تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

لا يدري ميثم كيف يحب!

يناير 11, 2021 | 0 تعليقات

ليس سهلاً أن ينام مع أنّ نهاره يبدأ من الثامنة وينتهي في السادسة مساء ولا يتسع لإنجاز كل أعماله المضنية، ليس سهلاً أن ينام مع أنه يطرق الحديد منذ الصباح حتى الغروب، وليس سهلاً أن ينام مع أن ساقيه لا تقويان على حمله من جراء الإرهاق، وحين يلامس جسده الفراش الممهد على الأرض العارية تنتاب أطرافه ورقبته ورأسه أوجاع مبرحة وتتلاشى عضلاته وأعصابه لشدة الألم ومع ذا وذا يأباه الكرى!

ليت النوم يشترى كما البيض والبطاطا وصواني الطعام الرخيصة فيبتاعه بلا عناء وينام بلا مشقّة. كيف السبيل لأن يتخلص الإنسان ممن يحبهم؟ إننا نكره ونحب بنفس المقدار، ولذا نسمى شعوباً عاطفية، نكره أعداءنا ومنافسينا وحسادنا ومن هم أفضل منّا، ونحب أنفسنا وأحبتنا وأبناءنا وأهلنا وأصدقاءنا بنفس المقدار، ولكن حين يجتمع الحب والمقت باتجاه شخص واحد يصبح الوضع لا يطاق.

كيف يحس المرء بالبرد والحر معاً في آن واحد، وكيف يتذوق الحلاوة والمرارة في لقمة واحدة، وكيف يحس الحزن والفرح في موقف واحد؟ لا تجتمع كل هذه الأضداد معاً قط، إلا أن حياة ميثم الشيخ عباس السعيد جمعت كل ذلك، بل توجزه أحياناً في هنيهة عابرة!

أبوه الذي عشقه وأكبر صلابته ورجاحة عقله وإخلاصه لقضيته، صار قرباناً لتعبدّه الموغل في المحبة وصلاته التي اعتاد أن يؤديها في حسينية السماوة! في العاشرة من عمر ميثم، طرق رجال الأمن باب بيتهم ليبلغوهم أن جثة الشيخ حمودي السعيد تنتظرهم في مركز الشرطة، فقد أعدم لخيانته الوطن وتحالفه مع الله وحزبه ضد السلطة الوطنية! وعليهم أن يستلموا الرفاة ولا يقيموا مجلس عزاء، ويالها من مفارقة؟  

في تسعينات القرن العشرين انهار الدينار العراقي وباتت قيمته لا تعدل قيمة الورق المصنوع منه

في تلك الليلة، بكى ميثم لفقده أبيه بطريقة لم يفهمها، وبكى لأشياء أخرى قريبة من هذا الهم، لكنّه لم يكن يفهمها. ذلك الحدث الفاجع أضحى منعطفاً دارت حوله حياة ميثم وحياة أمته وإخوانه وأخواته، فاجعته بوالده الشيخ كانت بداية لتحولات عصيبة لا حصر لها. أليس غريباً أن يُفرض على الإنسان موقف سياسي لم يختره ولم يشارك في صناعته؟ يشبه هذا إلى حد كبير الديانة التي يرثها الإنسان عن أبويه، والاسم الذي يناله دون أن يسأل عن رأيه، والمحلة التي يولد فيها، والأرض التي ينتسب اليها، فتصبح كل هذه همومه وينبغي له الدفاع عنها حتى الموت!؟   

كل ليلة ينام ميثم بعد الواحدة وتخنقه وتؤرق منامه آلاف الكوابيس، وتجتاح سريره كالحريق، وحين يستيقظ لصلاة الصبح التي لم يحبها قط والتي لم يفهم لماذا يجب عليه كمسلم أن يؤديها، يغادر فراشه وفي فمه مرارة وجفاف يلف حتى حنجرته فلا يقوى على الكلام، أما قلبه فيبقى بسبب تلك اليقظة الكريهة عليلاً كأنه برتقالة فاسدة.

 بعد طقوس صلاة الفجر/ الصبح، يعود لينام فلا ينام، ولا يجلس ولا يمشي، كل يومه يرتبك بسبب تلك البداية التي كان يسوقهم لها الشيخ حمودي السعيد بالعصا، كيف السبيل الآن لتغيير كل ذلك؟

ينام العالم وزوجه وأبناؤه الخمسة، وميثم لا ينام، أخوه هميم ينام قرير العين في لندن، وأخوه الأصغر كامل ينام قرير العين مع زوجته السويدية في ستوكهولم، واخته بتول تنام وابنتها في جنيف بهناء ودعة، كما تنام أمه هادئة ساكنة في قبرها إلى جوار أبيه بسلام ودعة، أما هو فلا ينام، رغم أن بيته قريب جداً من أعرق بيوت الله بنسخته الشيعية.

