتي تعد أكثر جاذبية، يتنقل المتنزه بين افتتان وانقباض؛ بين جمال طبيعي، واختفاء مخيف لمظاهر الحياة.

ثم يدخل الراين مدينة هيسه ليجتاز حانات النبيذ في رودسهايم دوبلغاسه، عبر “بنجين أم راين”، ليسير من هذه المنطقة وصولاً إلى مدينة بون عاصمة ألمانيا الغربية سابقاً.

في مدينة كوبلنس ينتهي وادي الراين الأوسط، حيث يصب فيه نهر آخر اسمه الموزيل. نقطة المصب هذه تمنح المنطقة منظراً ساحراً يستحق مشاهدته. ورغم أن التلفريك (معبر هوائي) القديم الذي يحلق فوق المنطقة لم يندرج إلى الآن تحت لائحة التراث العالمي، غير أن التحليق داخل المقصورة الزجاجية فوق نهر الراين التي تحط عند قلعة أيرينبرايتشتاين يعتبر بحد ذاته رحلة عبر التراث العالمي. ثم يسير النهر حتى مدينة كولونيا الشهيرة الجميلة، بكاتدرائية الدوم، ومهرجانات المثليين الملونة الشهيرة، ومحطات تاريخ الوحدة الألمانية، ومحطة قطاراتها الشهيرة.

كاتدرائية الدوم الشهيرة التي أصبحت بعد انتهاء تشييدها مثالاً لبناء الكنائس في العالم، وقد استمر بناؤها قرابة 632 عاماً وهي أطول مدة استغرقت لإنشاء بناء معماري في ألمانيا. وقد انتهى البناء عام 1880 وكان آنذاك أطول بناء في العالم، حيث يبلغ ارتفاع الكاتدرائية 157 متر. واحتفاءً بهذه العمارة الدينية تم ادراجها عام 1996 على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو.

ولكي استكشف بنفسي معالم جزءاً من نهر الراين في مساره الألماني قررت أن أسافر عكس مسار النهر الذي يسافر دائما نحو الشمال، فأخذت مقعداً في يخت “غوديزيا” من محطة خلف ساحة الدوم بمدينة كولونيا متجهاً الى مدينة لنتز. ودفعت أربعين يورو واعتليت السلم الذي قادني الى سطح اليخت، وانتخبت الطابق الأعلى لأستلقي في الشمس النادرة بألمانيا حتى في شهر أيلول/ سبتمبر.

جلست قرب زوجين جاوزا الأربعين، وهما يتمددان متلذذين بشعاع الشمس والسماء الزرقاء وخرير الماء وصوت الموسيقى الذي يصدح قبل بدء الرحلة.

أذنت الساعة الثالثة، فقرع الربّان جرس الرحيل، ورفع السلم الواصل إلى الرصيف، وشرع اليخت يمخر عباب نهر الراين نازلاً باتجاه مدينة لينز. الماء رمادي غير شفيف، وحاولت أن ابدأ حديثا مع جاريّ فسألتهما لماذا لا يصطاد الناس السمك من النهر؟

أجابني الرجل وهو يعدل نظارته السوداء على عينه ليحدق فيّ بعمق دون أن أرى عينيه: الراين ملوّث منذ بدأت الثورة الصناعية، وقد تناقص حجم التلوث، لكنه ما زال مرتفعا بالنسبة لأغلب الأحياء النهرية ويقضي عليها.

نهر الراين كورنيش مدينة مولهايم على الراين، هنا يتعرض النهر الى تلوث صناعي كبير

هل تعني أنّ المصانع تلقي فضلاتها في النهر فتلوثه؟

كان الأمر كذلك حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكنّ ذلك بات اليوم ممنوعاً بشدة، إلا أنّ كثيرا من التلوث ينتج عن حركة السفن في الراين وهي حركة كثيفة فعلا.

سارعت الشقراء الجميلة التي تجالس الرجل إلى هاتفها المحمول الذي يدعونه بالألمانية” هاندي” واستظهرت معلومات فورية عن حركة الملاحة في الراين، وشاركت بهدوء في الحديث قائلة: حسب التقرير اليومي ” للهيئة المركزية للملاحة في الراين” فإنّ 400 وسيلة نهرية تمخر الراين في منطقة كولونيا، و300 في منطقة ماينز حيث تقع مدينة لنتز التي نتجه إليها، يومياً. فيما يبلغ حجم النقل السنوي في الراين في هذه المنطقة نزولا من الحدود الهولندية أكثر من 310 مليون طن!

