تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مترو طهران – سوق متنقل في عربات النساء

أكتوبر 29, 2020 | 0 تعليقات

رحلة بالمترو عبر طهران عاصمة إيران تضيف للمرء خبرة خاصة في العربات المخصصة للنساء. DW كانت هناك وهذه ترجمتي لمشاهدات آنيا كوخ في عربات النساء التي تعج بالبائعات المتجولات برحلة من شمال طهران العصري إلى جنوبها المحافظ.

يقطّع البقال بعناية قشور ثمار الهندباء بسكين، وبعد أن ينتهي من ذلك يكدس الخضروات بعناية بين الفلفل الأحمر الغني والليمون الأخضر الفاتح. تمتد بسطية البائع في سوق تجريش لعدة أمتار، تمثل هذه البقعة منطقة جذب للإيرانيين والسائحين على حد سواء، وسوقها الغارق ببحر ملون من البضائع بات موضعاّ لالتقاط الصور.

سرت بضعة خطوات عن بسطية البقال لأصل الشارع الذي تطل عليه قمم جبال البرز المكللة بالثلج. من هنا يبدأ قطار الأنفاق (مترو) رقم 1 رحلته عبر العاصمة، وقررت أن أسافر معه من هذا الجزء الثري من العاصمة إلى جنوبها.

لايحق للأيرانيات صعود العربات المخصصسة للرجال في مترو طهران

الرجال غير مرغوب بهم

في البداية عليك أن تهبط بستة سلالم كهربائية متعاقبة لتصل جوف الأنفاق التي يسير فيها المترو، ومن مكتب بيع البطاقات ابتعت بطاقة هي عبارة عن ورقة صغيرة رقيقة عليها رمز كودي وقيمتها تعادل 7 سنتات، أضعها على الكاشف فتفتح لي عارضة الدخول إلى الرصيف الذي أروم.

في البداية والنهاية هناك جداريات عملاقة تزين جدران المحطة بصور نساء يرتدين الحجاب. على الأرض لافتة كتب عليها “للنساء فقط”، الرجال غير مرغوب في وجودهم في عربات النساء التي تقف في هذه النقطة.

حال وصول القطار لحظت أن عربات النساء أقل زحاماً من عربات الرجال، اخترت مقعدا بلاستيكيا أزرق، فيما تبتسم لي بود المرأتان الجالستان قبالي، وأعربتُ لهنّ عن رغبتي في معرفة سبب تفضيل النساء هذه العربات بدلاً من العربات المختلطة مع الرجال، فقالت إحداهن وهي في عشرينياتها “المكان هنا أجمل، وحين يكون كل المسافرين نساء فلا يلزمنا أن نبدي تحفظاً”، فيما قالت المرأة الجالسة إلى جنبها واسمها سهيلة “إنها مسألة تعوّد، فحين آخذ المترو لوحدي استخدم عربات النساء، أما حين أسافر مع زوجي فنأخذ إحدى العربات المختلطة”. عربات النساء في العادة أقل اكتظاظاً، وهناك مساحة أوسع للحركة، وكتبت السيدة على بطاقتها شيئاً ثم أضافت “كما أن رائحتها أفضل”.

عرض تجاري: جوارب وأقداح للشرب على الماشي

تحرك فضولي لأسألها إن كانت تخشى الغثيان في العربات المختلطة، فبدت على سيماها الدهشة وهي تجيب “لا، بالتأكيد لا”. لم أضف شيئاً للحديث، وفجأة اصطاد انتباهي رجل يسير بشكل طبيعي في عربات النساء وفي يده يحمل ما يشبه رف ملابس صُفّت عليه بضع أزواج من جوارب ملونة. يعرض البائع مدى مرونة الجوارب، ومدى تنوع ألوانها ونقشاتها، لكنّ اليوم لم يكن يوم سعده مع الزبائن، لذا سارع بالترجل في المحطة التالية، ليصعد شاب قوي البدن يبيع حافظات للهواتف الذكية، يكسو هاتفه المحمول بإحدى الحافظات ويعلقه على باب المترو الداخلي. تُظهر المرأة الجالسة بجانبي اهتماما ببضاعته، وتعطيه هاتفها دون تردد، ليجرب إن كانت الحافظة تناسبه. وفجأة ينتاب البائع الهلع، فيقرفص على أرضية المترو عند  قدمي وتظهر عليه علائم الاضطراب. خلال النافذة أشاهد شرطياً يتخطى على رصيف المحطة حيث توقف القطار، وحال أن يعاود المترو انطلاقه، يستأنف الرجل صفقته مع المشترية الجالسة بجانبي ويبيعها إحدى الحافظات، ويغادر إلى الحافلة التالية. وجود رجل في عربات النساء لا يزعج أي أحد كما يبدو.

