تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مشروع الكابل المحوري العراقي القتيل*

أبريل 14, 2022 | 0 تعليقات

وصلني ميل من اللواء زيد الذي أسس هيئة الكابلات المحورية وعمل فيها متدرجاً في المناصب لسنوات طويلة، حتى  بات الشخص الثاني في الهيئة. فتحت الميل فكان المرفق فيه وثيقة بالغة الأهمية في بحثنا، وضعتها تحت عنوان جديد، وهي تقرأ كالتالي:  

     نجح العراق في سبعينات القرن العشرين في اقامة شبكة كابلات محورية تغطي العراق صليبياً (غرب، شرق، شمال ، جنوب). ميزة هذه الشبكة أنها تؤمن مستوى عالٍ من الكتمان، ويصعب اختراقها عبر تركيب وصلات  تنصت عليها، لذا قام عمل هذه الشبكة على تأمين اتصالات القيادات العراقية (السياسية والحكومية والعسكرية والدبلوماسية) وكانت اتصالات القواعد الجوية في H3, H2,  وتأمين اتصالها بالقيادة العراقية واحدة من أهم وظائف الكابل المحوري . واشتدت الحاجة إلى خدمات هذه القاعدة إبان الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن العشرين، لسبب بعدها الجغرافي عن الحدود مع إيران ما جعلها هدفاً صعباً لا تصله الطائرات المقاتلة الإيرانية.

عملت هيئة الكابلات المحورية، (وهي مؤسسة مشتركة بين مخابرة الجيش العراقي ووزارة المواصلات) بشكل جنوني لتأمين مد شبكات الكابل وتأمين محطات صيانته، ومحطات التحميل المطلوبة في هذا النوع من الاتصالات. وجرى اتمام الجزء الغربي من الشبكة في شهر تشرين الأول/ اكتوبر 1980، بعد شهر من بداية الحرب العراقية الإيرانية. ولكن مفارز الصيانة والمد التابعة للهيئة بقيت تعمل بمثابرة كبيرة على صيانة الكابل وعلى اتمام تأمين باقي الشبكة.

مقابل هذا، كانت إسرائيل تراقب مشاريع العراق العسكرية، ومشروعه النووي الطموح، ونجحت في تحقيق اختراق لمنظومة اتصالات العراق على شبكة الكابل المحوري بالغة السرية التي أنفق العراق مبالغ طائلة لتأسيسها، كما حققت اختراقات في مراحل البرنامج النووي.

الكابل المحوري بدأ كمشروع صغير خاص بالقوة الجوية كان يسمى “مشروع القابلو المحوري” عام 1969 كان الغرض من ذلك المشروع هو لتأمين اتصالات هاتفية أمينة للقواعد الجوية غرب العراق (الحبانيةH3 .. H4 داخل الأردن) ، كذلك كانت كافة المحطات للمشروع تحت الأرض في مبانٍ من الكونكريت (الباطون) المسلح لكي لا يرصد من الجو. كافة المشروع من محطات و معدات وكابلات كانت تحت الأرض. العراق تعلّم الدرس من قصف الطيران الإسرائيلي للطائرات الحربية المصرية عام 1967 في قواعدها بسبب تنصته على المكالمات العسكرية الخاصة بأوامر الطيران كاملة عبر شبكة الكابل المصري البسيطة المكشوفة.

و كان سبب اعتماد الكابل المحوري في ذلك الوقت هو:

من الناحية الأمنية هو آمن بكثير من Microwave and Satellite وأصعب بكثير لسرقة المعلومات منه، الحل الوحيد لسرقة المعلومات من الكابل المحوري هو أن تدخل العراق وتجد الكابل وتثقبه لاستراق المعلومات ومن ثم تجد وسيلة لإرسال (Transmit) هذه المعلومات إلى إسرائيل (بطبيعة الحال كان كل تفكير القيادة العراقية في ذلك الوقت منصب نحوها) وكان الاعتقاد السائد في حينها أن ذلك يصعب تحقيقه لأنّ إسرائيل لن تتمكن من الدخول بسهولة إلى العراق.

لكن الفرضية المستحيلة تحولت إلى واقع أذ تسلل عناصر الموساد والاستخبارات الجوية الإسرائيلية إلى داخل غرب العراق وأنشأوا محطة اعادة إرسال كاملة تحت الأرض مزودة ببطاريات نووية وتعمل بأنظمة اعادة التشغيل الذاتي، إلا أن التحقيق كشف عن قيام عناصر مدربة بإعادة تشغيلها من حين إلى آخر بسبب العطلات الناجمة عن الحرارة التي كانت توقف أجهزة التكيف والتبريد في المحطة السرية. الإسرائيليون زرعوا جهازRF Transmitter بعد فتحهم الكابل والتوصل إلى شبكته المركزية الحاملة للإشارة، وبعد تمكنهم من تمييز وصلات الإشارة وهكذا كانت وحدة اعادة إرسال كاملة تعمل من المنطقة لسنوات طويلة جدا ويعتقد أنها استمرت حتى عام 1983 .