واضافت بجدية دون ابتسام: أيةُ أحياء تعيش في الماء وسط كل النفايات التي تلفظها السفن “ابفال فاسر”؟

وسكتنا، فبقيت اتأمل جمال السماء، والمناظر الخلابة على ضفتي الراين الجميل، هذا النهر الذي ارتبط بتاريخ ألمانيا، وخاصة في منطقة الرور الصناعية التي تتوسط ولاية نورد راين فستفاليا الأكبر مساحة والأكثر كثافة سكانية.

دليل الرحلة، يشرح بانتظام المحطات التي يمر عليها اليخت، صاعداً ونازلاً في الشرح عمودياً مع تطورات التاريخ (الزمان)، ومتمدداً أفقياً مع تطورات الجغرافية (المكان)، وهكذا تشبّع “زمكان” بالمعلومات حتى رسا اليخت الفخم على رصيف “راينفيره لنتز كريب”.

لنتز مدينة تاريخية، في سفح جبل تحت قلعة وحصن يرقى للقرن الثالث عشر ميلادي، تحفّ به سفوح خضراء متدرجة ما زالت يانعة بالزرع رغم أنّها شديدة الانحدار باتجاه النهر.

في الخامسة مساء عاد اليخت ليرسو على الرصيف بانتظار نقلنا عائدين إلى مدينة كولونيا، هذه المرة اخترت الجلوس بالقرب من رجلٍ جاوز الخمسين، وحاولت أن أحاوره حول تاريخ الراين، الا أنّه بقي معتصماً بالجمل البرقية القصيرة التي تبدأ بأنين قصير وتنتهي بكلمة “يا” وتعني نعم، أو “ناين ” وتعني لا. ففهمت أنّه لا يروم حديثاً مع أيّ أحد مفضّلاً البقاء في وحدته، وتركته لحاله وغرقت بتأملاتي حتى رسا اليخت إلى رصيفه في قلب كولونيا.

وبالعودة للمعمار الألماني الذي شاع على ضفاف الراين، تمثل مدينة آخن الواقعة في أقصى غرب ألمانيا على الحدود الهولندية والبلجيكية نموذجاً لهذا المعمار. وتعد كاتدرائية آخن التي أمر ببنائها شارلمان عام 796 إحدى معالم المدينة المعمارية البارزة، وكانت قد دمرت عام 881 وتم إعادة ترميمها عام 981 وأضيفت إليها الأجنحة القوطية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. وجدير بالذكر، أن كاتدرائية آخن هي أول معلم ألماني تم ادراجه على لائحة الميراث العالمي الخاصة اليونيسكو وذلك عام 1978. لابد من التذكير هنا أن ثلاثين ملكاً قد توجوا على مر السنين في هذه الكاتدرائية.

 ويغادر النهر مدينة كولونيا ليصل إلى مدينة “دوسلدورف” عاصمة ولاية شمال الراين فيستفاليا وهي التي باتت مركزاً إعلامياً معروفاً، علاوة على برج الراين الشهير والبنايات المائلة في مرفئها المزدحم.  ويزخر هذا المرفأ المعروف ب”ميناء الإعلام” (ميدين هافن) في دوسلدورف بمعالم معمارية تحظى بشهرة تتخطى حدود المدينة، هذا علاوة على مبنى برلمان ولاية شمال الراين فيستفاليا، ومباني جيري المائلة (جيري باوتن)، ومبنى (شتادت تور) الحاصل على جائزة (أفضل مبنى مكاتب في أوروبا) أو مبنى (كولوريوم).

ومن الجدير بالذكر أن تسمية ميناء الإعلام “ميدين هافن” التي أُطلقت على هذا الميناء الصناعي السابق، تعود إلى كثافة انتشار القنوات الإذاعية والتلفزيونية الكبيرة والمتنوعة في أرجائه. وإلى جانبها مقرات وكالات التلفزة والإعلان وشركات إعلامية ومكاتب معمار وهندسة وتصميم.

ثم يدلف النهر إلى منطقة الرور، حيث يفقد كل ملامحه الرومانتيكية في واحدة من أكبر المراكز الصناعية في العالم، ومن عندها يغادر الراين إلى هولندا.

