تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

ماذا نعرف عن حق المستهلك؟

سبتمبر 8, 2020 | 0 تعليقات

في أوروبا مؤسسات لحماية حقوق المستهلك، وقد لا يعرف كثيرون مدى قوة هذه المؤسسات، لكنّ التعامل معها لمرة واحدة كشف لي أن جزءاً كبيرا من حوقنا الضائعة سببها غياب مؤسسة حماية المستهلك. هذه ثلاث وقائع غريبة حول تلك الحقوق.

بغداد/ راغبة خاتون 1984

خطر في بالي حين مروري براغبة خاتون أن أشتري رقي من دكان وضع أمامه كدسا هائلا منه. فوق الكدس تربعت رقيتان حمراون مغريتان. وما إن اقتربت من البائع حتى ابتسم قائلا: “على السكين، الأبيض مرجوع”.

أومأت رأسي بالقبول، واخترت إحدى الرقيات العملاقة، فتناولها بسكينه بسرعة الواثق بنفسه، وللأسف كانت بيضاء مثل قلب نخلة. وضعها جانبا وانتظرني حتى أختار أخرى، ففعلت، وشقها ليجدها بيضاء بلون رمل الشواطئ. واستمر الحال بنا على هذا المنوال حتى بلغنا الخامسة، وبدا متردداً في شقها فقلت له: لا بأس عليك، لن أشتري، ولا أريدك أن تتلف كل الرقي.

غضب البائع وقال: كيف لا تشتري وقد أتلفت لك 40 كغم؟ من يدفع الضرر؟ وبدأنا في الأخذ والرد، حتى قدم شخص كان قريباً منّا، رهيب المظهر، كث الشوارب، يرتدي البدلة الزيتوني الكريهة التي ميزت الرفاق آنذاك، ويتدلى منها مسدسه فوق مؤخرته، واتضح أنه يدعى أبو عروبة، وسألني بفضول العارف بكل شيء” الأخ من المنطقة؟ ” فاجبته بالنفي، فعاجلني بالقول: “نحن هنا ننفّع الحاج إبراهيم، وأعتقد أن هذا من حسن تصرف الغريب الذي يمر هنا، وقديماً قيل يا غريب كون أديب “!!

في أغلب البلدان العربية يباع الرقي بشرط السكين

فهمت الرسالة، خاصة وقد تجمع حولنا 4 أشخاص سيماهم في شواربهم الثمانية، فقلت بهدوء رقيق: “معك حق، أنتم هنا في ديرة حبايب ولابد من تنفيع الحاج، وعليه سادفع ثمن الرقية الأولى وانتهى الموضوع”. وفعلت ذلك فغادرت بسلام، ولو لم أفعل لربما كنت قضيت تلك الليلة في الفرقة الحزبية “مثلا” لأشتباههم بي باعتباري غريباً دخل المنطقة وضُبط وهو يتطلع إلى بيوت الحرائر بنظرة فيها شهوة.

طهران/ ميرداماد 2004

بعد 20 عاما من تجربتي “البيضاء على السكين” مع الرفاق في راغبة خاتون، عشت تجربة على السكين لدى أعدائهم “الفرس الصفويين”. فقد تجولت في شارع ميرداماد أحد أغنى وأفخم شوارع طهران عاصمة العشرة ملايين نسمة، وتصفحت واجهات محلاته الأنيقة التي تذكّر المرء بواجهات المحلات في العواصم الأوروبية ومثيلاتها في بيروت واسطنبول.

طفت أوزع نظراتي بين وجوه الجميلات المحجبات بلا رغبة بقوة القانون، وبين واجهات المحلات الزجاجية الفاخرة، حتى اقتنصت انتباهي نظارة شمسية أنيقة تحمل علامة” ايف سان لوران ” الشهيرة، وعليها سعر قيمته 25 $، هو الذي أغراني بدخول المحل المخيف بأناقته وفخامة معروضاته. اتجهت الى البائع وبادرته بالسلام، فرد على باسماً بلهجة عراقية صافية بلا لكنة، وطلبت منه بلا تعجب (لأن المرء يعثر بسهولة على عراقي أينما يكون في إيران)، أن أرى النظارة المذكورة. أشار إليّ بالتوجه الى إحدى الطاولات، وجاءني بالنظارة هو يحتضنها بين كفيه مثل كاسة ماء يخشى أن تتحرك يده فيتبدد!!