وحدها الصدفة كشفت عن السر العظيم، حيث أن جرّافاً يعود إلى وزارة المواصلات، كان يعمل في جانب الطريق العام الواصل بين الرمادي والقاعدة الجوية في H3، وضع كيلته على جدار المحطة المدفونة، فانفجرت تلقائيا، وانتحرت دون أن يبقى لها أثر، وقُتل سائق الجراف في الانفجار فوراً، وفُتح تحقيق مطول حول الموضوع، لكن كل ما توصلت إليه لجنة التحقيق كان مبنياً على ملصق صغير عُثر عليه بين الأنقاض وهو نصف محترق وقد كتب عليه باللغة العبرية جملة تدل على أنها وحدة RF Transmitter  وهو ما أكد لهم أن إسرائيل كانت تتنصت على كل مكالمات الكابل المحوري منذ وقت غير معلوم.

التحقيق اقترح أنّ المحطة كانت تعمل يدوياً، مفترضاً أنّ أحدهم كان يسجل المكالمات نهاراً، و يبثها إلى إسرائيل ليلاً يوميا، لكن هذا احتمال ضعيف جدا، لأنّ وحدة اعادة الإرسال لم تكن تحتاج إلى مشغّل. وكشف التحقيق أنّ كل ذلك تم منذ سبعينات القرن العشرين على الشارع العام بين  H3 وقاعدة الوليد الجوية.

نفذ المشروع ابتداء من عامي 1970 و 1971 وقررت وزارة المواصلات نشر الكابل المحوري في كافة أنحاء العراق وكانت الوزارة تعتمد في ذلك الوقت على منظومة open wire  قديمة باتت غير صالحة للاستعمال، فيما خططت القيادة العراقية بشكل استراتيجي، فقد انشأت في نفس الوقت إلى جوار هذه المنظومة، منظومة أكثر تعقيدا وكفاءة هي شبكة Microwave  وكان مقر إدارتها في منطقة السنك بشارع الرشيد ببغداد، تبع ذلك إنشاء المحطة الأرضية في الدجيل لتكون محطة إرسال واستقبال مع القمر الصناعي.  

  لغرض نشر الكابل المحوري في كافة أنحاء العراق لتغطية كافة الاحتياجات المدنية التي من ضمنها البث التلفزيوني والإذاعي واتصالات وزارة الاعلام، والعسكرية وأهمها (رئاسة أركان الجيش، طيران الجيش، استخبارات القوة الجوية، القواعد الجوية العسكرية، والمكتب العسكري لحزب البعث، وقد خطط لها أن تعتمد على الكابل المحوري حصراً)، تم الاتفاق بين الجيش ووزارة المواصلات على تأسيس هيئة مشتركه تضم كافة الكادر الهندسي والفني لمشروع الكابل المحوري أعلاه إضافة إلى كادر هندسي من وزارة المواصلات، سميت (هيئة الكابلات المحورية) يقودها ضابط  برتبة عميد (جنرال مهندس أحيانا) ولكنها ترتبط بوزير المواصلات مباشرة من الناحية الفنية.

قامت الهيئة منذ تأسيسها عام 1973 ولحين الانتهاء من كافة المشاريع المحورية عام 1988 بتنفيذ المشاريع المحورية التالية:

*الكابل المحوري الشمالي الممتد من بغداد إلى الموصل مروراً بكركوك.

*الكابل المحوري الجنوبي الممتد من بغداد إلى البصرة.

*الكابل المحوري الشرقي الممتد من بغداد إلى الشرق، وانتهي في مكتب تابع لمنظومة الاستخبارات الشرقية في خانقين 

*الكابل المحوري لأعالي الفرات الممتد غربا باتجاه حديثه، عكاشات، القائم .

*الكابل المحوري لتكامل المنطقة الشمالية لربط السليمانية، دوكان، كركوك، أربيل الموصل، دهوك و سنجار والذي أنجز في نهاية عام 1988 .

في نهاية الثمانينيات توجهت الهيئة والمختصون في وزارة النقل والمواصلات العراقية إلى إنشاء أول مشروع Optical fiber (ويسمى بالعربية الكابل الضوئي) حيث وضعت التصاميم واستلمت العطاءات وتم تحليلها ولكنّ نقص التمويل بسبب الحرب العراقية الإيرانية منعهم من إحالتها إلى الشركة التي اختيرت وهي شركة سويدية كندية مشتركة.