في محطات مترو طهران يتنتشر البعاة المتجولون وتطاردهم السلطات

مناديل رؤوس النساء محكمة الربط في جنوب العاصمة

يواصل المترو سفره باتجاه جنوب طهران، ورغم أننا نسير تحت الأرض لكن بوسعي أن الحظ تبدل مناظر المدينة. تصبح العربة أكثر زحاماً بمسافرات يغلب على لباسهن السواد وتصبح ملابسهن فضفاضة أكثر، فيما تغطي المناديل رؤوسهن وتخفي شعرهن بشدة، أما المنديل الذهبي البراق الذي يغطي شعري، فيتراجع إلى الخلف كاشفاً عن مساحة أكبر من شعري على طريقة النسوة في شمال طهران.

هذه المرة يُباع في عربتنا الشاي وكابولات شحن الهواتف النقالة ومحافظ يدوية صغيرة وأهداب ماساكارا. البائعة اسمها ساره وقد طلت وجهها بماكياج ثقيل، وعلى شفتيها روج صارخ الحمرة، فيما زينت عينها اليسرى بهدب ماسكارا أزرق اللون، أما العين اليمنى فزينتها بهدب ماسكارا داكن السواد. تعرض البائعة مرآة جيب للزبونات المحتملات، وبوسع أيٍّ منهن أن تجرب أهداب الماسكارا على عينها قبل أن تشتريها.

تقول بحماس “بعت كثيراً اليوم، الشغل ماشي تمام”، موضحة أنها تعرض هذه البضائع كل يوم في عربات المترو النسائية، من الضحى حتى أنتصاف الليل. وتعلّق بالقول “أنها مهنة صعبة، لكن لا خيار لدي”، ثم تبيّن أنها ترغب أن يكون لها بسطية ثابتة في السوق، لكن إيجارات البسطيات ارتفعت بشكل كبير. سألتُها إن كانت تبيع في العربات المختلطة أيضاً، فنفت بشدة قائلة “لا أحصل على عشرة زبائن هناك”.

في هذا الوقت، ازدحمت عربة النساء بالمسافرات، وبعد 16 محطة وقوف وصلت وجهتي، محطة “الخامس عشر من خرداد” . أحشر نفسي بين جمع المسافرات المغادرات للعربة، وأترجل فيما يواصل المترو سفره إلى جنوب العاصمة، خارج محطة المترو تسير السيارات ببطء بسبب زحام الشوارع، وهكذا هو حال شوارع طهران دائماً، رائحة الكازولين النفاثة تعم المدينة، ويتحرك حولي مئات الناس.

على مبعدة بضع خطوات يقع السوق الكبير “بازار بزرك” والذي يعد أكبر سوق في العالم. لدي شعور أنّ كل أهل طهران يرومون الذهاب إلى هذا السوق اليوم، ويتردد في داخلي السؤال: لماذا يذهب الناس أصلاً إلى السوق ما دام بوسعهم أن يبتاعوا كل شيء تقريبا في عربات المترو؟!

آنيا كوخ/ ترجمة ملهم الملائكة

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

بلاد الرافدين أم النهرين أم العراق؟

بلاد الرافدين أم النهرين أم العراق؟

لماذا اسم بلادنا حائر؟ العراق اسم لا يستطيع أحد توثيق تاريخ ظهوره، بل لا يستطيع أحد أن يجزم بمعناه. وبلاد الرافدين لقب تموزي لحق بالعراق منذ 14 تموز 1958، أما بلاد ما بين النهرين، فهي تسمية غربية من القرون الوسطى وزحفت إلى الخرائط الاستعمارية الحديثة. ما مدى صدقية...

قراءة المزيد
بشائر الممرضة الحزينة

بشائر الممرضة الحزينة

     تلقيت رسالة نصية على موبايلي، كان النص قصيراً ومفعماً باللهفة "رجاء لازم أشوفك، قضية حياتية". وكان عليّ أن أرن على رقم الهاتف الذي جاءت منه الرسالة لأفهم المطلوب. بعد رنتين أجابني صوت نسائي يغلب عليه الهمس، قلت لها إنها قد طلبت مقابلتي،...

قراءة المزيد
العراق…اسم بنكهة الجغرافية والتاريخ

العراق…اسم بنكهة الجغرافية والتاريخ

تأملات بنيوية تاريخية ع أروم الابتداء بحرف العين، وهي عينُ بداية "كتاب العين" أول معجم باللغة العربية وضعه الخليل ابن أحمد الفراهيدي، الذي ولد في البصرة بالعراق ومات فيها حيث عاش زاهدًا تاركاً لملاذ الدنيا، ولا ندري هل كان زاهداً لرغبته في التفرغ للبحث والدرس كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.