عوينات شمسية من ماركة ايف سان لوران

 وضعها على الطاولة فتناولتها بيدي، وفتحتُ ذراعيها لأجربها على وجهي، وما إن قربتها من أذنيّ حتى انفصلت إحدى الذراعين!!  تصورتُ أنّ في الأمر خطأ فنيا، وابتسمت مبديا استغرابي، ففاجأني وجه البائع العابس القلق. قلت له: آسف، لكنها مكسورة، لم أعرف ذلك حقا!!

لم تكن مكسورة أخي، لقد كسرتها بيدك!

فاجأني الاتهام، بل ذُهلت له، وحاولت أن أفهمه أني لم أفعل شيئا، الا أنه كان مصرّا على أني قد فتحت الذراع بقوة وانتزعتها. في النهاية قلت له غاضبا” افعل ما بدى لك، أنا لم أشتر بعد هذه النظارة، وأنت صاحبها وهي ما زالت في محلك، وليس لك عندي حق” واستدرت لأخرج، فصرخ بصوت عال: ” مكانك أخي!! سأتصل بالبوليس ليحلوا القضية”، ومد يده الى هاتفه النقال، فيما اقترب اثنان من زملائه في العمل مني وعلى وجهيهما علامات الغضب.

أدركت أنهم قد نصبوا كمينا لأي مشتر أجنبي يمر بهم، وتذكرت فجأة أبو عروبة ورفاقه في راغبة خاتون عام 1984. وانتهى الفيلم بشرائي النظارة المكسورة ب 25$ لأني لم أرد التورط مع “الكوميته ” والاطلاعات الإيرانية، ولست أدري الى أين كان يمكن أن يقودني كل ذلك.

ألمانيا/ كولونيا 2014

بعد عشرة أعوام من تجربتي الإيرانية المرّة، طلبت مني صديقة مصرية مقيمة في ألمانيا أن اذهب معها إلى وكالة السيارات التي اشترت منها قبل 4 أيام سيارة جديدة لم تعجبها وتُريد اعادتها.

في داخلي كنت أشعر أنّ ما تريده محال غير ممكن، فقد استعملت السيارة وسارت بها نحو 30 كيلومترا، واعادتها غيرُ جائزة في عالم السيارات. لكنها كانت تقول لي طيلة الطريق أنّ جمعية حماية المستهلك وقانون حماية المستهلك يُجبر البائع على إلغاء العقد وإعادة السيارة خلال الأيام العشرة الأولى بعد البيع إذا لم يتجاوز عدادها 50 كيومترا.

في المعرض الأنيق المزدحم بأفخم السيارات، جلسنا الى مكتب البائع الشاب الوسيم الباسم وكان يتكلم بثقة بالغة وهو يقول: لا مجال لإلغاء العقد لأنك وقعت مع العقد على دفع ضريبة السيارة، فدفعت 20 ألف يورو قيمة السيارة، مضافاً إليها 6 آلاف يورو ضريبة غير قابلة للرد.

أجابته المصرية بلهجة حاسمة، أنّ القانون يبيح لها إعادة أي سلعة دون أن تكون مضطرة الى إيضاح السبب، ولم يقل القانون إنّ السيارات مستثناة من القاعدة.

واستمر الجدل مؤدباً قانونيا بينهما، لينتهي الى إعادة السيارة وإلغاء العقد بعد أن دفعت 100 يورو أتعاب عمل الموظف في إلغاء العقد. وكتب لها البائع المسكين صكا بمبلغ 26.000 يورو تستلمها من البنك بعد 5 أيام!

عدنا بالقطار الى مدينتنا، وطيلة الرحلة كانت ذكرى أبو عروبة، والنصّاب الإيراني – العراقي تقلق خاطري مثل كوابيس مدمرة، وأسفت لحالنا حيث أدركت كم وكيف هدرت كرامة الناس وضاعت حقوقهم ومازالت، في بلدان لا تعترف بحقوق المستهلك، ولا تشرع قوانين لحمايتها.

” سكينك ماضي با أبو عروبة العراقي – الإيراني”.

ملهم الملائكة

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.