تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مشفرات التخابر طريقي إلى أهل القمة

مايو 5, 2022 | 0 تعليقات

فجأة، طلبتني مديرية المخابرة لمأمورية عاجلة خصصت لي بموجب منصبي الجديد. نصب مشفّرات هواتف القيادة في مختلف المقرات في بغداد. وبلغة الجيش تسمى مجفّرات لأن الشفرة تسمى جفرة. شكّل هذا الواجب لي تحدياً من نوع آخر.

العدد الكلي للمناصب التي توزع عليها الأجهزة هو 113 ، وهذا يعني أنّ كلّ منصبٍ له مشفّرة واحدة، والمشفّرة (مجفرة) من نوع Crypto AG، تصنيع سويسري. وظيفة هذا الجهاز، هي جعل المكالمة المارة بين المتكلم والمستمع مشفّرة بحيث لا يستطيع أحد الدخول على الخط والتنصت، سواء كانت البدالة التي يمر خلالها الخط عسكرية أم مدنية. العقيد مهندس صفاء*، من آمرية مخابرة المقر العام، هو الذي سلمني المشفرات، وأوجزني بشكل سريع عن أسلوب عملها مؤكداً أن أغلب الدول والمؤسسات الدولية تعتمد عليها للمحافظة على كتمان المكالمات.

أتاح هذا الواجب لي أن ادخل في مكاتب، لم أكن أتخيل أني سأصل إلى أسوارها الخارجية! ومن بينها، مكتب وزير الدفاع شخصياً، مكاتب مدراء وزارة الدفاع كافة، مكاتب رئاسة أركان الجيش، مكاتب أعضاء المكتب العسكري للحزب كافة وضمنها مكتب “الرفيق” عزة الدوري امين سر المكتب العسكري، وواحد من مقرات القيادة العامة للقوات المسلحة إضافة إلى مكتب وزير الدولة للشؤون العسكرية في المجلس الوطني الملحق بالقصر الجمهوري نفسه!

كان عليّ أن أعد لائحة بأسلوب الاستخدام مكتوبة بلغة عربية صحيحة وبسيطة، وأطبعها على ملصق بلاستيكي (ستكر) ثم ألصقها بيدي شخصياً على سطح كل مشفّرة في مكتب كل مسؤول. وترجمت التعليمات من كتيب باللغة الإنكليزية كان متوفراً بنسخة واحدة، وبعد مكاتبات عديدة مع مديرية المخابرة، أحيل طلب إعداد الملصقات إلى مديرية الاستخبارات العسكرية لتنفيذه حسب مصادرها، وتزويدنا به، وهكذا تأخر تنفيذ الواجب اسبوعين كاملين حتى تم إعداد 113 ملصقاً، إضافة إلى عدد غير معلوم من الملصقات للمشفرات التي ستوزعها مديرية الاستخبارات العسكرية على السفارات وعلى مكاتبها في إنحاء العراق وخارجه، هذا غير الجزء الذي ستنفذه رئاسة المخابرات العامة، والمتعلق بمساكن ومكاتب الوزراء وأعضاء القيادة العامة للقوات المسلحة وأعضاء القيادات الحزبية من مستوى أمين سر فرقة فصاعداً.

بدأتُ النصب في مبنى وزارة الدفاع، وما يحمله من ذكريات في الذاكرة العراقية، كل ذلك كان يسير معي في الأروقة الأنيقة المفروشة بالموكيت الأحمر الوثير، والسلم المرمري الفخم الذي يأخذ المعني إلى طابق رئاسة الأركان ومكتب الوزير، ومديرية الحركات، والعمليات، ومديرية التخطيط. في هذا الطابق رافقني ن.ض ب، مأمور بدالة الدفاع الذي يرتبط تاريخ خدمته لأعوام عديدة بهذا المبنى، من عام 1963 حتى عام 1988، وهو مخوّل بالدخول إلى مكتب وزير الدفاع ومكاتب المدراء في ديوان الوزارة كافة. ودخلت إلى مكتب وزير الدفاع، وأنا اتخيل المكتب الصغير الذي رأيت صور الزعيم عبد الكريم قاسم وهو ينام على أرضيته وأقارنها بهذا المكتب الفسيح الباذخ.

المكتب مقسّم إلى قسمين، القسم الأكبر، وهو صالة فسيحة، وضع في نهايتها المخالفة للمدخل طاولة اجتماعات عملاقة يحيط بها أكثر من 40 كرسياً، وعلى صدر الطاولة وضع مقعد وثير بخلفية أعلى من باقي المقاعد يجلس عليه الوزير، وأمامه عدد من الهواتف، وأجهزة التحكم البعيدة بأجهزة الاتصال اللاسلكي، إضافة الى جهاز فاكس وضع على طاولة صغيرة إلى جانب الطاولة الكبرى خلف مقعد الوزير.
وإلى يمين طاولة الاجتماعات هناك قاطع هندي صنع من خشب الجوز “بارتشن”، خلفه مكتب الوزير، المطل على نهر دجلة، وفي نهايته اليمنى، غرفة تقود إلى غرفة نوم الوزير. يعني المكتب بتفاصيله وملحقاته بيت صغير داخل وزارة الدفاع.