ميناء روتردام بهولندا هو الأكبر على نهر الراين

الراين في هولندا

يتعلم التلاميذ في هولندا أن نهر الراين يدخل بلادهم من قرية Lobith ولكن يبدو أن الأمر قد تغير اليوم، حيث عدّل النهر مساره بسبب جرف التربة من ضفة وتراكمها في ضفته المقابلة على مدى قرون، وبات الراين يدخل أراضي هولندا في قرية سبيك منذ عام 1817.

والحقيقة أن الراين يتوزع على عشرات الجداول قبل أن يصل بحر الشمال خارجاً من هولندا، وبهذا يمكن القول إنّ ميناء روتردام، يمثل آخر مدينة كبرى مهمة على الراين عبر مسراه الطويل، ولابد من التذكير أن هذا الميناء هو من بين الأكبر في أوروبا، ويعده البعض أهم موانئ أوروبا إطلاقاً لأنه يربط القارة ببريطانيا، ويربط الضفة الشرقية للمحيط الأطلسي بضفاف الساحل الشرقي للمحيط في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد أثر الراين بشكل كبير في تحديد ثقافة وهوية الهولنديين الساكنين على ضفافه، ويتجلى ذلك بوضوح في مدن “دوردرشت” و “أوترشت”، حيث تصنع دلتا النهر اقتصاديات هذه المدن، ويمكن تقصي الأثر في طواحين الهواء التي بنيت لري حقول الورد والزنبق الهولندي الشهير، بل يمكن تذوق نكهة الراين في اجبان وألبان المراعي الهولندي المنتشرة على ضفافه بكثافة.

التشاطيء الدولي الأوروبي على ضفاف الراين صاغ إلى حد كبير النظام السياسي في هولندا، فسلامة أي مدينة تعتمد على ما تقوم به المدن الأخرى من نشاط في الراين، سدوداً أو مساقط مائية أو بحيرات أو جداول.

منابع الراين في سويسرا

في الحديث عن الراين الألماني، تشكل منابعه في سويسرا محطة لابد من الوقوف عندها، حيث يعد من أهم مصادر انتاج الطاقة هناك. تبدأ ولادة الراين حين تتجمع مياه جداول “لاي دا توما” Lai da Tuma، الواقعة في كانتون غراوبوندن، على إرتفاع 2,345 متر فوق مستوى سطح البحر، وهي مياه ناتجة عن ذوبان ثلوج جبال الألب المصدر الرئيسي لنهر الراين.

في “لاي دا توما” يسود هدوء يتيح للزائر الانصات لأصوات الطبيعة ولا يتعدى ما يسمعه هنا تغريد الطيور، وبينه صفير طائر الغرير بين الحين والآخر. لكن وللأسف، لم تبق بحيرة توما بمنأى عن البشر. فقد ساهم افتتاح طريق منابع الأنهار الأربعة عبر جبال سانت غوتهارد، في جذب آلاف الزوار الراغبين بالتمتع بالمياه الجليدية في أيام الصيف الحارة. ويبلغ طول الطريق 90 كيلومتراً، يسير برمته بين منابع الراين، وهي الجداول المعروفة برويس، وتيسينو والرون.

عند مخرج البحيرة، يختلط رافد “راين دا توما” بحفرة جليدية مظلمة تظهر للعيان على انخفاض 20 متراً نحو الأسفل، في بداية رحلة تاريخية بطول 1,230 كيلومتر تتجه به إلى بحر الشمال. لكن سرعان ما يختفي التيار السريع مرة أخرى تحت الأرض، ولكنه يُخفق هذه المرة في الظهور إلى السطح ثانية؟ إلى أين يكون قد ذهب يا ترى؟

وعلى بعد مسافة معقولة في أسفل الوادي يظهر نهر آخر ولكنّ مياهه ليست من توما، بل من جداول أخرى في منطقة مجمعات المياه.

ووفقاً لمجموعة “أكسبو” Axpo لإنتاج الطاقة الكهربائية التي تُدير هذا الجزء، يتم احتجاز مياه رافد “راين دا توما”، مثله مثل العديد من روافد المنبع الرئيسي لنهر الراين الأخرى أو “الراين الأمامي” كما يُسمى بالألمانية، ليجري بعدئذٍ ضخها إلى مسار محفور بالجهد البشري، لتمسي جزءاً من أهم شبكة كهرومائية للضخّ والتخزين في سويسرا، وهكذا يغيب المجرى التاريخي الطبيعي لهذا النهر، ليحل محله نهر مصنوع من عدة جداول وبحيرات صناعية عبر سدود توليد الطاقة في سويسرا والنمسا وألمانيا وفرنسا. الإطلاق المفاجئ لكميات كبيرة من مياه النهر من خلال توربينات في فترات حمولة الذروة إحدى المشاكل الرئيسية في المنطقة. وتتأثر بهذا التدفق الصناعي الشديد مسارات الراين الأمامي، والراين الخلفي، علاوة على أجزاء من راين جبال الألب الممتد من “ريشناو” (كانتون غراوبوندن) وصولاً لبحيرة كونستانس المار ذكرها والواقعة من حيث الجغرافيا السياسية بين سويسرا وألمانيا والنمسا وإمارة ليشتنشتاين.

أنفاق المياه المُتعرِّجة التي تصعد سفوح الجبال وتهبط منها تنقل معها المياه عبر السدود إلى محطات توليد الطاقة الكهرومائية التي أنشئت في عام 1960 في مدن صغيرة مثل “تافاناسا” Tavanasa و”رايشناو” Reichenau في كانتون غراوبوندن.

نهر الراين بمنطقة ايمريش بسويسرا

في سويسرا، تبلغ نسبة الطاقة الكهرومائية المنتجة نحو 55% من مجمل الطاقة الكُلية، تُنتَج منها نسبة 21% في كانتون غراوبوندن، والكلام دائما لموقع سويس انفو.

من منبع نهر الراين في بلدة “لاي دا توما” في كانتون غراوبوندن بسويسرا، وصولاً إلى بازل في أقصى شمال سويسرا، أقيمت العديد من السدود على طول مسار نهر الراين.

وإلى الأسفل من بلدة ديسينتيس Disentis مباشرة، تستوقف الزائر شارة خطر تُحذر من احتمال حدوث فيضانات مفاجئة ناجمة عن محطات توليد الطاقة الكهرومائية.

ويتضح لمن يتابع مسرى النهر، أنّ السدود ومحطات الطاقة الكهرومائية المتعددة، تقطع غالبية مسارات الهجرة للكائنات المائية. وفي معظم الأحيان، لا توجد السلالم المصممة لمساعدة الأسماك على التحرك باتجاه منبع النهر (سباحة ضد التيار).

وحسب مصادر الاعلام السويسري فإنّ جمعية “ProFischAlpenrhein” وترجمة الاسم هي “مع وجود السمك في راين جبال الألب” قرعت جرس الإنذار، واصفة الوضع في المنطقة ب “الكارثي”. وحثت السلطات وشركات الطاقة على تنفيذ إجراءات تخفيف الفيضانات الاصطناعية التي اتفق عليها في عام 2011، مثل تحويل أو تفريغ تيار الماء المندفع بشكل منفصل، أو خفض وتلطيف نظم التدفق الداخلة والخارجة من المحطات.

وفي قرية “فالنداس”Valendas الصغيرة، يكشف نهر الراين عن جانبه الثائر العنيف ثانية، قاذفاً بالقوارب عبر المنحدرات وهو يتمايل مُخترقاً قمم الأحجار الجيرية الضخمة عند مدخل أخدود “رويناولتا” Ruinaulta، أو كما يُطلق عليه أيضاً “غراند كانيون سويسرا” وبعد بضعة كيلومترات يعاود النهر تغيير مساره ثانية. ومع خروجه من الوديان في رايشناو، يلتقي الراين الأمامي بشقيقه الخلفي المُنحدِر من ممر سان برناردينو، ليشكلا معاً مزيجاً جديداً بنياً موحلاً.

وعلى طول هذه المسافة الممتدة ل 80 كيلومتراً، يبدأ النهر بالتضخم وهو يلتقي بروافد رئيسية من جهة الشرق، كما يتوسع قاع الوادي تدريجياً. ولكن قبل عدة قرون كان الراين ينسج طريقه عبر الوادي بأكمله، وكان اتساع قاع النهر يزيد عن الكيلومتر في بلدية تريزين جنوب غرب إمارة ليختنشتاين مباشرة.

ولكن نهاية القرن التاسع عشر شهدت تدخل الإنسانً لتصحيح مجرى النهر بشكل جريء، بغرض الحماية من الفيضانات.  

