تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

لقاءات على محاور الرازيت والشالتر!

يناير 16, 2022 | 0 تعليقات

صباح مشمس في بداية شباط 1983، ما إن استيقظنا بعد غفوة الإنذار الصباحي في قاطع كتيبان مخفر زيد، حتى فاجأتنا سرية دبابات عراقية كاملة، بالانفتاح على يسار موضع لوائنا، وممارسة تمارين الهجوم السيار على العدو، رغم أنها كانت ضمن حدود قطعاتنا!

في كل وقت، تمثل الدبابات عدواً مؤذياً للمخابرة السلكية، وانفتاحها هذا الصباح وضعنا بمفاجأة ومأزق كالعادة، فركضت متعجلاً إلى غرفة الحركات عسى أن أجد عندهم جواباً لهذا الانفتاح الغريب غير المتوقع، فوجدت مقدم اللواء المقدم الركن عبد الصاحب سلمان، ذاهلاً يتساءل مني عن تلك الدبابات، وحين أراد الاتصال بالفرقة، وجدنا خطها عاطلاً، وهذا يعني أن الدروع قطعت خطوطنا مع الفرقة، ومنها الخط المدني على بدالة الدفاع. مسؤولية إصلاح خط الفرقة تقع على عاتق كتيبة مخابرة الفرقة، مد وإدامة الخطوط السلكية يجري دائما من أعلى إلى أدنى، الفيلق يمد ويديم إلى الفرق، والفرقة تمد وتصلح إلى الألوية، واللواء يمد ويديم الخطوط إلى الأفواج، الفوج يمد ويصلح إلى السرايا، والسرايا تمد وتصلح إلى الفصائل، والفصائل تمد وتصلح إلى الحضائر. قد يبدو للقارئ هذا الأمر بسيطاً، لكنّ صعوباته تظهر أثناء المعارك، وتصبح مسؤوليات المد والتصليح معضلة قد توصل القادة وآمري الوحدات إلى الإعدام!

استقرت الدبابات، وبدأ طواقمها يترجلون كأنهم في ساحة تدريب آمنة، واخذوا ينفتحون حول الدبابات كأنهم في تمرين، وكان جميع من في اللواء مذهولين يراقبون ما تفعله هذه السرية المغامرة. بعد نحو نصف ساعة من المناورات التدريبية والترجل والركوب والتجمع والانفتاح، انهالت قذائف العدو، من بطارية راجمات أو أكثر على الدبابات، وكانت الصواريخ تسقط مباشرة بين الدبابات، حتى أن الطواقم أقفلوا أبواب دباباتهم العلوية.

 الصواريخ تتساقط على بعد 500 متر من مقر لوائنا، ودخلنا جميعا مواضعنا، خشية أن يتمدد القصف ليشملنا. واشتعلت النيران في سرفة إحدى الدبابات بعد إصابة مباشرة، وترجل طاقمها وجاؤوا راكضين إلى خندق يسترهم باتجاهنا، فيما نزل آمر سريتهم وجندي آخر وانشغلوا بإطفاء النار المشتعلة بسرفة الدبابة (سرفة الدبابة سلسة من حديد، لكنها مكسوة بالكاوتشوك لتسهيل انزلاق الدبابة على الطرق المعبدة، وهي المادة التي اشتعلت هذه المرة).

وسرعان ما عاد طاقم الدبابة وساهم في إطفاء النار، وسارعت السرية تنسحب على السرف بسرعة، لتسير على الطريق العسكري التعاوني بين القطعات متجهة نحو قيادة قوات الحسين (الفرقة 30) المستقرة في مجنون.

مع انسحاب الدبابات توقف القصف، ولم يفهم أحد لماذا جاءت الدبابات ولمَ عادت.

بعد يومين، وصلت إلى نفس مكان الدبابات مفرزة من سيارة واز وسيارة لاندروفر، واستقرت حيث انفتحت الدبابات بالضبط، وبدأت تنصب هوائي مرتفع جداً، وصل طوله إلى نحو 60 متراً، وفي أعلاه شبكة وصحن صغير.

في اليوم التالي، ومع انبلاج الفجر الذي انهى انذارنا الصباحي اليومي القاسي، انهالت القذائف على المفرزة ذات الهوائي التلسكوبي الكبير، وبقي مدفع منفرد يشاغل هذه المنطقة طيلة اليوم. في اليوم الذي يليه، استيقظنا لنجد مفرزة المعدات الفنية، قد نقلت مكانها إلى نحو 500 متر إلى الخلف بنفس الاتجاه، ونصبت خلال الليل الهوائي التلسكوبي المرتفع. مر اليوم بسلام، ولكن حين ساعة الغروب، ونحن في الانذار المسائي، تساقطت على موقع المفرزة رشقة صواريخ معادية، تبعها قصف مدفع منفرد بقي يشاغلها حتى حلول الظلام.

صبيحة اليوم التالي، ظهرت المفرزة خلف مقر لواء 22 المجاور لنا، ما يعني أنها قد غادرت منطقة لوائنا خلال الليل. ومر اليوم والليلة ولم تنطلق باتجاههم أي قذائف، ما يعني أن العدو لا يراهم رغم نزولهم على نفس الخط الذي كانوا فيه قبل يومين، وهكذا باتوا إلى يمين مقر لوائنا تماما باتجاه العدو. من الواضح أنّها مفرزة رازيت أو معدات فنية.

بعد أيام، جاءني نداء هاتفي مفاجئ من صديق قديم، ملازم أول و. وهو ضابط يعمل في المعدات الفنية (وحدات التنصت)، وعرفت أنّه آمر مفرزة المعدات الفنية الحائرة التي استقرت يميننا، وهكذا رتبت ايصال خط سلكي لهم (ضمن شبكة خطوط التعاون مع الوحدات المجاورة، وهي شبكة ليست ملزمة، لكن يحبذ مدها عند توفر الامكانات لضمان تأمين وسائل اتصال متعددة بديلة تنفع في حالات الطوارئ). وذهبت مع مفرزة المد الخاصة بنا والتقيت بصديقي.

جلست معه في الملجأ المبني تحت سيارة لاندروفر الخاصة به، وبادر أحد جنوده بتقديم الشاي،. وحدات المعدات الفنية تضم مترجمين ومهندسين عادة، ولا يوجد فيها جنود دون تحصيل دراسي متقدم. وجلسنا نتحادث ونتذاكر أيام صداقتنا القديمة التي تمتد إلى أكثر من 10 سنوات، وهو أيضا خريج كلية الآداب قسم اللغة الانكليزية لكنه من خريجي الدورة 27 ضباط احتياط . وأثناء حديثنا دخل جندي حاسر الرأس، ولم يؤد التحية، بل تكلم بلهجة جنوبية وسأل آمره عن شيء ما، ثم انتبه إلى وجودي، فأطال النظر في وجهي، ثم سألني فجأة: ألا تتذكرني سيدي؟

فاجأني سؤاله، فنظرت في وجهه ملياً لكني لم أتذكره، فقلت له بعفوية: لابد أننا التقينا في هذا الجيش الجرار، الجيش كبير وصغير، ويلتقي العسكر غالباً دون مناسبة ببعضهم.

ابتسم بهدوء وقال: بل التقينا في أحلك الظروف في سقوط المحمرة، وأنت انقذتني بمساعدة لن أنساها! أنا يا سيدي، الأحوازي الذي طلب منك بنزين لسيارته قبل أشهر خلال سقوط المحمرة! أنت نسيتني وأنا لن أنساك، فأنت صاحب فضل كبير علي.

تذكرته، وسارعت أسأله ماذا يفعل هنا، فأجابني أنّه يعمل مترجماً لدى مفارز المعدات الفنية، وهو يفتخر أنّه يحارب جيش الملالي مع القوات العراقية.

وهكذا عرفت من قصة المترجم الأحوازي “أبو خلدون” دور مقاتلي جبهة تحرير الأحواز في الحرب العراقية الإيرانية، وللقصة تفاصيل قد أرويها في يوم آخر.

ملهم الملائكة/ فصل من كتاب حين مشينا للحرب                                     ***

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

بحثاً عن وطن بديل

بحثاً عن وطن بديل

                  هذه قصة من قصص الزلزال الذي هزّ العراق بعد غزو الكويت، والذي ما زالت ارتداداته قائمة تهز العراق وجواره حتى اليوم. تفاخر صدام حسين ذات يوم بالقول إنّه سيرحل ويترك لكل عراقي قصة يرويها للأجيال. كان محقاً، فقصص الحزن العراقي بلا نهاية.صوت انفجارات قريبة...

قراءة المزيد
علمنا الموروث الغامض

علمنا الموروث الغامض

ليس بوسعي تخيل بقاء علم الثورة العربية على وضعه في العراق رغم أن دخول البرلمان وتخريبه بات ظاهرة عراقية يومية، تتكرر في مناسبة ودون مناسبة، واذا كان أتباع الصدر يستفيدون من نافورات البرلمان للاستحمام، فإنّ ساسة التيار وقياداته سيحولون هذه الصولات إلى انتصارات سياسية،...

قراءة المزيد
المسدس مشروعٌ عراقي

المسدس مشروعٌ عراقي

حملت في جنبي مسدساً على مدى عشرة أعوام وشاركت في حربين كبريين وانتفاضة آذار في كردستان 1991 لكني لم أقتل أحداً قط...ربما لم أصادف احداً يستحق القتل، أو، ربما أنني لست مجبولاً على أن أصبح قاتلاً! المسدس مسؤولية كبرى، حمله مسؤولية، وأن شهرته ولم تطلق النار مسؤولية، وإذا...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.