ميثم بحب أسرته، أبناؤه الخمسة وزوجته التي رافقته في رحلة المهجر الصعبة وفي سنوات العذاب التي لا نهاية لها، هو يحب أصدقاءه الذين لا يزورونه إلا لماماً (لضيق بيته وضيق ذات يده)، ويحب على وجه الخصوص أن ينصت للمنشاوي وهو يتلو القرآن كل غروب، إلا أن زعيق الصغار وشجارهم الذي لا ينتهي يدمر كل غروباته. ميثم يحب أن يكلم بتول أخته البعيدة التي تروي له في رسائلها قصصاً جميلة من جنيف، إلا أن أجور مكالمات الهاتف باهظة جداً ولا يستطيع أن يحدثها إلا لمدة 5 دقائق، مرة كل بضعة شهور.

ميثم يحب أن يراسل أخاه هميم ويتبادل معه الصور إلا أنّه لا يجيد الكتابة! ولا معنى أن يطلب من أحدهم أن يكتب له جواباً، إذ لا يليق أن يحب المرء أخاه بالاستنابة!

وهو يحب أن يسمع صوت أخيه كامل العذب عبر الهاتف، ويحب أن يناغي أبناءه ويكلم زوجته بلغتها العربية المضحكة، إلا أن كامل لا يملك هاتفاً وهذا لغز لا يعرف مفتاح حله. هو يحب أن يزور قبر أمه الحبيبة مساء كل خميس، إلا أن الفاصلة بينه وبين وادي السلام في النجف كالفاصلة بينه وبين القمر، بل القمر أقرب إذ يطل عليه أحيانا في الليالي غير الغائمة.

عاش المهاجرون العراقيون إلى إيران حياة صعبة مفعمة بالذل والهوان

ميثم يحب اللحم المشوي مع البصل والخضار، إلا أنه يكتفي أن يتعشى كل ليلة بصلاً وخبزاً وخضاراً مقلية بالسمن، فاللحم غالي الثمن، ولا يكفي دخله لشراء لحم يكفي أفراد العائلة. ميثم يحب أن يحلّي بعد العشاء، أو أن يتناول مع أفراد أسرته وهم متحلقون حول التلفزيون فواكه الموسم، لكنّ دخله لا يؤمّن له شراء الحلوى والفاكهة إلا نادراً. هو يحب أن يرقب غروب الشمس في الأصائل، إلا أن العشو الملازم له منذ طفولته يحرمه من هذه اللذة البسيطة.

ويحب ميثم أن يلعب كرة القدم إلا أن حجمه الخارق للعادة يمنعه عن ذلك. هذا المقدار الهائل من الحب المكبوت المضني يؤرقه ليلاً حتى ولدت إيمان قبل أسبوع، لتضيف صخرة أخرى إلى جبل همومه. هذه الوليدة الرخصة البيضاء مثل مَنّ السماء بفمها المكور كزهر الياسمين في موسمه، ولدت عمياء لتضيف لعالمه ظلاماً جديدا. ميثم السعيد مازال صابراً على قضاء الله لا يعترض على إرادته ولا يرضى أن يتمرد على هذه القسمة الصعبة. ثلاثة من بنيه ولدوا نصف عميان بالوراثة لزواجه من بنت عمه، ولا يريد ميثم أن يمتنع عن الانجاب.

قال زوجته أم مهدي وهي لا تزال في فراش النفاس: خذ الأولاد إلى المزارع القريبة، أنظر إلى حجومهم، صاروا بغالاً، انهم لا يتحركون، يأكلون وينامون ويتشيطنون، خذهم ليتحركوا قليلاً، ودعني مع الرضيعة، دعني أنظر إلى خيبتي وسوء حظي! واجهشت بالبكاء.

يسيرون فتغوص أقدامهم في العشب البري، قافلة من البائسين يقودها ميثم السعيد (أتكون سخرية القدر قد اختارت له هذا اللقب؟) . يمسك بأصابع مهدي ومحمود وهما يرتطمان بساقه في سيرهما، والآخران يتراكضان هنا وهناك، فاطمة تجمع الزهر، وحسين يطارد طيور القطا والسنونو الفزعة التي تغادر اعشاشها المخبأة تخت صخور الأرض الخضراء على حافة الجدول. يصل الموكب المتداعي إلى أيكة من الشجر البري، الأشجار البرية أصلب عوداً وميثم السعيد قد أتلف الهم أيامه وأحالت الأيام ألوان فرحه إلى سواد مطلق شاحب لا زال يقاوم ويشتد.

في العمل، في السوق، في المسجد يبارك له الناس مولودته الجديدة ولا يرحمون عذابه، بل يتساءلون بإلحاح سمج : هل البنت بصيرة أم مبصرة؟ وفي كل سؤال ينفتح جرح يأبى أن يندمل، في كل سؤال يتحول ما يحبه ميثم إلى كراهية.