إحدى المبادرات السويسرية – النمساوية للحفاظ على نهر الراين حياً تواجه بعض الصعوبات. فمشروع “ريزي ” Rhesi  الذي تبلغ تكلفته 600 مليون فرنك سويسري والهادف إلى الوقاية من الفيضانات وإعادة التجانس على امتداد 30 كيلومتراً بين مصب رافد “إيل” Ill أعلى إمارة ليشتنشتاين وبحيرة كونستانس، يعترض عليه بعض أصدقاء البيئة، رغم ان صوت الاعتراضات ما زال واطئاً، كما أن فاتورة التكاليف ما برحت ترتفع كما هو الحال في كل مشاريع بلدان أوروبا الغربية.

وتمتد دلتا نهر الراين، وهو مثلث أقيم في عام 1900، بين القناة ونهر الراين الأصلي على مساحة أكثر من 2,000 هكتاراً. وهو يُعَدُّ موطناً غنياً بالثروة الحيوانية وبمئات الأنواع من الغطاء النباتي، ومئات الأنواع من الطيور، وبينها طائر الخرشنة الشائعة والقطقاط المطور الصغير.

ويعيش ما يقدر بنحو مليوني شخص حول ثالث أكبر بحيرة في أوروبا الوسطى. وتمثل مياه النهر العذبة مستودعاً قيماً لإرواء أربعة ملايين شخص، بضمنهم سكان مدينة شتوتغارت الألمانية على بعد 120 كيلومتراً. كما تعتبر البحيرة أيضا ملعباً مزدحماً لمن يريد قضاء أيام العطل.

وترغب كل من السلطات السويسرية والألمانية باتخاذ إجراء ما لتحسين قيعان الأنهر المتآكلة وغيرها من الأضرار البيئية الناجمة عن السدود. وكان المكتب الفدرالي للطاقة قد قدَّم في عام 2013 خطة شاملة مشتركة لدفع السلطات المحلية وشركات الطاقة لتنشيط رواسب قيعان الأنهار في أجزاء معينة.

ينبع نهر الراين من جداول ذوبان الجليد بجبال الألب بسويسرا

وعلى مسافة غير بعيدة، يبدأ الوادي بالتضييق وصولاً الى شلالات الراين – الأقوى والأكبر في أوروبا- حيث يتقافز السواح بحماسة مبتعدين عن المياه المتساقطة من ارتفاع 23 متراً لترتطم بمياه الشلال الذي يبلغ عرضه 150 متراً.

ابتداء من هنا، والكلام دائما لموقع سويس انفو، يبدأ مسار النهر بالتباطؤ ليسلك طريقه بشكل طبيعي بين منحدرات الغابة السوداء وسفوح جبال جورا. وبصرف النظر عن بعض الأقسام المتدفقة بحرية، مثل منحدرات كوبلنز، يعود النهر ثانية ليكون تحت سيطرة الإنسان.

وتعتبر السباحة في مياه نهر الراين الباردة هواية صيفية أساسية بالنسبة لسكان بازل، بجانب تمضية الوقت مع الأصدقاء على ضفاف النهر المشمسة في حي “كلاين بازل” Kleinbasel  “بازل الصغيرة.”

وفي بلدية “فايل أم راين” الألمانية شمال بازل، والتي مرّ ذكرها في مكان سابق من هذا المقال، يمكن مشاهدة مبنى أبيض منفصل بجوار النهر، يمثل المحطة الدولية السويسرية الألمانية لرصد نهر الراين، التي أنشأت في عام 1986 في أعقاب كارثة ساندوز. وتعمل هذه المحطة كواحدة من سبع محطات إنذار هامة، وتقوم بفحص نوعية المياه ودرجة الحرارة ومستوى ثاني أكسيد الكربون باستمرار.

وتؤخذ عينات من المياه بشكل يومي لتُرسل لاحقاً إلى مختبر في بازل حيث يتم تحليلها. ومنذ بداية عام 2012، أصبح بالإمكان القيام بفحص دقيق يومي لأكثر من 300 مادة في المياه.

وكان الحريق الذي شبّ في شركة “ساندوز” للكيميائيات في عام 1986 قد حول مياه نهر الراين الى اللون الأحمر، أما اليوم فالمياه زرقاء مخضرة.

ولعل ما قاله الروائي الفرنسي الكبير فيكتور هوغو يبقى من أجمل التواصيف بحق هذا النهر الجامع للثقافات والسياسات والشعوب ” الراين فريد من نوعه، ففيه تتظافر صفات كل أنهار العالم، فهو غامض كالنيل، مرصع بالذهب مثل نهر أمريكي، وموشى بالأساطير والأشباح كنهر آسيوي”.

ملهم الملائكة

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *