تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

بحثاً عن وطن بديل

سبتمبر 25, 2022 | 0 تعليقات

                  هذه قصة من قصص الزلزال الذي هزّ العراق بعد غزو الكويت، والذي ما زالت ارتداداته قائمة تهز العراق وجواره حتى اليوم. تفاخر صدام حسين ذات يوم بالقول إنّه سيرحل ويترك لكل عراقي قصة يرويها للأجيال. كان محقاً، فقصص الحزن العراقي بلا نهاية.صوت انفجارات قريبة وصليات رمي من رشاشة ثقيلة يهز ارتدادها غرفتنا، وكأنها ترمي من فوق سطح الغرفة أيقظنا فزعين. ساعتي تعلن إنها الخامسة من صباح يوم 6 آذار 1991.

جاء حارس المكان الذي نحن فيه بمدينة عربت جنوب السليمانية، وفتح باب الحجرة، فسألناه عما يجري، وأجابنا وهو باسم بكلمات كردية لم نفهم منها شيئاً، ثم عقّب قائلاً “آزادي”، التي كنت أعرف أنها تعني “الحرية”، ثم قال بعربية مبعثرة إن اعداد كبيرة من العسكر قد عبرت إلى إيران، ولكنّ هذا الأمر خوش نيا “سيء”، إيران لا تحب عسكر العراق!

قلنا للرجل أننا بحاجة إلى المراحيض، ففتح الباب متسامحاً وهو يقول “باشه كاكه، پیاوێک” وفهمنا أنه يدعونا للذهاب إلى المغاسل، ثم سار أمامنا يرشدنا إلى قاطع في المبنى فيه 3 مراحيض ومغسلتان.

انتهينا من فاصل النظافة، وعدنا تباعاً إلى حجرتنا فطلب أحد الموجودين من الحارس طعاماً وماء أو شاياً نشربه قائلاً “خواردن، آو، شاي؟” وهو يؤشر إلى فمه وبطنه تعبيراً عن جوعه.

غادرنا الرجل وقد ترك باب الغرفة مفتوحاً، ثم صاح من داخل مطبخ البناية بصوت مسموع “ورا كاكه، ورا”. ذهب إليه الرجل الذي طلب الزاد، وعاد بشدة خبز رقاق كبيرة مع قارورة ماء زجاجية كبيرة، وبشّرنا بأنه قد وضع كتري لتسخين الماء على عين غازية صغيرة، وسيصنع للجميع شاياً بالكتري نفسه لعدم وجود قوري.

استمر الرمي بكل أنواع الأسلحة، واكتشفنا من الباب المفتوح، أن رشاشة دوشكا قد وضعت فوق سطح البناية التي نحن فيها من جهة مدخلها، وهي ترمي في الهواء أو على هدف معين بين حين وآخر فيهتز المبنى برمته كرد فعل لرميها!

خبز الرقاق المرطب بالماء هو أكل البيشمركة الشهير، ومعه يأكلون تمر الخصافات، ولم يكن متوفراً في هذا المكان، وتجرعنا ومعنا الحارس الشاي وخبز الرقاق المرطب، ونحن نشعر بالقوة والدفء والنشاط تتسرب إلى أبداننا. أنهينا شدّة الخبز برمتها تقريباً، وكذلك كتري الشاي، وقام أحد الرجال إلى المطبخ وغسل ابريق الشاي والأقداح الملونة. من جانبي وزعت على الموجودين 3 سجائر، بمعدل سيجارة لكل نفرين، فيما شكرنا الحارس معلناً أنه لا يدخن لحسن الحظ!

بعد فاصل الاستراحة الصباحية، أغلق الحارس الشهم علينا باب الحجرة، وعاد إلى موقع حراسته، فيما ظلت تتوارد على اسماعنا أصوات أقدام تسير قرب المبنى واطلاقات تتصاعد من هنا وهناك، بعضها بالقرب من البناية. كان واضحاً أنّ الجموع تتحرك في ثورة من نوع ما، وتبادلنا الحديث، فأعلن بعض الموجودين أنّه يوجد في عربت، دائرة أمن، ودائرة شرطة، ومركز استخبارات، ومقر فرقة أو شعبة حزبية، وغالباً أن الجموع المسلحة الغاضبة تهاجم الآن تلك الأماكن.