كان عليّ أن أربط المشفرة على هاتف في هذا المكتب، وهو الهاتف المتصل بوزارة الدفاع. ولكن المشكلة أنّه توجد على المكتب 3 هواتف ب 3 أرقام مختلفة تتصل كلها على وزارة الدفاع، وهنا كان علينا الاتصال بمرافق الوزير، وسؤاله على أيّ هاتف يريد الوزير ربط المشفرة. ولم يكن متاحاً الاتصال بالوزير، فأخذنا معداتنا على أمل العودة بعد الظهر إلى نفس المكتب، واتجهنا إلى مكاتب مدراء العمليات والتخطيط والحركات.

واستغرق ربط المشفرات في مكاتب طابق الوزير يومين كاملين، ومع ذلك لم نعرف على أي هاتف يرغب الوزير بربط المشفرة، وفي نهاية الاسبوع، وفي يوم الخميس وأنا استعد للعودة الى بيتي، اتصل مرافق الوزير، وأخبر مأمور البدالة أن نحضر إلى المكتب ليدلنا على هاتف السيد الوزير. وذهبنا معا إلى مكتب الوزير، واستقبلنا رجل يافع يرتدي بدلة زيتوني ولكنه بلا رتبة ولا يضع غطاء رأس، ودلّنا على الهاتف الموعود، فقمنا بربط الجهاز، وجربت الاتصال مع رقم معين في بغداد، وآخر في البصرة مع ضابط خفر مكتب مخابرة عمليات الفيلق الثالث، النقيب فلان، وغادرنا المكان بعد اتمام كل شيء.

وتوالت جولاتي في مكاتب المديريات، وكنا لا ننجز سوى هاتفين أو 3 في الجولة الواحدة أحيانا، لأننا نعمل وفق الدام الرسمي فحسب، وبهذه الطريقة تعرفت على عدد كبير من المدراء والقيادات، كان من بينهم مدراء في أحسن الأخلاق، مقابل مدراء ما أنزل الله بهم من سلطان. لكن تجربتي مع الفريق أول الركن عبد الجبار شنشل وزير الدولة للشؤون العسكرية كان لها مذاق خاص.

مقر وزارة الدولة للشؤون العسكرية يقع في بناية المجلس الوطني في كرادة مريم، على نفس شارع الكندي الذي يقع في نهايته القصر الجمهوري. وتطلب الوصول الى مكتب الوزير، ترتيبات واتصالات معدة سلفاً، وانتظار مطوّل في صالة استقبال ضيوف القصر الجمهوري الكبرى خلف مستشفى الطفل العربي في مدخل كرادة مريم.

ثم جرى نقلنا بحافلة صغيرة من تويوتا كوستر مظللة الزجاج مسدلة الستائر، ولدى دخولنا بناية المجلس الوطني، جرى تفتيشنا بدقة، وفحص معداتنا في جهاز يتعرف على المعدات الناسفة، ثم تمت مرافقتنا بعد فترة انتظار إلى مكتب الفريق أول الركن عبد الجبار شنشل، وزير الدولة للشؤون العسكرية آنذاك. قرعت الباب بهدوء، فجاءني صوت أجش يقول “تفضل”!

فتحت الباب، وتخطيت العتبة، ثم أديت التحية بكل نشاط، وقدمت نفسي بشكلٍ رسمي كامل، فلم يرد الفريق الجالس إلى مكتبه الأسود الأنيق الفسيح، بل نظر باتجاهي حانقاً وقال بنبرة حادة آمرة وهو يتأملني من وراء نظارته ذات الإطار الأسود “كما كنت، أرفع ركبتك لمرآة النطاق!” وهذا يعني أني لم أؤد التحية بشكل صحيح، فاضطررت أن اتراجع خطوة، وأعيد أداء التحية وتقديم نفسي بشكل كامل، فرد التحية ببرود وقال “تفضل”. دخلت، ثم دلف نائب الضابط المرافق لي وهو يحمل صندوق المشفرة بمعداته، وأدى التحية، وقدّم نفسه بصوتٍ عال، فرد الجنرال بهدوء، ثم سألنا: “ما هو هذا الجهاز الذي تريدان نصبه”؟

فشرحت له كل ما يخص المستخدم لهذه المشفرة، واوضحت له أن شبكة القيادة مرتبطة ببعضها جميعا من خلال شبكة اتصالات سوف تحميها هذه المشفرات، وأن المكالمات الخارجة من مكتبه، والقادمة إليه، على هاتف المشفّرِة ستكون مشفرة بالكامل ولا يمكن التنصت عليها.