بات يمقت نفسه، يمقت جسده المترهل العملاق، يمقت أصابعه التي تشبه مدكّات اسطوانية قبيحة، يمقت صلعته التي اجتاحت رأسه ولمّا يصل الأربعين من عمره بعد، يمقت عينيه الذاويتين وهم تضعفان ويتناقص بصرهما كل يوم، يمقت عويناته الغليظة التي يبدل عدساتها كل عام بأخرى أكثر سمكاً حتى أن أنفه الكبير الغليظ لم يعد يقوى على حملها! هو يمقت قدميه اللتين لا يوجد حذاء يحتويهما سوى جزمة العسكر بشعة المنظر، يمقت أمه التي أورثته كل هذا الهم وفارقته لتدعه يواجه وحده هذا العذاب غير المتناهي (يشيخ المرء فجأة حين تموت أمه). وبات يمقت أباه بشدة لأنّه اختار السياسة ميداناً لعمله، فبات عدواً للحكومة، أما كان يستطيع أن يكتفي بالصلاة في بيتهم الصغير، فيحمي أسرته من كل هذا العذاب والتشرد؟

ميثم السعيد يمقت أبناءه لأنه يتعذب لرؤياهم يتعثرون في مشيهم ويتلمسون الجدران متكئين عليها وهم صبية، ماذا عن غدهم إذا حين ينطفئ نور بصرهم؟ ويمقتهم لأنهم يمنعونه عن سماع تلاوة المنشاوي، ماذا لو كانوا أكثر هدوء؟

هو يمقت زوجته التي ما انفكت تبكي وتندب حظها، وكأنها لم تكن ابنة عمه، وتقاسمه هذا الميراث السيء؟

ويمقت بيته الذي أمسى مأوى للعجزة الحزاني. ويمقت أصدقاءه لأنه يشفقون عليه باستمرار، ويمقت أخته التي رحلت بعيداً وما عاد يستطيع أن يحدثها، ويمقت أخاه هميم الذي رحل دون أن يعلمه الكتابة، ويمقت كامل الذي يرفض أن يضع هاتفاً في بيته.

لكن ميثم الذي يطوف بالصباح أزقة المجمع السكني الذليل في هذا البلد، يلقي السلام على جيرانه بوجه لا تعوزه الطيبة ودماثة الخلق، وحين يجمع الناس مبالغ لإطعام الأرامل والمسنين يشارك ميثم بمبلغ معتبر، مع أن بيته أحوج لهذا المبلغ، وينام ليلته تلك وهو يجهل إن كان يحب أم يكره، ولا يدري ما عساه فاعل، أيكره أم يعشق، هل هو شرير أم طيب؟ ميثم لا يدري كيف سيصبح حال مملكة العميان التي يقودها حين يلفه العمى التام.

يتقرب من فراش ابنه البكر مهدي وهو يتحسس طريقه، عظيم الجسد، جميل الطلعة، عمره ثمانية أعوام إلا أن عقله ما زال في الثالثة، ينام لصقه ويسأله بسذاجة لا تناسب حجمه: لم لا تنام يا أبي؟

بعد التغيير في العراق عام 2003 تحسنت احوال العراقيين إلا أن مشكلات من نوع آخر باتت تواجههم

اذهب عني، ودعني أنام.

خذنا غداً للحقل مرة أخرى، صوت الماء في الجدول حلو ورائحة العشب طيبة يا أبي.

هذا ليس وقت حديث، غداً يوم آخر، الله كريم.

يحاول الصبي أن يتحدث فيضغط أبوه ساعده ويحثّه على الذهاب عنه.

في الصباح أفاقت أم مهدي لتجد بعلها قد غادر الدار دون أن يتناول افطاره، وحين حل الظهر انتظرته ليأتي ويشاركهم الطعام (إذ لم تعتد أن تتناول طعام الغذاء لوحدها).

لم يعد ميثم السعيد حتى الغداة، ولم يقل لأم مهدي أين قضى ليلته الصعبة المسهدة، فقد كلّم أخاه هميم بالهاتف وطلب منه ومن أخيه الأصغر كامل مساعدة تخرج به من بؤرة الهم الأعمى، فكانت له قصة أخرى مع الهم بعد سنة، ولكنها قصة من نوع آخر تماماً. قصة بنكهة عراقية لاذعة.

  • بعد عام 2003 إثر التغيير الزلزالي في العراق، تولى شقيق ميثم الأكبر إحدى الرئاسات الثلاث. ومع ذلك بقي ميثم غارقاً في الهم مع عائلته العمياء. وهذا سر عجيب لم أفهم له سبباً، لو التقيت ميثم اليوم لسألته عن هذا السر الغريب. هذه قصة حقيقية وقد تصرفت بالأسماء للمحافظة على خصوصية ذوي العلاقة.

أيار 2002

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *