تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

قاصة وذمة الملازم سعد!

نوفمبر 15, 2021 | 0 تعليقات

الضابط الإداري في الحرب محسود، بل مكروه، وبانَ هذا بشكل فاضح في حرب السنوات الثمان بين العراق وإيران. ملازم سعد الضابط الإداري في وحدتنا كان أحد أشد “المحسودين” في الوحدة ومن أسباب ذلك ان مقر الضابط الإداري عادة في القدمة الإدارية الآمنة للواء، علاوة على قاصته الألمانية وما في ذمته من معدات عسكرية متناثرة.

مضت سبعة أيام من شهر تشرين الأول/ اكتوبر 1980، ولم يستلم منتسبو مقر اللواء رواتبهم وهم منهمكون في معارك القادسية، بسبب مشكلة القاصة والحسابات ويدير كل ذلك الضابط الإداري الملازم سعد (اسم رمزي). عيلَ صبر الجميع، ووصلت الشكاوى بحقه إلى أعلى المستويات. فكانت أعذاره أسوأ من أسباب التأخير نفسها.

حين بدأت قادسية صدام، واستعد اللواء للحركة إلى الجبهة، كانت مدة خدمة الملازم سعد برمتها 9 أشهر، وظل يقول إنّ اللواء لا يمكن أن يذهب إلى الجبهة، حتى بدأت القطعات تتحرك فعلاً. فلم يبق في الوحدة جنود يساعدونه في رزم وتحميل الأسلحة والأعتدة والمعدات وكلها أحمال ثقيلة. وهكذا كان عليه أن يستعين بجنود من وحدات تركت قدمات إدارية في المعسكر القديم، وأغلبهم معاقون، علاوة على سجناء من سجن حامية راوندوز.

وكان آخر ما فكر الملازم سعد بنقله هو القاصة (الخزانة الحديدة المقفلة ويبلغ وزنها 100 كيلوغرام) . وتركها في مكتبه الطيني المهلهل في راوندوز، ورحل إلى الجبهة ليوصل مدافع هاون ورشاشات متوسطة كان قد استلمها تواً من العينة، وتأخر في إيصالها إلى الجبهة، ما سبب في تشكيل مجلس تحقيقي بحقه. وحال وصوله، تلقته تهديدات الجميع بأنّ تأخير الرواتب، سيرسله إلى محكمة الثورة بتهمة العمل على تخريب معنويات المقاتلين، كما هدده مقدم اللواء!

عاد الملازم سعد ليجلب القاصة، لكنّ نفسه راودته أن يزور بيته في بغداد قبل الذهاب إلى راوندوز البعيدة، وهكذا استجاب لنداء قلبه وذهب إلى العاصمة العراقية محمولا على بساط الشوق الجارف! وأمضى في بغداد 3 أيام، ثم رحل إلى راوندوز، ليجد أن مكتبه قد اقتحم من قبل مجهولين، وقد أخرجت القاصة منه، وبعد أن عجز المعتدون عن فتحها أو عن نقلها ، تركوها في العراء بعد أن كسرت قبضتها بسبب محاولاتهم.

حار الملازم سعد ما يفعل، وما لبثت وحدة البريد في راوندوز أن ابلغته بوصول برقية مدنية باسمه من أحد معارفه. أسرع الملازم سعد إلى بريد راوندوز، ليستلم البرقية فوجد انها تنص على التالي:

“استلام بدلات وأحذية خدمة عسكرية ومشمعات مطرية فورا من العينة. خلف”!

البرقية من آمر اللواء المقدم الركن خلف عليان شخصياً، وهو الذي سبق أن شكّل بحقه مجلسين تحقيقيين، أحدهما بسبب تأخير إيصال الأسلحة، والثاني بسبب تأخير رواتب الوحدة.

حاول سعد أن يجد جنوداً يساعدونه في تحميل القاصة المطروحة تحت المطر والرياح، لكنه فشل، فلجأ إلى استئجار عمال مدنيين من راوندوز، أعانوه في حمل القاصة مقابل أجر. بعد ذلك تحرك الملازم سعد، والقاصة معه إلى بغداد ليستلم من العينة التجهيزات الرومانية الشتوية التي تدخل العراق أول مرة. حال وصوله إلى العاصمة، اتصل بمقر اللواء هاتفياً عبر بدالة الدفاع، وطلب أن تُرسل له شاحنتان ليستلم المواد المطلوبة ويقوم بتحميلها من بغداد.

استجاب اللواء بسرعة خارقة، فأرسلت له شاحنتا ايفا عصر ذلك اليوم، وفيما كان نائماً في بيته الساعة 11 ليلاً، اتصل به سائق إحدى الشاحنتين متسائلا أين سيلتقيه ومتى حسب أوامر آمر اللواء شخصياً، فطلب منهم سعد أن يكونوا في مدخل بغداد من جهة معسكر التاجي تمام الساعة 11 صباح اليوم التالي.

وكالعادة، نهض الملازم سعد متثاقلاً صبيحة اليوم التالي، وتناول بهدوء طعام فطوره مع أهل بيته، ثم ودعهم ورحل بالشاحنة التي تحمل القاصة ليلتقي بالشاحنتين الأخريين. حين وصلهما كانت الساعة قد شارفت على الثانية عشر ظهرا.

 قاد الملازم سعد رتل الشاحنات إلى معسكر التاجي، ودخل إلى العينة، فإذا الدوام قد انتهى عندهم، وعليه الانتظار حتى اليوم التالي لتسلم التجهيزات الشتوية. وفي اليوم التالي استلم التجهيزات وعاد إلى مقر اللواء بعد أن أمضى أسبوعا كاملاً لرحلة جلب القاصة التي كان مقررا أن يعود بها خلال 48 ساعة، جالباً معه التجهيزات الشتوية، ليخزنها في مستودعاته بالمنطقة الإدارية بخانقين.

في اليوم التالي، ذهب إلى مقدم اللواء في مقر اللواء المتقدم، مبيناً له أن القاصة قد تعرضت لمحاولة سرقة، وكُسر مقبضها الذي يدور فيفتح الباب، وبالتالي فهي غير قابلة للفتح الآن، ولا يعرف كيف سيستلم رواتب الوحدة وأين سيخزنها لحين توزيعها!؟

تطور الأمر إلى تشكيل مجلس تحقيقي حول القاصة، وحول تأخره لمدة أسبوع في العودة إلى اللواء بعد تكليفه بواجب محدد. وكانت المشكلة الأصعب هي كيفية استلام الراتب، وهكذا أوعز آمر اللواء بتشكيل لجنة مؤقتة برئاسة ضابط ركن إدارة اللواء وعضوية كل من الضابط الإداري للفوج الأول، والضابط الإداري للفوج الثاني، لاستلام رواتب شهر تشرين الأول/ اكتوبر 1980 الخاصة بسرية مقر اللواء بسبب مشكلات نجمت عن إهمال الضابط الإداري! في النهاية وصل الراتب لمنتسبي مقر اللواء متأخرا 20 يوماً.

انتهى عام 1980 وقد تشكلت 5 مجالس تحقيقية بحق الملازم سعد، وكان كثيرون يرون أنه ذاهب للسجن آجلاً أم عاجلا ًبسبب أخطائه المميتة وبروده التاريخي العجيب وتقاعسه الذي لم يتخل عنه حتى في أصعب لحظات الحرب! لكنّ هذا لم يحدث، بل جرى شيء عجيب.

فقد وصل بعد أشهر كتاب من ديوان رئاسة الجمهورية، وبتوقيع رئيس مكتب ديوان الرئاسة جاء فيه: “بأمر الرئيس القائد المهيب الركن صدام حسين القائد العام للقوات المسلحة، تنسب سفر الملازم سعد… المنسوب إلى لوائكم على نفقة ديوان رئاسة الجمهورية إلى النمسا لأغراض العلاج، وسيعاد إليكم حال انتهاء علاجه. لترتيب المكاتبات والموافقات اللازمة للمراجع العسكرية من قبلكم”.

دامت رحلة الملازم سعد إلى النمسا 4 أشهر، وكانت أطول رحلة كسل ورفاهية عاشها في حياته الحرة الكريمة!

 ملهم الملائكة/ فصل من كتاب حين مشينا للحرب

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

الحدود السيّارة – جليد إيطاليا والنمسا وسويسرا*

الحدود السيّارة – جليد إيطاليا والنمسا وسويسرا*

لقرون عدة، كان الجليد بضاعة إستراتيجية. وليس من السهل نسيان النقل والحصاد الذي اعتمد على الجليد لقرون متطاولة لدعم الصناعة الدولية، وكان واسطة مغرية لمجهزين ومصدرين عدة، في طليعتهم أوروبيا النرويج. كما لعب الجليد المخزون دوراً حاسماً في تأمين مصادر المياه وحفظ الطعام...

قراءة المزيد
أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.