تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مثنوي مصحف المتصوفة والرقم 18

مايو 14, 2023 | 0 تعليقات

للرقم 18 قدسية خاصة لدى بعض الشعوب القديمة، ومنها الأتراك، لأنهم يتصوّرون أن عدد العناصر المعروفة هو 18 عنصراً: الهواء، والماء، والنار، والتراب، والنبات، والحيوان، والجماد، إضافةً إلى النجوم، والكواكب وهي الشمس، والقمر، والأرض، وأطلسي، والمشترى، والزهرة، والمريخ، وعطارد.

ويجب ألا ننسى: الوجود المطلق، والعلوم اللدنية!!

ومما يدل على قدسية الرقم 18 لدى المولوية، أن المريد الذي يتبرّع للدراويش، كان يُقدّم ثمانية عشرة قطعة من النقود، والشيخ الذي يخدم في تكية الرومي يُداوم على ذلك مدة ثمانية عشر يوماً، وما إلى ذلك. فيما يلي نُقدّم المقطوعة الأولى المذكورة أعلاه:

1-      أصغِ إلى شكاية هذا الناي، وكيف يحكي آلام الفراق.

2-      يقول: منذ فُصلت عن أدغال القصب تأوه لنواحي الرجال والنساء.

3-      وها أنا أبحث عن القلب الحزين كي أشاركه أحزاني وأشواقي.

4-      لأن مَنْ تباعد عن وطنه لا بدّ أن يتلهّف لساعة اللقاء.

5-      أنا الناي الذي ترنّم بالألحان في أفراح الناس وأحزانهم.

6-      حتى خُيّل لكم منهم أنه صار لي رفيقاً مع أنه لم يحاول استنباط بواطن أسراري.

7-      ليس من فرقٍ بين ما أخفيه من سرٍ وما أشعر به من حزن، لكنّ ذلك النور لا تراه عين ولا تسمعه أذنّ!

8-      الجسد ليس محجوباً عن الروح، والروح غير مستورةً عن الجسد، لكن مشاهدة الروح لم يُسمح بها لإنسان.

9-      نغمة هذا الناي نار وليست نسمة ريح، فلا كان مَنْ لم يحترق بهذا اللهيب.

10-    جذوة النار أصابت قصبة الناي، وحميا العشق تمايلت في الشراب.

11-    عند فراق الحبيب صار الناي رفيقاً لنا، نقابه مزّق نقابنا وقُضِي الأمر.

12-    والناي يحكي قصة طريقٍ مُخضّب بالدم، ما يفتأ يسرد تفاصيل حكاية المجنون.

13-    هل شهدتم سماً كالناي وترياقاً كالناي؟! هل رأيتم أحداً يتحمّل الأشواق كالناي؟

14-    هذا السرّ قد حرم على من لا عقل له إذ ليس للسان من مشترٍ غير الأذن!

15-    بالهموم تقضّت أيامنا وحلّت الليالي، ورفيق طريقنا احترق ومضى.

16-    إنْ ذهبتْ الأيام فقل: مُرّي وزولي، فما نعبأ بك، لكن لتبقَ معنا أيها الحبيب الذي لا نظير له في الطُهر والعفاف.

17-    من ليس من فصيلة الأسماك تاه في الماء، ومن بقي بلا رزق طالت أيام محنته.

18-    لكن الإنسان الساذج لن يفهم أحوال مَنْ حَنكته التجارب، وذلك يقتضي أن نقطع هذا الكلام.. والسلام.

الناي تجسيد لمفاهيم صوفية عدة

إن النّاي في هذه القصيدة التي هي مقدمة المثنوي رمزٌ للإنسان الكامل، الذي فصل من عالم الاتحاد، عالمه الأصلي، ليُنقَل إلى عالم الوجود، وألحان الناي إنما تصدر بإرادة الحق. وحيث أن الإنسان في هذا العالم الأرض مُقيّد بكينونته، فإنه لا يفتأ يتلهّف مشوقاً للرحيل إلى المطلق. الناي إذن ذو معنىً مجازي في القصيدة، والشاعر هنا يُشبّه عالم القلب بموطن القصب ومنبته، لأن الناي يُصنع من القصب، وبالناي أيضاً قصد الرومي نفسه هو، فالإنسان الكامل يحنُّ أبداً للعودة إلى المُطلق ليتّحد به كما كان في الأصل، وذلك بحسب نظرية وحدة الوجود الصوفية، والشاعر يُعلن أن هذه (الأسرار) ليست قابلةً لأن يفهمها كل إنسان، إذ لا يتهيّأ إدراكها إلا لأهل الكمال، أصحاب الاستعدادات الخاصة، الذين ارتقوا مراتب العشق الإلهي، درجةً بعد أخرى، إلى أن حقّقوا حالات الاتحاد.

ويرى جلال الدين الرومي أن العالم انبثق أساساً بسبب العشق الإلهي (المُطلق أراد أن يُعشَق فخلق الإنسان). (الشراب) في القصيدة، رمز أيضاً لأن أساس طريقة جلالة الدين الرومي هو العشق والنشوة الناشئة عنه، والعشق يستدعي السكر والانتشاء حين يبلغ الإنسان الكامل مرتبة الاتحاد بالمُطلق التي ما بعدها مرتبة عند أهل التصوّف. أما قوله “إن ذهبت الأيام، فقل: مرّي وزولي فما نعبأ بكل لكن لتبق معنا أيها الحبيب”، فإنه يريد القول بأنّ الزمان مفهومٌ ذهني، فالزمن الماضي غير موجود حالياً، والزمن الآتي في طي الغيب، وعلى هذا، فالزمن جزء منّا ولا حاجة بنا أن نخشى انقضاؤه! وأما السمك في البيت السابع عشر، فالمقصود به ضرورة التخلّص من الأنانية عن طريق السعي لخدمة الناس والمجتمع، واحتقار الوجود النسبي، والشوق للاستغراق في الوجود المُطلق. وفي البيت الأخير، يُفرّق الشاعر بين خاصة المتنورين أهل العرفان، وبين عامة الجُهّال، الذين لم يدخل النور قلوبهم، مثل هذه المعاني ذات صلة بالفكر الإسمعيلي السائد في ذلك العصر، الذي تجسّد في نظريات ابن عربي، ولم يسلم منه فكر شمس الدين التبريزي خدين الرومي وأستاذه.

من هذا اليوم، بدأ تأليف المثنوي، وظل ينمو ويكبر حتى بلغت أبياته أكثر من خمسة وعشرين ألف بيت، استغرقت ستة مجلدات، واستمر العمل فيه حتى ختام حياة مؤلفه. كان الرومي ينظم أشعاره ليل نهار، في كل مكانٍ وزمان، حتى حين كان يدخل الحمام العمومي، تخطر له أبيات فيُمليها رأساً على مريده المخلص “حسام الدين” الذي يرافقه حيثما حلّ وارتحل، وبيده الريشة والدواة والورق.

فصل من كتاب “جلال الدين الرومي صائغ النفوس”، تأليف الراحلة إحسان الملائكة

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

سياحة معرفية – الجزء الثاني

سياحة معرفية – الجزء الثاني

التعليم ونظريات التعليم بقلم محمد حسين صبيح كبة  يواصل الكاتب والباحث محمد حسين صبيح كبة عرض تصوره عن موضوعة معرفية جديدة يدعوها بـ “الكيمياء العربية”، أو ربما يمكن تسميتها أيضا بـ “الكيمياء المعاصرة”. تمهيد: يأتي المعلم والمدرس والأستاذ الجامعي والمربي إلى سوح...

قراءة المزيد
سياحة معرفية

سياحة معرفية

محمد حسين صبيح كبة الجزء الأول يسعى الكاتب والباحث محمد حسين صبيح كبة لبناء موضوعة معرفية جديدة يدعوها بـ "الكيمياء العربية"، أو ربما يمكن تسميتها أيضا بـ "الكيمياء المعاصرة". تمهيد: هناك المعلومات وموضوعة المعلومات المعرفية والمعلومة وكيفيات معالجتها وإدارتها...

قراءة المزيد
في واحد من علوم السيمياء

في واحد من علوم السيمياء

بقلم محمد حسين صبيح كبة كاتب وباحث تبحث علوم السيمياء أمر التحول من شكل وكينونة إلى أخرى هكذا بكل بساطة منه مثلا التحول من مفتاح إلى بشري أو من مائدة إلى أرنب أو من دب إلى شجرة زيتون. وعلينا باديء ذي بدء معرفة أن العرب والمسلمين ايام بدء الحضارة الاسلامية وحتى زمن...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *