تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

في القبلة والتقبيل وما بينها

فبراير 26, 2021 | 0 تعليقات

القبلة فعل لا يحتاج إلى تعريف، فهي شعور مجرد من كل وصف، وهي تلامس روحي قد يبدأ بالوجنات أو ينتهي بتبادل الألسن والرضاب. من أين تنطلق القبلة؟ من الشفتين أم من جوف الروح وخفاياها؟ هذه سياحة في مراسم القبلة والتقبيل.

الفم هو منفذ الغذاء الحقيقي الى الجسد، وفيه الذائقة، موزعة بين اللسان وبين الغدد اللعابية والصماء، وفيما يشارك اللسان بلا هوادة في عملية النطق وإطلاق الكلمات والأصوات والتعبير عن المشاعر، فإنّ وظيفة الشفاه تبقى موزعة بين التذوق والتفوه والتلذذ والتقبيل.

من هنا تختلط لغة الجسد بلغة “الروح”، فلو شئنا أن نعرّف القبلة فلن نقول سوى إنها لثم الجزء الآخر بالشفاه، فهل يقبِّل المرءُ نفسه؟ قطعا لا، فالقبلة تشترط وجود آخر، ولا تقبل القسمة على ثلاثة، إنها محاولة البوح دون كلمات بين اثنين، أو سمِّها بين روحين.

وليس مصادفة أنّ منفذ الغذاء الى الجسد والروح هو نفسه مصدر القبلة والتقبيل، فالتلازم بين الأهميتين يلزمه تلازم الدلالتين، الروح لا تسمو الا بمشاركة الأرواح، والمشاركة هنا جسرها قبلة، وحين نقف عند بيت ابن الملوح :أمر على الديار ديار ليلى … أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

تتراجع القبلة الى عنوان عذري عاطل عن الوصول الى الآخر فيكتفي برمزه “ذا الجدار وذا الجدارا” وهنا غاب عنصر التلامس المطلوب حسيا في القبلات.

ومثل هذا يقول سعدي الشيرازي بترجمة عربية:

من قال إن القبلة تنمو بعيدا عن شفاه الروح؟…

هو من روج لأسطورة أنّ حلو المذاق لا يصدر عن السكّر؟

وكيف نعزل القبلة عن الشفة، ألا تقود إحداهما الى الأخرى، هل توجد قبلة بلا شفة، وهل توجد شفة لا تحب التقبيل؟ وفي التلازم هنا تفسير مجزوء، اذ كيف نفسر تقبيل أستار الكعبة، وتقبيل الحجر الأسود، وجدار المبكى عند اليهود وتقبيل الصلبان وطرف جبة البابا عن المسيحيين، وتقبيل الأعضاء الجنسية للأصنام عند بعض الهندوس. كيف نفسر تقبيل الكتب المقدسة في مختلف الاديان؟ ولماذا يقبّل كثيرون الكتب المقدسة ويعانقون بها جباههم بعد التقبيل؟ هل هو إعلاء لكلمة الرب؟ أم تنزيه للكتاب وكلام الرب الذي فيه عن دنس محتمل صدر عن قبلة طالما اختلطت باللذة؟   

بات تقبيل الشفاه هو الأشهر عبر العالم مع انه ابتكار فرنسي ظهر في القرن العشرين

لأربعة عقود خلت صادفت درويشا يتعبد في تكية” خان مولوي” بمنطقة غلاطة في اسطنبول وهي الأن متحف للأدب العثماني الكلاسيكي. كان جاثما على أرض التكية المفروشة بالسجاد الملون وقد غلب عليه لون أحمر متداخل بصفرة الريازة وبياض الكراكيش المؤطرة للسجاد. وما برح الدرويش الناسك يصلي، ثم يتلو في قرآن ملفوف بقطعة قماش خضراء وضعه أمام جبينه، ويغلق القرآن، فيقبله، فيرفعه الى جبينه، ثم يرفعه الى أعلى ويتمتم أدعية ويعيد الكرة. لا أدري كم مضى عليه من الوقت وهو يفعل ذلك، وبقيت أرقبه مسحوراً، وفي جوفي أسئلة، وحين انتهى، جلس متربعا ليبدأ طقسا آخر في نسكه، استأذنته في سؤال، فأذن لي وعلى شفتيه تلك البسمة الغريبة المتدلية من شفاه النساك والقسس والعباد في كل العالم. فسألته بعربية فصحى عن معنى ما كان يفعله وخاصة” لماذا تقبّل القرآن ثم ترفعه لجبينك، ثم ترفعه الى السماء”؟

قال بعربية سليمة ولكن تشوبها لكنة تظهر خاصة بمنحنيات التأنيث والتذكير والفتح والكسر:” أقبّله، لأنه أسمى قديمٍ يجدر بنا تقبيله، فهو كلامُ الله الذي لم يخرج من أيّ فم، ولم تلفظه شفاه ولم يكتبه أي يراع. وأرفعه للجبين، لأنه لا يجوز السجود والركوع على كتاب الله، فهكذا أرفعه للتعظيم الى جبيني، ثم أرفعه الى السماء لأني أريد أن تصل قبلتي للكتاب خالصة الى خالق الكتاب، وهذا الرفع محاولة تنزيه لها عن قُبل أهل الارض”.

كتبتُ كل ما قاله، وما زلت احتفظ بدفتر أسفاري الصغير بتلك العبارة الشفوية الخالدة من ناشط صوفي مولوي لابثها الى من يبغي الإفادة منها.

ويأخذني كل هذا الى أبيات الشاعر الكولومبي المعاصر “أنريكو البيرتو هورتادو مينوتا”

قبّلني حتى يحل الفجر

قبّلني بشوقٍ لا حدود له

قبلني…قبلني لا أكثر من ذلك،

ولا تقل شيئا!

وهو يؤكد لغة الروح، فالقبلة تقول كل شيء وتبوح بكل شيء، ليس فقط للآخر، بل تحت سماء الليل الزاحف الى الفجر، ألا يذكرنا كل ذلك بشوق فلسفي أطلقه الرومانتيكي الألماني الكبير يوهان فولفغانغ فون غوتّه؟:

“قبّلني وإلا قبّلتك أنا”!

والمفارقة هنا أنّ التقبيل فعل يقتصر على أثنين ولا ينجز إلا باجتماعهما، فلا معنى للتهديد بانّي سأقبّلك ما لم تقبلني، لأنه تحصيل حاصل، وهذا يسمو على الفعل الجنسي هنا، اذ يمكن ان تتم الممارسة الجنسية منفردة بأخيلة العادة السرية، أما التقبيل ، فهو أقدس من أن يسقط في لثم ألأكف، ولابد له من آخر يسقط عليه.

قبلات الأم لأبنائها اعلان حب بلا مقدمات ولا كلمات

قبلة نطبعها على جبين وأكف أمهاتنا، فيها من البكاء أكثر من الوقوف على قبور أحبتنا، وننسى خلالها كل التغضن والتجعد والزرقة التي تعم خطوط ظاهر كفوف الأمهات ونحن نغمرها بقبلات أرواحنا. 

أخصّ أنواع القبل هي قبلة تتعانق فيها شفتان، وهي ليست بالضرورة قبلة مرتبطة باللذة الجسدية، فللروح لذة، ودعني أسألك، كيف تغالب رغبتك في تقبيل فم الطفل الجميل الذي يلهو في مهده، أو في حجر أمه، أو فوق سجادة غرفة الاستقبال لدى بيت تزوره؟

هذا الفم الذي لم ينشف الحليب فيه والغارق برضاب الطفولة البريئة النظيفة يغري كل الناس بالتقبيل، ومن لا يجد في نفسه تلك الرغبة فعليه أن يسأل بحماس عن سبب هذا الغياب الجائر!

قبلة من شفة طفل، لذيذة كثمرة سقطت توا من الفردوس الى الأرض، وهي لذة تخلو من لذة الجسد، ألا يليق بها أن تلقّب بلذة الروح إذا؟ لكنّ هذه اللذة المطلقة تنغصها نصيحة طبيبة نفسانية متخصصة بالأطفال تدعى شارلوته ريتسنيك قبل عامين من خلال صحيفة ديلي ميل البريطانية وحذرت فيها من تقبيل الأهل لشفاه أطفالهم، مهما كانت أعمارهم. سبب التحريم النفساني هو” حين يبدأ المرء بتقبيل بنيه على شفاههم، لا يدري متى يجب عليه أن يتوقف عن ذلك؟ فحين يبلغ الطفل أو الطفلة الخامسة أو السادسة من العمر، قد تكون قبلة الشفاه سببا لهياج مشاعره الجنسية”. ونتيجة لتلك النصيحة كما يبدو، انهمكت صحف ووسائل إعلام دولية وعربية كثيرة في التحذير من مخاطر تقبيل الأطفال في أفواههم.

وقد طور الفرنسيون مطلع القرن العشرين قبلة خاصة بين الشفاه، باتت تعرف ب”القبلة الفرنسية”، وعندهم تعرف ب” قبلة اللسان”، وخلاصتها أن يدسّ كلُّ طرف لسانه بفي الآخر، ويمص لعابه، فيما يعرف ب”رضاب القبلة”. وقد ابتدع الفرنسيون ذلك ضمن ثورة الفن والجنس والخروج عن المألوف التي شاعت في فرنسا منذ مطلع القرن العشرين، وقنونتها الفلسفة الوجودية فيما بعد. وزحفت القبلة الفرنسية من باريس الى كل العالم لتصبح إعلان التقبيل الجنسي الأكثر افصاحا عبر العالم. والمحطة الأغرب التي كشفت عنها القبلة الفرنسية أنّ الفم هو منطقة التوتر الجنسي الأشد في الجسد البشري، واستدل علماء السكسولوجي على التماس الحيواني الفموي المتلازم بالمواقعة الجنسية، ودرسوه في حلقات موسعة، وتأملوا أثره فوصلوا الى تلك النتيجة.  

وشاعت في فترات متباعدة من القرن العشرين، دعوات مفادها أن التقبيل فماً لفمٍ سبب لانتقال أمراضٍ خطيرة، أهمها الأمراض الجنسية ومنها نقص المناعة المكتسبة، إلا أنّ نشرة المجتمع الدولي لعلاج الايدز التابع لمنظمة الصحة العالمية أكدت أنّ التلامس الفموي ليس سببا لعدوى الايدز، ما لم يكن فم أحد الطرفين فيه جرح، مجتمعا مع اصابته بفايروس سيدا.

وفي قبلة الفم المفعمة بالعطر والرضاب على مخمل الشفاه الانثوية الحمراء أنشد نزار قباني:

لما تصالب ثغرانا بدافئة …   لمحت في شفتيها طيف مقبرتي

تروي الحكايات أنّ الثغر معصية …   حمراء، إنك قد حببت معصيتي

فهو يتحدث عن سياحة ثغر فوق ثغر، وفي هذه السياحة محطات للأسئلة:

بين الرجل والمرأة كل القبل هي مقدمات لقبلة الشفاه

*أين نضع التقبيل في تجارة الجنس؟ أعني في المواخير، حيث يدفع الرجال أموالا لصناعة لقاء جنسي، فأين تكون القبلات هنا، هل هي لغة الروح أم أنها اسوة باللقاء برمته، صناعة؟

*أين نضع هذه الأبيات التي كتبت على عمود جسر أقفال الحب القديم في مدينة كولونيا بألمانيا، وكولونيا تعد عاصمة المثليين في العالم:

“شفتي تدنو الى شفتك،

بحثا عن العشق،

بأمل أن تكون هذه القبلة

بطول كل عمري”

ولا يستشف القارئ لمن تشتاق تلك الشفاه، هل هي أنثى تتشهى أنثى أم رجل يتشهى رجلا، أم رجل يشتاق لقبلة انثى؟

وفي مثل ذلك أنشد جلال الدين الرومي في غزله:

“في الطيف لاح لي زورق
كنتَ في قلب الزورق

وكنتُ أنا البحر

فاض اليمُّ الى الزورق،

فوجدت

فيكَ في فمي يغرق،  

وعيني بعينك تعلق”.

كيف نصنف القبلات بين الاطفال

يقرأ المتصوفة هذا، غزلا ربانيا يتعلق بعشق المخلوق بالخالق، الا أنّ المتخصصين في الأدب الحديث يقرأون في هذا غزلا بحبيب مولانا الرومي وهو بلا شك شمس الدين التبريزي الذي خلب لبه، فالقبلة هنا، لغة بين شفتي الدرويش المتصوف وتلميذه، وبحسب المستشرقة آنا ماري شيمل فقد تحوَّل جلال الرومي الدين إلى شاعر بفضل مُعَلِّمه الروحي شمس الدين التبريزي حصرا، لدرجة أنَّها قالت” يجب علينا اليوم أن نتحدَّث عن جلال الدين الرومي آخر، لو أنَّ الاثنين لم يلتقيا ببعضهما قطّ” وهذا يعززه أنّ الفارسية التي كتب الرومي أغلب شعره بها، تخلو من التأنيث والتذكير، فلا يعرف المرء من يخاطب الشاعر.

مع عصر السرعة والعولمة والاتصالات ظهرت قبلة بلا تلامس، وهي قبلة قديمة، ربما بقدم الحضارة البشرية، حيث كان الناس يقبلون اكفهم ويضعونها على جباههم لإظهار الاحترام لملوكهم وامرائهم، بل حتى لشيوخ قبائلهم أحيانا. لكنّ الأمر تطور الى قُبل هوائية ترسلها الأمهات لبنيهن عبر زجاجة السيارة وهم ينزلون الى مدارسهم كل صباح، وقبل تعانق سماعة الهاتف المحمول لتصل الى الحبيب الذي يبعد عن صاحب القبلة 10 الاف كيلومتر !

وقبل تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تصبح من رموزه قريبا، وقبل لا يصل الباحث عنها إلا صوتها عبر غوغل ومحطاته الصوتية وأشهرها يوتيوب.

ختاما، نذكّر بسؤال لم يجب عنه أحد حتى الآن، لماذا تُغلق الأحياء أعينها حين التقبيل، ويحدث هذا حين يقبّل الناس حيواناتهم الأليفة، بل وحتى حين تقبّل الحيوانات بعضها؟

ملهم الملائكة

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.