تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

كرامات فلورنس سيدة القنديل*

أكتوبر 12, 2022 | 0 تعليقات

                    كأنها ملاك يتسلل خلسة ليطوف يبن الأسرة فيبدد قسوة الحرب ومآسيها وآلام الأمراض والأوبئة. نجلس مسحورين على رحلات الصف السادس ابتدائي ونحن نستمع إلى درس الأستاذ وديع معلم اللغة العربية وهو يسرد على مسامعنا قصة فلورنس نايتنجيل لأول مرة. كنت أخالها سيدة أنيقة بيضاء لامعة على محياها ابتسامة كأنها نسخة من بسمات الملائكة في لوحات رسامي عصر النهضة، وحين عرفت أنها من مشاهير نساء القرن التاسع عشر، صرت اتخيلها مثل نساء أفلام الويسترن. وما لبثت في نفس العام أن قرأت قصتها مصورة في مجلة المغامر، فسحرتني القصة أكثر.

إنها آنسة شاحبة الوجه، وصورها في مجلة المغامر تظهرها بوشاح قرمزي، وتحته ثوب رخيص سميك، تجول بين الأسرة وفي يدها قنديل زيتي بسيط جداً تنبعث من نيرانه رائحة الزيت (قنديل وليس مصباح، لسبب بسيط جداً، فكلمة قنديل أجمل من مصباح، رغم اجماع الترجمات على مصباح!)، وعلى رأسها ربطة شعر من بقايا حكم الكنيسة في أوروبا في القرن التاسع عشر، تتفقد الجرحى والمرضى والمحتضرين، وتضفي على آلامهم وجراحهم لمسات الرحمة، وسماها الجند المجهولون “سيدة القنديل”.

وضعت صورتها على ورقة العشرة جنيهات إسترلينيه البريطانية، باعتبارها شخصية بوزن سلالتي ملوك أوروبا، يخلدها التاريخ لأنها أرست قواعد مهنة صعبة. يعدها المختصون أول من وضع قواعد عملية علمية لمهنة التمريض كمدرسة مكمّلة للطبابة، بعد أن كانت مجرد خدمات قذرة بلا قواعد ولا علم، تبذل بشكل ارتجالي للمرضى وتؤدي غالباً لوفاتهم بسبب التلوث. فلورنس نايتنجيل امرأة سخّرت الأنوثة وسحر لمساتها الرقيقة لشفاء المرضى والجرحى، وبعث الأمل في نفوس اليائسين والمحتضرين. ألفت ونشرت الكتب التالية:

*ملاحظات حول التمريض

*كاساندرا، مقالة

*رسائل فلورنس نايتنجيل إلى ممرضاتها

*مقترحات الفكر

*معك إلى الأبد، رسائل فلورنس نايتنجيل

*ملاحظات حول المشافي

*دراسات في الصحة والمرض والرعاية

*توجيهات لمطابخ الجيش

وعشرات المقالات والدراسات الأخرى. كانت أول من توصل إلى أن الهواء النقي وأشعة الشمس جزء مهم من علاج المرضى والجرحى، فجعلت فتح شبابيك غرف وردهات المرضى واجباً يومياً تقوم به الممرضات، وقد كانوا قبلها يحبسون المرضى والجرحى في غرف وردهات بلا تهوية خوفاً عليهم من نزلات البرد. فلورنس ناينتجيل هي من أرست قواعد جولات الممرضات الصباحية والظهرية والمسائية والليلية على الراقدين في المشافي. وفرضت في تلك الجولات واجبات قياس الضغط والحرارة ونبض القلب ومتابعة خروج وادرار المرضى والمصابين، ما وفّر قاعدة بيانات هامة للأطباء يبنون عليها استنتاجاتهم بشأن المرضى والجرحى.

وحفظ زميلي حردان وأصله من الرمادي بضعة من الجزء الأول من اسمها “لورنس”، وصار يطلقه على كل ما هو مثير جميل ذي لمسة سحرية. فالمعلمة الأنيقة التي تمر أمام مدرستنا حين نكون بانتظار الدوام الظهري هي “لورنس”. والمعطف الذي ابتاعه له أبوه من اوروزدي باك هو “لورنس” في أناقته، والدراجة التي ابتاعها أبو شامل لابنه هي “لورنس”، والسيارة الأمريكية الفخمة الصفراء العائدة لوالد زميلنا الثري بشير الذي يملك معملا لصناعة الشوكولاتة هي “لورنس” في تألقها، والخروج من المدرسة بعد الظهر حين تكون الشمس مشرقة رغم برد الهواء يؤكد أنّ الجو “لورنس”! وهكذا أصبح نصف اسم فلورنس نايتنجيل وصفاً تعجبياً دالاً على الاعجاب في لغة بعض تلامذة العراق في ستينيات القرن العشرين!

أما زميلنا عبد عون وأصله من الكوت فاعتبر أن اسمها الحقيقي هو “فلورنس انجليا”، واعتبر أنّ شركة بريطانيا قد اعتزت بمكانة هذه المرأة الفذة، فقررت انتاج سيارة على اسمها، وأطلقت على السيارة اسم “انجليا”، وقد استورد العراق ذلك العام، وهو عام إضافة موضوع عن فلورنس نايتنجيل إلى كتاب القراءة والمطالعة، وجبة من سيارات انجليا التي ستكرم المرأة العظيمة.

زميلنا المتأنق وليد، له أخت تعمل مضيفة في الخطوط الجوية العراقية، وقد جاءت له بقارورة عطر من ماركة “فلورنس”، غالية الثمن، وهو يؤكد أنهم قد أنتجوا هذا العطر في سويسرا تكريماً لهذه المرأة التي خدمت الإنسانية أكثر من أيّ انسان. ولكي يثبت لنا كلامه، جاء لنا بالعلبة الكرتونية الحمراء المستطيلة التي تحفظ فيها القارورة، وهي تحمل كلمة FLORENCE على امتداها، وهكذا آمنا وأيقنا أنّ فلورنس باتت لها قارورة عطر عالمية!

وكتبتُ عنها، حسبما أتذكر، قصة اسميتها “مزار عروس الرحمة” ظهرت في النشرة الجدارية لمدرستنا، وقد اقتطعتها سلطات وازارة المعارف لتنشرها في مجلة “المزمار” التي كانت في بداية إصدارها في تلك الأعوام (1965- 1966).

مزار عروس الرحمة

                           تزور فلورنس البلدان وتلتقي بالمرضى والجرحى من الرجال والنسوان والأطفال، وتعيد لهم العافية وسلامة الروح والجسد برعايتها وشفقتها الفياضة. وحيثما سارت، كانت أعطاف الأمل والغد الأفضل تكلل أرواح الراقدين. وقد زارت في مصر راهبات من مختلف الكنائس كنّ يعملن في المشفى القريب من معبد فيلة في أسوان لمساعدة الفقراء من المرضى.

عروس الرحمة كرست حياتها لشفاء الآخرين ومساعدتهم، فلم تتزوج ولم تتخذ لنفسها أسرة، وقد وصفت ذلك المكان بأنه مزدحم براهبات الكنيسة الكاثوليكية، وراهبات الليعازريين، والكنيسة اليونانية، والكنيسة الأرمنية، والبروتستانت، فيما أغلب المرضى من المسلمين. نحن نتحدث عن 19 ممرضة يضمدن الجروح ويسعفن ويمرضن المرضى.

ذات ليلة، تزاحم وفود المرضى إلى المشفى، بسبب تفشي حالات اسهال وتقيؤ حادة، واشتبه الأطباء في أنّه انتشار لوباء الكوليرا، فقرروا وضع الجميع في الحجر الصحي، وقررت فلورنس أن تبقى مع المرضى في الكرنتينه. بعد أيام من الحجر، أكد الأطباء أن وباء الكوليرا يضرب المكان، ولابد من اعلان مملكة مصر منطقة موبوءة. ورفضت فلورنس الاعتراف بأنّ ما ضربهم هو وباء الكوليرا، مصرّة على أنّ حالة تسمم تنتاب سكان تلك الجزيرة المعزولة، وقررت أن تخوض تجربة تثبت أن الناس مصابون بحالة تسمم وليس بالكوليرا، فطلبت فوراً ان يصنعوا شاياً في قدر كبير، وطلبت أن يأتوا بأقداح زجاجية نظيفة بدلاً عن الأقداح المعدنية الرخيصة المستعملة في المشفى، وأضافت للشاي ملحاً، وبضع ورقات معدنوس، ووزعت بنفسها الشاي على المرضى. أتى الشاي المملح بمفعول فوري، وانتابت المرضى حالات تقيؤ شديدة، وتساقطوا وهو يتهوعون مخرجين ما في جوفهم من أفواههم ومؤخراتهم. وعمت الفوضى المكان، وتزاحم المرضى على المراحيض، ولقلتها اضطروا ان يخرجوا للعراء ليفرغوا ما في جوفهم. واستاء الأطباء من هذا الإجراء، وابلغوا فلورنس نايتنجيل استنكارهم لهذا العمل، معتبرين أنه خطأ فادح سيودي بحياة المرضى، لكنّ سيدة الرحمة تمسكت بذلك الحل، وكررت توزيع الشاي المملح بنكهة المعدنوس على المصابين بعد 4 ساعات، فعادت حالة التقيؤ والاسهال. لكن قبل حلول الظلام، شفي كل المصابين بما يشبه المعجزة، وغادرتهم الحمى وحالات التهوع والاسهال. وطلبت فلورنس من الجميع الامتناع عن تناول أي شيء سوى أرغفة خبز الشعير التي كانت توزع على الراقدين في المشفى. وما إن اشرقت شمس صباح اليوم التالي، حتى تعافى كل الراقدين، وشفوا تماماً من كل أعراض التسمم. واشرفت فلورنس بنفسها على كادر المطابخ كي يغسلوا القدور والصحون والاقداح المعدنية والزجاجية والملاعق بالماء الفائر والصابون.

بالنسبة للمصريين في ذلك الزمن (عامي 1849- 1850) كان ما قامت به سيدة القنديل معجزة، واعتبرها الناس سيدة ذات كرامات، وصاروا يتوافدون على غرفتها في الفندق الصغير الفقير وهم يأخذون قصاصات من ملابسها، وخصلاً من شعرها ليتبركوا بها. وبعد عقود طوال فرح العندليب الأسمر بالحدث فغنى:

ضي القناديل، والشارع الطويل،

فكرني يا حبيبي، بالموعد الجميل

بليالي سهرناها، بليالي سهرناها،

وسهروا القناديل سهروا يا حبيبي

وما لبثّ المؤمنون بمعاجزها أن بنوا لها مزاراً في مدينة حلايب وآخر في قرية أبرق وثالث في قرية موسى حميرة على الحدود المصرية السودانية، وأوقفوا للمزارات جرايات، وعيّنوا لها قوّاماً.

منح البابا سلفستر الخامس والخمسون سيدة القنديل لقب قديسة، وصارت تعرف ب “القديسة فلورنس نايتنجيل حفيدة الخضر”، وبات لها وسام يباع في عربات الباعة السلاف المتجولين في مدخل الفاتيكان.

وبعد تحرير الكويت من غزو العراق عام 1991، وبعد انقطاع الكهرباء بفعل ضربات التحالف الدولي، نزلت إلى أسواق العراق مهرّبة فوانيس فلورنس، وهي نسخ من قنديل سيدة الرحمة، وبات القنديل الواحد يباع بخمسة آلاف دينار، ومعه ربطة رأس وشدة علق مبروكة بعنوان فتيلة سحرية خالدة!

*هذه قصة من الخيال، وأي تشابه في الأسماء والحوادث هو مجرد مصادفة غير مقصودة.

بون 2022

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.