تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

ليلة النشوة والعودة إلى الوادي الخصيب!

يناير 2, 2022 | 0 تعليقات

دون سابق إنذار، فُتحت في الأفق بابٌ للأمل، إذ صدر الأمر بانسحاب لوائنا إلى منطقة النشوة للتجمع وإعادة التنظيم. وبدأنا نتحرك وتتحرك وحداتنا والجميع يتسابقون للوصول إلى الفردوس المزعوم!

سياسياً، ساد الجميع شعور بأنّ الأمور بدأت تصل نهايتها، البصرة التي كانت تبدو على وشك أن تذهب للإيرانيين، باتت في أمان، أو هكذا تخيل كثيرون، أما أنا ففي اعماقي كان يدب إحساس قوي أنّ أمامنا أيام سوداء لا نهاية لها.

بدأنا نتجمع في بساتين النشوة، تحت النخيل تدخل سيارات العسكر الكبيرة والصغيرة، وتخرّب الحقول المملوكة لعراقيين من أبناء البصرة. تلك الليلة لم نستطيع النوم، بسبب الحر والحشرات اللاسعة، النوم محال في البساتين صيفاً، وهكذا مرت علينا ليلة أخرى من عدم النوم والقلق.

ضحى اليوم التالي، وصلنا أمر جديد بالتحرك إلى مواقعنا السابقة في حوض سربل زهاب. قراءتي كانت، أن الإيرانيين على وشك أن يشنوا هجوماً جديداً في القاطع الأوسط، لإجبار القوات العراقية قليلة العدد على الانسحاب بسرعة لحماية خاصرة بغداد (في بعض مناطق القاطع الأوسط تبعد العاصمة 90 كم جواً عن الحدود الإيرانية). وخلال هذا الوقت سيشنون هجوماً على البصرة ويبتلعونها دون قتال. في ضوء وضع الانهيار الذي شاهدته، يكفي لواء مدرع واحد معزز بفرقتي مشاة لاحتلال البصرة وحتى آبارها النفطية وصولاً إلى القرنة شمالاً.

بدأت أرتال الجيش تنسحب شمالاً بسرعة، ولم يتح لقيادة اللواء الوقت لترتيب محطات التنقل، إلا أن أمراً صدر للضباط الإداريين بإعداد وجبة طعام ساخنة في الساعة 11 ليلاً تستقبلنا في مدينة الكوت.

حين تحرك مقر اللواء، كان أغلى أحلامي، أن آكل وجبة ساخنة، واستحم بهدوء، وأنام ملء جفوني بلا حشرات، لكنّ هذا الحلم أمامه طريق طويل حتى الوصول إلى مواقعنا في سربل زهاب!

وصلنا ليلاً مدخل مدينة الكوت، وتناولنا وجبة الطعام الساخنة، لكن حلم النوم ما زال بعيداً جداً. وسرعان ما تحركنا متجهين إلى الشمال. عند مفرق الدبوني وصلنا أمر بأن نبيت في المقر الدائم للواء 32 قوات خاصة (في منطقة تبعد نحو 50 كم شمال الكوت باتجاه بغداد) لأنّ دخول قطعات مسلحة إلى العاصمة ممنوع ليلاً، ولابد من الإشارة هنا إلى أن اختيار هذا المقر للمبيت قد تم بناء على أن آمر لوائنا الحالي قد جاءنا من هذا اللواء.

لكن الدخول إلى مقر لواء دائم، بجيش محمول عائد من المعركة قد يخلف مشاكل كبرى، وهكذا اكتفى آمر اللواء وبعض هيئة ركنه بالمبيت في مقر اللواء، وترك الجيش لينام في العراء الجميل البارد الخالي من لسع الحشرات. فتصرف مقدم اللواء بالموقف، وأمر أن نعسكر ونبيت الليلة عند مشروع معمل الشتايكر على مفرق الدبوني الصغير أو شيء من هذا القبيل.

مهدت فراشي (اسمه بلغة الجيش يطاغ، وهي كلمة تركية) على كدس شتايكر، ونزعت حذاءي وجوربي، وتمددت تحت بدر يغمر المنظر الذي وجدته حولي، كل ما أراه هو أضواء مدينة بعيدة، وبرج التلفزيون أو الاتصالات القريب، والبدر الفضي، ولم أعرف كيف نمت، لكنها كانت أجمل نومة في حياتي.

بعد بضع ساعات أيقظتني جلبة الحركة، الجند يحملون يطاغاتهم والجميع يستعدون للحركة. ومشى الرتل في نحو الثامنة والنصف صباحاً، تنقل الأرتال بطيء عادة، وعليه أن يتوقف في مثابات معينة، في نحو الواحدة ظهراً دخلنا بغداد، كان بي شوق كبير لرؤية أهلي وأحبتي، لكنّ الشوق أطفأته حركة الرتل الصاعد باستمرار.

في السابعة مساء وصلنا المنطقة الإدارية للفرقة الثامنة في سهل خانقين الغربي. كانت الأوامر غير واضحة، هل نترجل هناك، أم ماذا نفعل؟

الحقيقة أن البلد برمته كان حائراً، فالحرب بدأت تهدد مدن العراق، والجيش، كما هو واضح، لا قدرة له على المطاولة، ماذا ينتظرنا إذاً؟

وانقضت أيام ونحن بين حال التنقل إلى الجبهة لإبدال قطعات المهلهلة التي احتلت مواقع لوائنا في حوض سربل زهاب وبين توقعات الجميع بصدور أمر حركة نحو الجنوب مرة أخرى بسبب وخامة الوضع هناك. ثم أعلن بيان الانسحاب للحدود الدولية، والذي تقرر أن يتم العمل به في 30 حزيران 1982. وكنّا في العشرين من حزيران حين صدر البيان، وهذا يعطي للقطعات 10 ايام لإتمام عملية الانسحاب، لكنه من الناحية العسكرية يعطي لإيران امكانات القيام بهجمات مباغتة على القطعات المنهكة غير المستقرة المشغولة بفكرة واحدة لا غير: “ننسحب إلى الحدود الدولية وتنتهي الحرب”! ولو هجمت القوات الإيرانية في تلك المرحلة، لحققت انتصارات كبرى وأسرت أعداد لا حصر لها من الجنود، لكن الإيرانيين كانوا ضعفاء ومرتبكين وبلا قيادة ولا استخبارات، لذا لم يستثمروا هذا الخطأ الاستراتيجي الفاحش.

الانسحاب إلى الحدود الدولية في نظر الجميع خلاص قريب من لعنة الحرب، لكنه لن يجري غالباً إلا بثمن باهظ.

صدرت الأوامر بإقامة مواقع بديلة للقطعات على الحدود الدولية، وبدأت رحلتنا مرة أخرى مع المعدات الهندسية (شفلات، ترنبولات، كريدرات، حادلات وما الى ذلك) حيث أن كل الجهد الهندسي كان متوجهاً إلى قواطع العمليات الأكثر سخونة، واعتبر قاطع سربل زهاب هادئاً، فلا يحتاج العمل في تحكيماته وخنادقه جهداً كبيراً. وفجأة وسط جهد الهندسة وبناء المواضع، صدر أمر فوري بانسحاب اللواء إلى منطقة الدبس بكركوك لأغراض إعادة التنظيم وتعويض الخسائر.

وهكذا انسحبنا من قاطع سربل زهاب، قبل أن تنسحب القطعات إلى الحدود الدولية، وذهبنا إلى الدبس لتبدأ مناهج التدريب العقيمة، وتعويض الخسائر الشكلي، حيث أن مخازن الجيش كانت لا تملك تعويض النقص الحاصل في كل شيء.

وقبل أن ننغمس في التدريب، صدر أمر إحالة آمر اللواء المقدم الركن قوات خاصة سلطان إبراهيم العلكاوي إلى التحقيق، وجرى إيقافه عن العمل، فغادر اللواء على عجل. ليصبح آمر اللواء رقم 3 الذي يغادرنا معاقباً بالتعاقب خلال عامين ونصف. ولولا أنّه كان من “العمام” – بمعنى تكريتي- ومن أهل بيجي المتصلة بتكريت، لأدين بتهمة التخاذل في الواجب العسكري أثناء هزيمة المحمرة، وسيق إلى منصة الإعدام أو على الأقل إلى السجن، لكن القيادة اكتفت بنقله ثم توقيفه عن العمل، ثم أعيد إلى صنف القوات الخاصة بلا عقوبة .

آخر كتاب وقعه آمر اللواء سلطان إبراهيم العلكاوي قبل تركه لوائنا هو بقية إجازة الزواج التي وعدني بها، فأخذتها وفارقت اللواء، لأعود إليه بعد الإجازة في قصة أخرى.

 ملهم الملائكة/ فصل من كتاب حين مشينا للحرب                                       ***

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

بحثاً عن وطن بديل

بحثاً عن وطن بديل

                  هذه قصة من قصص الزلزال الذي هزّ العراق بعد غزو الكويت، والذي ما زالت ارتداداته قائمة تهز العراق وجواره حتى اليوم. تفاخر صدام حسين ذات يوم بالقول إنّه سيرحل ويترك لكل عراقي قصة يرويها للأجيال. كان محقاً، فقصص الحزن العراقي بلا نهاية.صوت انفجارات قريبة...

قراءة المزيد
علمنا الموروث الغامض

علمنا الموروث الغامض

ليس بوسعي تخيل بقاء علم الثورة العربية على وضعه في العراق رغم أن دخول البرلمان وتخريبه بات ظاهرة عراقية يومية، تتكرر في مناسبة ودون مناسبة، واذا كان أتباع الصدر يستفيدون من نافورات البرلمان للاستحمام، فإنّ ساسة التيار وقياداته سيحولون هذه الصولات إلى انتصارات سياسية،...

قراءة المزيد
المسدس مشروعٌ عراقي

المسدس مشروعٌ عراقي

حملت في جنبي مسدساً على مدى عشرة أعوام وشاركت في حربين كبريين وانتفاضة آذار في كردستان 1991 لكني لم أقتل أحداً قط...ربما لم أصادف احداً يستحق القتل، أو، ربما أنني لست مجبولاً على أن أصبح قاتلاً! المسدس مسؤولية كبرى، حمله مسؤولية، وأن شهرته ولم تطلق النار مسؤولية، وإذا...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.