في منتصف النهار، تعالى صوت الأذان من مساجد المدينة، وساد هدوء مشوب بالتعبد المدينة الثائرة، وبعد نحو نصف ساعة، قُرع باب البناية، ثم دخلها بعض الرجال، وسمعناهم يتكلمون بأصوات مسموعة، وبلهجة ليست غاضبة. ثم فتح حارس البناية باب الحجرة، وناداني “كاكه أمير”، ارتديت حذائي دون أن أشد قياطينه، وسرت معه إلى حجرة صغيرة مكتوب عليها “انتظار السيدات” دخلت الغرفة لأجد 3 رجال يجلسون على أرائك خشبية فوقها ملاحف اسفنجية بنفسجية اللون، وقد وضعوا أمامهم طاولة مكتب حديدة، صُفت عليها سجلات رسمية كبيرة الحجم، ورزم أوراق مطبوعة ومحفظة أوراق بلاستيكية حمراء كبيرة تضم مئات الصور.

بادرني أكبر الجالسين سناً، وهو مدجج بالسلاح من كتفه إلى قدميه، بالقول “كردي زاني؟” وتعني “هل تتكلم اللغة الكردية؟”

أجبته بالقدر الذي أعرفه من الكردية: “نه والله كاكه”!

فبادرني يقول بعربية غليظة، إنّ هذه سجلات الأمن والاستخبارات في مدينة عربت، وهم لا يقرأون العربية، فهل بوسعي قراءة السجلات والصور، وتعريفهم بمحتوياتها؟

استجبت له إيجاباً، وجلست إلى جانب أحدهم على الأريكة الخشبية وبدأت اتصفح أكبر السجلات، وهو سجل من مركز استخبارات عربت، ويتناول المتهمين العسكريين، فهالني أنه يضم مئات الأسماء، مع شروح وتعليقات وتهم كثيرة. ثم قال لي الرجال، هل مكتوب في الصفحات أن كان المتهمين كرداً أم عرباً؟

قرأت وعرفت أن السجلات تشير إلى قومية المتهم، ودينه وحتى مذهبه، وتتضمن موجزاً سياسياً وأمنياً عنه، علاوة على خلاصة التهم الموجهة إليه والشبهات الواقعة عليه. واخبرتهم بلغة بسيطة بهذه المعلومة، فسألني أكبرهم سناً الذي كلمني في البداية، هل توجد إشارة الى ارسال المتهمين إلى سجن معين، عدت اقرأ بعض الصفحات، وتبين لي أنّها لا تشير إلى ايداعهم السجون، بل تحويلهم غالباً الى جهات استخبارية متفاوتة.

تحادث الرجال فيما بينهم، وهم يحاولون التوصل إلى طريقة سريعة لأرشفة المعلومات، فقاطعتهم قائلاً، أنى بحاجة إلى سجل ورقي مخطط كبير الحجم خالي من الكتابة، كما أحتاج إلى أقلام حبر جاف ملونة، ازرق واحمر وأسود، لأعد لهم قوائم سريعة بأسماء المذكورين في السجل. نهض أحد الرجال من مكانه، وخرج من الحجرة، وترك الباب مفتوحا، ويبدو أنّه توجد أكياس خارج الغرفة، فنادى أحد رفاقه، وطلب منه شيئا بالكردية، فذهب الرجل وجاء ببعض أكياس الجنفاص البيضاء، ووضعها على الأرض قرب الطاولة، ودعاني الرجل الذي يتكلم العربية، إلى تفتيش محتواها وأخذ ما احتاجه منها للعمل، وجدت عدة سجلات، بعضها خالية، وبعضها كتبت بضع من صفحاتها، فأخرجت نحو 10 منها رزمتها إلى الطاولة، لكن خلت الاكياس من أيّ قلم حبر جاف!

وأعلنت للرجل الكبير أننا بحاجة إلى أقلام حبر جاف، وفهم حارسنا الشهم الذي كان بالباب مطلبي، فأجاب بابتسامة مشفوعة ببعض الكلمات، وذهب إلى إحدى غرف المبنى، وعاد وهو يحمل عدة علب من أقلام الحبر الجاف بألوان متعددة.

فتحت أحد السجلات، وأخبرت كبير المقاتلين أنني سأفتح سجلين، واحدٌ أدوّن فيه أسماء المتهمين الأكراد، وعناوينهم الأصلية، وإلى أين جرى تحويلهم، والآخر أدوّن فيه أسماء باقي المتهمين وعناوينهم الأصلية، وإلى أين جرى ترحيلهم.

تحمس الرجل لمقترحي، وتكلم مع مرافقيه، ثم طلب مني أن أشرع بالعمل، وأنجزه بأقصى سرعة ممكنة. ثم سألني إن كنت بحاجة إلى شيء، أو إنني اشكو من شيء، فأجبته إنني بخير، وقد قدم لنا الحارس الشهم طعام الفطور بسخاء أصيل، لكنني رجوته أن لا ينسونا في وجبات الطعام المقبلة، والسجائر بالخصوص. ابدى الرجل استعداده للتعاون، ثم تحدث ببعض التوجيهات على ما يبدو للحارس، وطلب شيئاً من أحد من كانوا معه، ثم نهض، فقام الآخرون معه، ومد لي يده مصافحاً بود، وغادر ومن معه بسرعة.

شرعت بالعمل بسرعة كبيرة، وصرت أدون أسماء المتهمين الكرد وتفاصيلهم في سجل أسود الغلاف، وكل من دونت معلوماته، اضع علامة صح باللون الأحمر على صفحة السجل التي نقلتها لأعرف فيما بعد أنى قد نقلت معلوماتها، وحصرت عملي في تدوين معلومات المتهمين الكرد، تاركاً مهمة تدوين أسماء باقي المتهمين لما بعد.

بعد نحو ساعتين من العمل، خطر في ذهني أن أجلب حقيبتي اليدوية التي فيها حاجاتي لتكون معي، متذكراً أنّ فيها مسدسي الشخصي، ومذياعي الصغير الذي يعمل بالبطارية. وناديت الحارس وقلت له بكلمات بسيطة أنى أريد جلب حقيبتي من الغرفة التي ننام فيها، فأتاح لي ذلك، وجئت بالحقيبة ووضعتها تحت طاولة المكتب التي أعمل عليها، فخرج الحارس لشأنه، وعدت لعملي، ثم تأكدت بعد نحو ساعة، من وجود المسدس والمذياع في الحقيبة.

واصلت العمل المكتبي الذي عُهد لي، وصار يثير في نفسي حزناً لا حدود له… كل هؤلاء العراقيين يمثلون خطراً على السلطة؟؟ مئات الأسماء لرجال يخدمون في جيش صدام، ومع ذلك هم متهمون بمعادة دولة البعث، ويعتبرون خطراً يهدد القائد الضرورة!  خارج المبنى، ما زالت تسمع أصوات اطلاقات متقطعة، لكن التفجيرات توقفت، فيما تتعالى أصوات حركة وجلبة كبيرة في كل مكان، وأحسب أنّ الناس مشغولون بنتائج الثورة التي وضعت كثيراً من الأسرار بين أيديهم.

في الساعة الرابعة بعد الظهر، توقفت سيارة شيفرولية بيك أب من غنائم الكويت، وتحمل فوق قمرة السائق رشاشة بي كي سي، يقف أحد المقاتلين متشبثاً بقضبتها. خرج الحارس يتكلم مع سائقها ومن فيها، ثم عاد ينادي كل العسكريين من حجرة النوم، وجرى افراغ محتويات السيارة، وأغلبها صناديق خشبية ومعدنية وكارتونية وأكياس جنفاص، وغادرت الشاحنة الصغيرة.

وما لبثت أن توقفت أمام المبنى سيارة واز عسكرية نزع عنها تشادرها، وصاح من فيها على الحرس يبلغونه بوصول الأرزاق والطعام. تولى نفس العسكريين استلام أرزاقنا من صمون الاعاشة الأسمر الصلب ذي النخالة، ومعه بضع حبات تمر خصافة، وقصعة عسكرية فيها رز مطبوخ، وأخرى فيها مرق.

ذهبت إلى غرفة نوم العسكريين، وقسمنا الأرزاق، وجلسنا نأكل بتلذذ ظاهر، ثم صنعنا شاياً، ولحظت أن الحرس لم يعد يغلق باب الغرفة بالمفتاح، بل يتركه موصداً دون اقفال، متيحاً لساكنيها الذهاب إلى المرحاض بحرية دون استئذان.

عدت لقوائم الاستخبارات، مواصلاً درج أسماء الكرد الواردة فيها في السجل الجديد. ليس بوسع من يطلع على هذه الأسرار المخيفة إلا أن يغرق في حزن عميق متأملاً قسوة أساليب الدولة البوليسية الجائرة:

*إبراهيم ف.ن. جندي احتياط مواليد 1965، يسكن كمي داشتي، التحق بالجيب العميل ضمن تنظيمات الاتحاد الوطني الكردستاني في عام 1985، وشمله العفو. له شقيق معدوم في عمليات الانفال واسمه إسماعيل ف. ن.. متهم بنشاط تنظيم سياسي معادي للحزب والثورة. في 14.8.1990 جرى ترحيله إلى ش5 م. ا. ع. ع (الشعبة الخامسة مديرية الاستخبارات العسكرية العامة).

*مراد س. ص. نائب ضابط مدفعية مواليد 1955، يسكن كاني بانكه، ناشط ضمن تنظيمات الاتحاد الوطني الكردستاني، التحق بتنظيم الأنصار الشيوعي في بهدنان عام 1983، وألقي القبض عليه وحكم بالإعدام، ثم شمله العفو الرئاسي الشامل عام 1985، وخرج من السجن، ثم عاود الالتحاق في صفوف الأنصار، ضمن خلية ناهدة الرماح. ألقى القبض عليه في 30.9.1990 بتهمة تهريب مواد غذائية مدعومة الأسعار إلى إيران، ورُحّل إلى محكمة الثورة في 30.11.1990.

*كلناز م. م معلمة مدرسة من مواليد 1963تسكن قرغول وهي زوجة المجرم المعدوم م. أول صالح م.م.، متهمة بقيادة تنظيم نسوي لصالح الاتحاد الوطني الكردستاني. رُحلت إلى محكمة الثورة في 7.8.1990.

*ريبوار أ. ح. جندي مكلف مهندس من مواليد 1957 يسكن سيد صادق، وهو من قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني، مقرب من العميل جلال طالباني، ألقي القبض عليه مسلحاً في بهدنان عام 1983. شمله العفو الجزئي عام 1986، ثم رُحّل في 9.8.1988 إلى محكمة الثورة.

وتتصل الأسماء، نساء ورجالاً معتقلون بتهم معززة بتواريخ ضمن صفحات مظلمة من استهداف الدولة البوليسية للكرد بشكل منظم. بعض المعلومات تكشف عن صفحات الانفال سيئة الصيت، لكن لا ترد أي إشارة إلى تفصيلات الضربة الكيماوية على حلبجة. مجرد العمل على تنظيم قوائم بالضحايا يبعث في النفس حزناً مشوباً الضياع. الدولة البوليسية تنشب مخالبها في أجساد أبناء الشعب، ولا فرق بين الكردي والعربي والتركماني والمسيحي والمسلم…الكل مستهدفون ما داموا يعيشون في الكذبة الكبرى وهم يشكلون خطراً على أمن صدام حسين.

هذه السجلات المرعبة هي يوميات التعذيب والتنكيل والقتل والتغييب المنظم الذي تمارسه الدولة بحق الشعب، وكشفها والاحتفاظ بها، يساعد إلى حد كبير على منع تكرار هذه التجربة، لو انتصرت الثورة وأسقط صدام وحزبه من أعلى هرم السلطة.

من يقرأ هذه السجلات، ينظر في داخل عقلية العصبة المنظمة الحاكمة، فهي ترى أن حكم العراق، حقٌ شرعي لها، بامتياز حصري لا يقبل الشراكة، وبذلك فإنّ صدام يطلق يده ويد المؤيدين له وأفراد حزبه في خيرات الوطن. الجيش وقود الحرب بالنسبة لصدام، وعلى هذا الجيش الطاعة العمياء، مهما كانت الأوامر، وهكذا تتحول مهمة الجيش الدستورية كمدافع عن الوطن، إلى جهاز أمن مسلح بالأسلحة الثقيلة وتدعمه الطائرات في حربه على كل من يفكر أن يشارك صدام في حكم البلد. بالنسبة له ولأفراد عائلته وحزب البعث، العراق ضيعة تختص بهم حصراً، وليس للآخرين أن يقطفوا من ثمار هذه الضيعة ولا أن ينعموا بخيراتها، إلا ضمن سياسية الفضلات والاذلال التي تمارسها الدولة.

قبل غروب هذا اليوم، عاد المقاتل كبير السن الذي كلفني بمهمة التوثيق إلى البناية، وجلس إلى المكتب الذي أعمل فيه، وكشف أن كل وحدات الجيش في منطقة السليمانية وصولاً إلى الحدود الإيرانية قد تركت معسكراتها ومواضعها وفرت متفرقة، لكن القسم الأكبر منها مستقر الآن على الحدود الإيرانية. كما انضمت قطعات كثيرة بأسلحتها إلى الثوار. عاد سائق الزعيم، بأقداح من الشاي يتصاعد منها البخار ليشيع في النفس شعوراً وهمياً بالدفء في قرّ المكان البارد المثلج. ومن ملاحظاتي أنّ الكرد عموماً يشربون الشاي بأقداح زجاجية كبيرة، وربما كان سبب هذه الظاهرة، أنهم متنقلون دائما، لذا يستفيدون من الأقداح الزجاجية لأغراض متعددة ومنها شرب الشاي.

سألني الرجل عما حققته في أرشفة السجلات، فعرضت عليه عملي، وكنت قد وصلت إلى التسلسل 220، وبينت له أني أنقل الآن المعلومات المختصة بالمتهمين الكرد حصراً، وأؤشرها في السجل الأصلي، كي أعود فيما بعد لأرشفة أسماء باقي المتهمين. وقلت له إن هناك متهمات من عوائل العسكريين أيضاً، وقد أدرجت كل اسمائهن حسب التسلسل. نظر إلى السجل بهدوء، وبان على ملامحه حزن شفيف مشوب بالرضا عن عملي، ثم أعلن أنه سيأخذ السجل الذي نظّمته ويصوّره، ثم يعود لي به، وبإمكاني أن أواصل العمل في سجل آخر.

أعلمت الرجل أن حلول الظلام، سيمنعني عن العمل، لاسيما أنّ الحارس قد أكد عدم وجود فانوس أو لوكس انارة في المبنى. ابتسم الرجل بفتور وقال إنّ البلد كله مظلم، والحصول على فانوس أو لوكس يتبعه حاجة لنفط الإنارة، وهو نادر اليوم مثل الذهب على حد تعبيره.

وعدت اذكّره بحاجتي إلى سجائر، فطلب من سائقه شيئاً، ذهب الرجل، وعاد بأربعة علب سجائر إيرانية “آشنو “، سلمها لي وقال إنها لنا جميعاً. ثم غادر المبنى متمنياً لنا ليلة سعيدة.

ذهبت بالسجائر إلى العسكريين، وتقاسمناها بالتساوي، مستثنين اثنين من غير المدخنين تنازلا عن حصتهما من التبغ.

ثم تعالى صوت الأذان في أرجاء المدينة، وانهيت عملي بعد أن عمت العتمة، وعدت إلى “حجرة النوم” التي تجمعني بالعسكريين الآخرين.

*فصل من كتاب الطريق إلى الجحيم

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.