مشاريع غزو الكويت، التي أطلقها صدام حسين فجأة عام 1990 أجبرت الهيئة على التوقف عن العمل، وما لبثت تكاليف الحرب الجديدة، وانهيار قيمة الدينار العراقي السريع أن أجبر القيادة العراقية على حل الهيئة وايقاف كافة مشاريعها.

ورغم طموح القيادة بربط سفارات العراق وشبكة هواتف وزارة الخارجية على المستوى الدبلوماسي بشبكة الكابل المحوري إلا أن ذلك لم يتم لأسباب فنية ومالية.

ولأنّ الكابل المحوري كان يخدم الجيش فقد كانت كافة منشأته في جميع أنحاء العراق مشادة تحت الأرض ولهذا السبب كانت المنظومة المحورية هي الوحيدة التي بقيت عاملة إلى آخر  يوم من أيام غزو العراق للكويت عام 1990، 1991.

ومع بدء عمليات التحالف الدولي لتحرير الكويت في نهاية شباط/ فبراير عام 1991 أوقف القصف الجوي الدولي كل شبكة المواصلات، وكان قصف ملجأ القادسية الذي ضم طابقه الأرضي محطة توجيه بديلة لمحطات السنك وساحة النسور، وشبكة مايكروويف السنك، والمحطة الأرضية في الدجيل وبرج الاتصالات في ساحة النسور قد أوقف عمل شبكة الكابل المحوري وشبكة المايكرو ويف، لكنّ الشبكة تحت الأرض بقيت سالمة، إلا أنها غير عاملة.

وخلال تسعينيات القرن العشرين (1990، وحتى 2003 حيث أسقط تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية صدام حسين وقضى على الدولة العراقية) لم يتمكن العراق من استعادة تقنيات الاتصال على الشبكة المحورية أو على المايكرويف، وحتى محطات التحميل وإعادة الإرسال المحلية العسكرية العاملة على نظام ملتي بليكس عبر منظومات راديو ريلي السويدي SR ، لم تستطع قيادة العراق تأمين موادها الاحتياطية بسبب الحصار الدولي، فبقي البلد محروماً من شبكة اتصالات آمنة كفؤة، كما تعطل بالكامل تقريبا مشروعه النووي.

وبالعودة إلى موضوعنا، فقد شكلت شبكة الكابل المحوري تحدياً كبيراً لإيران إبان حربها الطويلة مع العراق، وبقيت عصية عليها ولم تستطع اختراقها، ما حقق للعراق تفوقاً قيادياً وسرعة اتصالات ومناورة ساحقة على الجانب الإيراني. ولابد من التنبيه هنا إلى أنّ المكالمات على الكابل المحوري (Coaxial cable) لم تكن مشفرة، ولكن بالإمكان تشفيرها قبل دخولها المنظومة، وهذا ما فعله العراق عام 1985، حيث اشترى من السويد منظومة تشفير للهواتف العاملة على الكابل المحوري، ونُصبت محطاتها (وهي عبارة عن جهاز صغير من Ericsson  بأبعاد 30 سم* 20 وبعرض 12 سم يربط على هاتف المستخدم فيشفّر المكالمة قبل دخولها الكابل المحوري) ووضعت على مكاتب مستخدمي الكابل المحوري في القصر الجمهوري، وفي وزارة الدفاع، وفي مديريات الصنوف بوزارة الدفاع، وفي المكتب العسكري، ودائرة التوجيه السياسي، ومقرات قيادات الفيالق على الجبهة العراقية الإيرانية، وفي مقرات القيادة العامة للقوات المسلحة المنتشرة في بغداد والمدن العراقية تحت يافطات مضحكة “نادي ونقابة عمال المواصلات، القسم الداخلي لكلية التمريض، نادي مهندسي وعمال الميكانيك…الخ”.  

اختراق إسرائيل لشبكة اتصالات القوة الجوية العراقية وشبكة القيادة العراقية كان ممكناً وسهلاً في مطلع ثمانينيات القرن العشرين بسبب عدم تكامل شبكة الكابل المحوري، وبسبب نجاح محطة التنصت النووية الإسرائيلية التي مر ذكرها في معرفة كل شيء عن أسرار العراق تقريبا، وهذا ما ساعد الطيران الإسرائيلي إلى حد كبير على تحقيق تفوق ومباغتة كاملة في هجومه على المفاعلين النوويين تموز 1، وتموز 2.

*فصل من كتاب اوبرا اوزيراك الصادر في بغداد والقاهرة عام 2018

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.