تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مع النمل والرمل حتى بانت الحقيقة!

يناير 11, 2022 | 0 تعليقات

مع النمل والرمل حتى بانت الحقيقة!

 ثلاثة أشهر في كتيبان مقابل مخفر زيد، واسمها على الخرائط العسكرية منطقة الكثبان الرملية، شمال شرق البصرة،  كان مقر لوائنا في نقطة تهب عليها رياح الصحراء الرملية الحصباء ليل نهار كل أشهر الصيف، وأضيفت إليها العواصف التي تسببها سرف الدبابات والناقلات وهي تزحف على الرمال، فكان جحيماً رملياً لا يطاق.

مع الرمال والمعارك، تعذر عليّ أن ابني لنفسي ملجأ، فبقيت في الخندق الشقي المغلف بالصفيح المضلع 100 يوم في درجات حرارة تصل إلى 60 نهاراً، وتتدنى إلى 20 ليلاً، لكن هبوب الحصباء لا يفارق هذه المنطقة الملعونة، وربما كان هذا السبب في أنها بقيت عصيّة على الإيرانيين فلم يتمكنوا من اختراقنا.

قبل بضعة أشهر، وبعد هزيمة المحمرة، انسحب عدد من المقاتلين الأحوازيين العرب وعائلاتهم من المحمرة وعبادان حيث كانوا قد شكلوا جبهة تحرير الاحواز متعاونين مع الاستخبارات العراقية “المنظومة الجنوبية” التي كان لها مقر مخصص لشؤون الأحواز، واضطروا أن يتعاملوا مع الملف الاحوازي، حتى جرى تشكيل مكتب مختص في المخابرات العامة العراقية، وفتح له مكتباً في البصرة يتولى تنسيق العمل مع عناصر الجبهة ومقاتليها، فاستقل الملف الأحوازي عن الجيش.

خلال أيام المحمرة حيث ضربت الفوضى كل شيء، التقيت ذات ظهيرة، في قرية عتبه المشؤومة، عنصراً من جبهة تحرير الأحواز، أو ما سمي حينها المقاومة العربية في الأحواز، وكان يقود سيارة بويك أمريكية بلون أخضر مغبر تعود لنهاية سبعينات القرن الماضي (يعني حديثة وغالية الثمن آنذاك)، السيارة تحمل لوحة كتب عليها ” أ.ح / عراق”. التقيت الرجل قرب مقر لوائنا في قرية عتبه، كان يبحث عن بنزين لسيارته، وسأل الحرس في باب مقر اللواء عن بعض البنزين، فجاءني الحرس، وكنت في زيارة للمقر أعود بعدها إلى الجبهة، فخرجت له لأسأله كيف وصلنا، وكشف لي أنهم جبهة تحرير الأحواز ويعملون مع الاستخبارات، وقد فرغ خزان سيارته ويريد بنزينا يوصله إلى مركز الاستخبارات في مكان ما من الجباسي، قلت له إني انتظر عودة سيارتي التي أرسلتها لأمر ما، وسأطلب من سائقها أن يعطيه بعض الوقود، ولكن ليس بشكل رسمي، فقط بما يكفي لإيصاله إلى مقر الاستخبارات.

وبانتظار السائق صار الأحوازي واسمه، أبو خلدون، يحدثني عن جو هذه المنطقة، لغته قريبة جدا من لهجة جنوب العراق، إلا أن بعض مفرداته ليست موجودة في لغتنا، فيقول لي أن هواء المنطقة حار في نهار الصيف جداً، ولكنه يبرد في ليل الصيف. وحدثني عن هبوب العواصف الرملية، وكيف أنها تهب على بعض المناطق لأشهر كاملة ليل نهار، بسبب اختلافات الأجواء، حسب وصفه، وقد وصف الغبار والعواصف الترابية بأنها “عياي” بلهجة الأحوازيين (عجاج بلغة العراق).

وبعد أشهر من هذا اللقاء، ونحن نكد ونقاتل في كثبان كتيبان الرملية، تذكرت حكايا أبي خلدون، ووجهه الذي لوحته الشمس وحصباء العواصف، وتعجبت كيف يعيش الناس في هذه الأنحاء.

ملجأي التحفة، عبارة عن حفرة غير عميقة في الأرض، أبعادها متران في مترين، وسقفها بضع ألواح خشب، وصفيح مضلع، ولكي يرفعوا السقف فوق عمد ذات إرم، وضعوا صفين من أكياس الرمل تحت ألواح السقف بمحيط الحفرة، وأهالوا عليها تراباً ومن رمل الصحراء، حيث لا صخور تقويها وتفلق القنابل المتساقطة كما هي العادة في المناطق الجبلية، وهكذا أنام في هذا الجحر مرة أخرى تحت رحمة القدر. ولأتقي الرمل المتساقط من أكياس الرمل، والعفونة المتساقطة من الطبقات السفلى الملامسة لأكياس الرمل ولتجميل المكان، وضعت على الجدران، بضعة أمتارٌ من النايلون الملون، بنفسجي فاقع مورد بأبيض، حمامات وزهور !

ومع بدء شهر تشرين الأول/ اكتوبر داهمنا مطر أعقبته سيول، ففاضت الصحراء بأهلها المقاتلين، وخرجنا من خنادقنا الشقية البغيضة مثل جرذان حاصرتها المياه.

ومع الأمطار، تقطعت الخطوط السلكية، وبات علينا أن نخرج لإصلاح الشبكة، وخرجنا ولم أعد حتى الغروب، كان ملجأي غارقاً تماماً بالمياه، ورائحته مثيرة للغثيان، فنمت في غرفة صغيرة ملحقة بغرفة حركات اللواء، وهو ملجأ العلامة 3 هندسة، أعد بطريقة تناسب سكن ضابط الخفر البديل أيام المعارك، ولم يستعمله أحد، فبقي ملجأ للضيوف من الضباط.

في اليوم التالي، أشرقت شمس دبقة الحرارة، فعمت المكان البراغيث والبعوض والبرغش وأنواع من الجراد والذباب لم أر مثلها. وقرب مطعم الضباط دبت أفعى الأصلة القاتلة، هاربة من المياه وهجوم الحشرات، كما خرجت العقارب من جحورها، وباتت الجرابيع تتراكض هنا وهناك. بكل هذه الفوضى وقبل عصر ذلك اليوم، جفت المياه، وامتصت الرمال كل البرك، وتحول المشهد إلى منظر غريب. رمال الصحراء لوحة طينية مضحكة، ما إن تحفر فيها لعمق شبرين حتى يظهر الرمل جافاً صحراوياً كما هو!

المفاجأة الأكبر مع جفاف المياه هي انهيار موضعي الذي أنام فيه، فقد خسفت الأمطار بركن معبدي الرملي الوسخ، فانهار السقف على لوازمي الحبيسة في الملجأ الذي كان قبل ليلة قد غرقت أرضيته بالمياه.  

وقام الجند يرفعون السقف المتداعي على الموضع، لإخراج فراشي وسرير الألمنيوم السفري الجيكي الشهير، وحقيبتي وجهاز راديو ترانزستور كان يسلي ليالي السلام في أرض المعارك، وإبريق بلاستيكي، وبضعة أقداح لتناول الشاي، وحذاء إضافي، ونعل وصندوق عتاد قديم يسير معي حيثما ذهبت، وأضع فيه لوازمي، من ملابس داخلية وشراشف، وجوارب وكتب ومجلات. وما إن بان داخل الموضع، حتى نتأت من الركن الذي انهدم، جمجة كشرت عن أسنانها! كانت مفاجأة لكنها ليست صاعقة، فنحن في ميدان حرب والجثث متوقعة ومنظر يومي، لكن أن تظهر جثة في ملجأ ينام فيه المسكين ملازم ملهم، فتلك مصيبتي التي لم يسمع بها أحد.

جلست على ربوة من طين أتأمل جثة الجندي الإيراني التي بدأت تظهر والجنود يحفرون حوله، لم تكن جثة متهتكة، بل ما زالت جثة حديثة، حتى أن أوراقه الشخصية والصور في جيب بدلته الأعلى لم تتلف بعد، كما لم يسقط كل شعره، ولم يتآكل الجلد. وأكمل الجنود الحفر، فلم يظهر أسفل الجثة! لابد أن قذيفة مباشرة قد أصابته فغيبت أو مزقت نصفه الأسفل، وألقت بنصفه الأعلى بعيدا، فدفنته الرمال التي تهب ليل نهار على هذا الموضع التعس. وأكمل الجنود الحفر، فظهرت يد الجندي، قابضة على جسم معدني، قبضة سلاح أو أنبوب أو بقايا مقود سيارة، لا أدري، لكنه جسم معدني يشبه انبوباً رصاصي اللون.

وهكذا قضيت الوقت حتى الغروب، وأنا أدقق في وثائق ومتعلقات الجثة، وأدونها وأرفعها في كتاب إلى اللواء، لكي يجري دفن القتيل أو نقله إلى خارج مقر اللواء، وهذا ما جرى قبل حلول الظلام في تلك الليلة، أما أنا فبقيت أتأمل في شريك ملجأي الوسخ للأشهر الثلاث الأخيرة…كنتُ أنام مع نصف جثة، وهذا يفسر لي العقارب والنمل والحشرات الغريبة التي كانت تدب على رأسي وجسدي كلما تمددت في هذا القبر الصيفي الحقير.

تلك الليلة أخذت يطاغي (فراشي) وذهبت لأنام عند ضابط الركن الكيماوي للواء  النقيب همام (أسم رمزي) حتى يجري بناء ملجأ لي، وتلك قصة أخرى.

 ملهم الملائكة / فصل من كتاب حين مشينا للحرب                                ***

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

طيور النقيب عادل

طيور النقيب عادل

كل شيء في النقيب عادل مختلف عن سياقاته، فهو نقيب مشاة لكنه دائم التفاؤل والابتسام، وضباط المشاة والدروع في الحرب هم الأشد كآبة بسبب خطورة وضعهم، وهو موصلي ولكنه منفتح لروح النكتة بعيدا عن جدية الموصليين وتحفظهم، وبقي الاختلاف عنوانه حتى النهاية. حين زرت موقع سرية...

قراءة المزيد
لقاءات على محاور الرازيت والشالتر!

لقاءات على محاور الرازيت والشالتر!

صباح مشمس في بداية شباط 1983، ما إن استيقظنا بعد غفوة الإنذار الصباحي في قاطع كتيبان مخفر زيد، حتى فاجأتنا سرية دبابات عراقية كاملة، بالانفتاح على يسار موضع لوائنا، وممارسة تمارين الهجوم السيار على العدو، رغم أنها كانت ضمن حدود قطعاتنا! في كل وقت، تمثل الدبابات عدواً...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *