تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

في بيت كارل ماركس فيلسوف الشيوعية

نوفمبر 4, 2020 | 0 تعليقات

تخطيت عتبة بيت كارك ماركس بمدينة ترير غرب ألمانيا بذهول وكأنّي أعبر بوابة العصور، ألمانيا الرأسمالية ترعى بعناية بيت الأب الروحي للشيوعية، إنها مفارقة تاريخية، لكنها حقيقة، فهذا الرجل الساخط على الرأسمالية جزء هام من موروث ألمانيا.

بيت متواضع من عصر الباروك في شارع بروكن شتراسه يحمل الرقم 10، تتقاسمه واجهته ألوان رمادية وزرقاء وسقف من القرميد الرصاصي معتم اللون، بابه خشبي وكذلك نوافذه البيضاء التي أسدلت عليها قضبان معدنية تحميها. يقع البيت في شارع تجاري ضيق بقلب مدينة “ترير” غرب ألمانيا ، هنا ولد كارل ماركس عام 1818. عبرت البوابة العتيقة فوجدت نفسي في مخزن يبيع التذكارات، تستقبلني من خلف فترينته الزجاجية المتواضعة سيدة خمسينية باسمة ترحب بي، وتتمنى لي زيارة موفقة لبيت الرجل الذي ترك في العالم تغيرات وآثار رسمتها أنهار من الدم عبر العالم. ولفت نظري أنّ سعر بطاقة الدخول كان متواضعا ( 4 يورو) ولتلامذة المدارس يورو واحد.

البيت رقم 10 في شارع بروكن شتراسه، حيث ولد كارل ماركس عام 1818

الطابق الأرضي يلخص ملامح من محطات الصراع المر بين أفكار ماركس، ومن تبعوه وخاصة ما فعله النازيون ببيته وكيف حولوه الى مطبعة تراكمت القمامة تحت نوافذها .صرير أرضية المكان الخشبية تحت أقدامي يروي قصة أقدام ماركس وأخوته التسعة في هذا البيت، ومن عجب أنه كبر فاتخذه مسكنا له ولأسرته الكبيرة ، على الجدار قرأت شعاره الذي أصاب كبد السياسة في الصميم “يا عمال العالم اتحدوا”،  وأمر بتمثاله الرأسي البرونزي الأسود الشهير وكأني أوشك أن أكلمه. أما الغرفة رقم 11 فتعرض محطات شباب فيلسوف الفكر الشيوعي الاكبر، وعلى الجدار تنتصب صورة غرافيك صفراء لزوجته ورفيقة حياته الصعبة جيني فون فيستفالن التي انجبت له 7 ابناء.

لا يسع من يزور هذا البيت الا أن يتذكر كلّ الشيوعيين الذين سمع بهم والذين عايشهم والذين كان شاهدا على تطوراتهم. لا يسع المرء الا أن يتأمل كيف تسمو الدولة والانسان على خلافات السياسة في هذا البلد .

فاجأتني تفاصيل كتبت في الغرفة 12 وفي الغرفة 13 في الطابق الثاني عن علاقته الوشيجة بالفيلسوف فريديرش انغلز، وكيف تطورت تلك العلاقة الى نضال سياسي، جعلهما يجدان في البحث عن بدائل صحفية يمرران خلالها أفكارهما بعد أن رفضت صحف كثيرة مقالاتهما وافكارهما. وكان ربيع الشعوب عام 1848 الذي انطلق بثورة من فرنسا واجتاح 50 بلدا أوروبيا محكّا حقيقيا لاختبار افكار ماركس ورفيقه انغلز ودعواتهما.

الطابق الثاني من البيت تحزّمه شرفة مسقوفة ويحددها سياج خشبي تتوزع عليه أصص الزهور الحمراء كأنه كرنفال. الشرفة تطل على فناء البيت المكشوف وفيه بعض العرائش المزهرة. على جدار داخلي يقود للغرفة 14 تستقر نسخ كتب الكترونية بلغات مختلفة من البيان الشيوعي الشهير الذي كتبه الفيلسوفان.


مساحة البيت الخلفية تشغلها حديقة صغيرة، فيها تماثيل رأسية ونصفية وكاملة لكارل ماركس

على الجدران تكشف الملصقات والصور عن مشاهد حياته الخاصة وقد تداخلت مع محطات كفاحه السياسي، وفجأة اكتشف أنّ ابنته الثانية لاورا المولودة في بروكسل، قد انتحرت بالسم هي وزوجها الثوري الاشتراكي الفرنسي لافارغ، وكانت هي في السادسة والستين وهو في التاسعة والستين عام 1911، وتركا وراءهما رسالة جاء فيها “ما زلت سليم العقل والبدن، وها أنا أنهي حياتي قبل أن ينال مني ارذل العمر فيسلبني مباهج ولذائذ الحياة واحدة بعد أخرى”.

المفاجأة الأخرى على جدران نفس الغرفة هي أنّ أبنته إليانور المولودة في لندن قد قضت هي الأخرى انتحارا بعد طلاقها من زوجها الاشتراكي في لندن. وهذا يثير أسئلة عن حياة الفيلسوف الألماني الصاخبة التي مزقتها السياسة، والتي قضى محطات كثيرة منها متنقلا بين بروكسل وباريس ولندن وألمانيا.

القاعة 15 من البيت مكرسة لمؤلفات ماركس، لاسيما مراحل كتابته لمجلدات كتابه المعروف رأس المال. على الجدران نسخ مصورة من الأوراق الأولى لمخطوطة الكتاب الذي صدر بثلاثة أجزاء. يأخذني عالم الفكر الذي تجسد في كتابه الى ما فعله ماركس على الأرض في السياسة، حيث تعرض القاعة 16 علاقته بحركة العمل، والتي ميّزت المرحلة الثانية من حياته السياسية ضمن الرابطة الدولية للعمال “انترناسيوناله اربايتر اسوسيشن ” .

مساحة البيت الخلفية تشغلها حديقة صغيرة، فيها تماثيل رأسية ونصفية وكاملة لكارل ماركس، تخطيت بينها أتأمل ظهر البيت العتيق واتخيل كيف عاش المفكر الذي هزت عقيدته العالم ولكنها لم تغير المانيا ولم تحولها الى دولة شيوعية. المشهد يجبرني على مقارنة هذا الوضع، بالتغيرات السياسية المتعاقبة في بلدي الذي ولدت وكبرت فيه، حيث تمحو السلطات كل ما يتعلق بمعارضيها بعد أن تبيدهم وعائلاتهم.

عند مغادرتي للمكان، استوقفني دكان بيع التذكارات الصغر في المدخل، فاشتريت قدحا أحمراً يحمل صورة ماركس، وسألت السيدة الواقفة الى الفترينه إن كانت عائلة ماركس هي التي تتولى ادارة المتحف والانفاق عليه، كما هو مألوف في بيوت الفنانين والكتاب التي باتت متاحف في عموم البلد، ابتسمت وهزت رأسها ذي الشعر القصير بالنفي، مؤكدة بابتسامة مبتسرة أّنّ الحزب الاشتراكي الديمقراطي يشرف على المكان من خلال مؤسسة “فريديش ايبرت شتفتونغ”.

ملهم الملائكة / ترير

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

الحدود السيّارة – جليد إيطاليا والنمسا وسويسرا*

الحدود السيّارة – جليد إيطاليا والنمسا وسويسرا*

لقرون عدة، كان الجليد بضاعة إستراتيجية. وليس من السهل نسيان النقل والحصاد الذي اعتمد على الجليد لقرون متطاولة لدعم الصناعة الدولية، وكان واسطة مغرية لمجهزين ومصدرين عدة، في طليعتهم أوروبيا النرويج. كما لعب الجليد المخزون دوراً حاسماً في تأمين مصادر المياه وحفظ الطعام...

قراءة المزيد
أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.