تململ ببرود محتجا، ثم تساءل، هل يلزم أن أغادر المكتب؟

اجبته بأن من الأفضل أن يبقى معنا كي أوضح له كيفية استخدامها عملياً، وأن نصبها لن يستغرق سوى بضع دقائق. فأذن لنا بالعمل وهو منشغل برسائله، وبدأنا عملية الربط بعد أن عرفنا منه على أي هاتف بخط دفاع يريدها.  وحال أن أتممنا الربط، سألته بمن يريد الاتصال لغرض تجربة المشفرة؟

فنظر إليّ حانقاً، وتساءل لماذا تأخرنا في العمل؟ (مع أن كل الربط استغرق 10 دقائق) واجبته معتذراً أننا قد انجزنا العمل بأقصى سرعة ممكنة. ثم سألنا ماذا نريد منه الآن؟

وكان علي أن أعيد طرح السؤال حول رغبته بالاتصال التجريبي بأي أحد، فأجاب أنّه لا يفضل الاتصال بأحد في هذا الوقت، وربما بوسعنا أن نجرب الجهاز مع البدالة!

وأوضحت له أن البدالة ليس فيها مشفرة، ولن يكون الاتصال التجريبي مفيداً للاختبار. وبعد جهد جهيد، اقنعته أن يتصل بمدير المساحة العسكرية اللواء الركن أنمار صلاح الدين الصباغ على سبيل تجربة الجهاز. فرضخ للأمر، وطلب اللواء الركن أنمار وهو ضابط عريق مهذب بتربية تركية ارستقراطية، وهو بالمناسبة نجل العقيد الركن صلاح الدين الصباغ، الذي كان أحد المشاركين في انقلاب رشيد عالي الكيلاني، وقد أعدم في عام 1941.

 وتحدث شنشل مع الصباغ بضع دقائق مبيناً له أنّه يُجري تجربة على المشفرة التي ربطت حديثاً على هاتفه، وبعد كلمات قليلة أغلق الخط، ثم شكرنا، وعاد لأوراقه، فأدينا التحية بقوة وغادرنا مكتبه.

مقابل هذا التشدد، كان واجبنا في المكتب العسكري الحصين المخيف، غاية في السهولة واللين. علما أننا ربطنا هناك 8 مشفّرِات موزعة على مكاتب أعضاء المكتب، وقاعة الاجتماعات، ومدير ذاتية المكتب.

اتصلت في البداية بمأمور بدالتنا في المكتب العسكري ن.ض صبحي، وأخبرته بطبيعة الواجب، وطلبت منه ترتيب الزيارة لنصب المشفّرِات الثمانية، فردّ عليّ أنّ الأفضل أن يجري ربط المشفّرات حين يكون المكتب العسكري خالياً من أعضائه. وهكذا كان، فقد رتّب لنا زيارة في يوم لم يكن فيه أحد من أعضاء المكتب العسكري موجوداً في البناية الحديثة الأنيقة الواقعة خلف مديرية التوجيه السياسي بكرادة مريم، مقابل بوابة أم العظام للقصر الجمهوري.

صبيحة اليوم الموعود، اتجهت بسيارتي اللاندروفر العسكرية، ومعي نائب ضابط مكلّف بالواجب، علاوة على سائقي النجفي المخبول ناهض، إلى المكتب، وأمام البوابة أظهرنا كتاب التكليف الصادر عن مديرية المخابرة، وفيه تخويلي من المديرية بنصب المشفرات، واوضحت للحرس أنّ عندنا موعد، فاتصل بضابط في داخل المكتب، وعاد ليفتح لنا عارضة الدخول، فدخلنا وتركنا السيارة في المراب، وبدأنا ننقل المشفرات إلى موقع البدالة التي تعود لنا، ثم بدأنا النصب في المكاتب الأنيقة الباذخة، وكان يرافقنا دائما أحد عناصر الأمن الخاص ببدلة زيتونية ودون غطاء رأس أو رتبة أو سلاح.

 آخر المشفرات كانت تخص مسؤول ذاتية المكتب، النقيب الرفيق بديوي الدوري، وقد تلقانا الرجل بدماثة خلق كبيرة، ورفض أن نتولى العمل قبل أن نتناول فطورنا. فذهب نائب الضابط المرافق لي إلى البدالة ليتناول فطوره مع عمال البدالة ومأمورها، وبقيت في غرفة النقيب بديوي الفسيحة الأنيقة المقسّمة إلى قاطع عمل وقاطع استراحة حيث جلسنا وجاءوا لنا بإفطار منوّع من الجبنة والقيمر والبيض والشاي. تناولنا الفطور ودار بيننا حديث عن جبهات الحرب، وسألني عن تاريخ خدمتي، فرويت له بعضاً منه، وهنأني على السلامة من إصابات “الفرس المجوس” على حد وصفه.

ثم نصبنا المشفرة، وجربناها عملياً بإيصال الرفيق مع أحد مكاتب الفرع العسكرية، وغادرنا المكان، على أن يتولى مأمور بدالتنا في المكتب تجربة المشفّرِات الباقية.

استغرق نصب جميع المشفرات شهراً كاملاً، وكان واجباً مريحاً وممتعا تعرفت من خلاله على جنرالات وضباط ومراتب بمنتهى اللطف.

*فصل من كتاب حين مشينا للحرب

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.