تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

غيرة العاشقين في تفاوت الثقافات!

مارس 13, 2021 | 0 تعليقات

لو توقف الرجال والنساء عن ممارسة الغيرة على بعضهم، لتلاشى معنى الحب، فالحب مقرون بالغيرة، ورغم اعتراض الرجال والنساء وتذمرهم من الغيرة، فإنها تبقى مرغوبة مطلوبة محببة للنفس.

عبارات من نوع: “هو يغار عليّ لشدة الحب”، “هو يمنعني من الخروج لشدة غيرته عليّ”، “هو يجبرني على الحجاب لشدة غيرته (حبه) علي”، وعبارات أخرى أشد عمقا: “هي تراقب تصرفاتي لأنها تغار عليّ، هذا يعني أنها تعشقني”، “هي تغار عليّ حتى من أختي”! كلها أمست جزءاً من معجم العلاقة بين الرجل والمرأة، حباً وعشقاً وزواجاً، وهي تبرر في العادة كثيرا من المفاهيم تحت عنوان” الغيرة سببها الحب”.

وهناك خلط كبير في مفهوم الغيرة، وتداخلٌ عجيب وتباعد لحد الافتراق بين الثقافات والحضارات حول موضوعها، فالمفهوم يتداخل مع الحسد، وعند الغربيين وشعوب أخرى، لم يعد للغيرة بمفهومها الشرقي (غيرة الرجل على أيّ امرأة تخصه) أي وجود، وما عادت تتحكم في العلاقات بين الجنسين.

الغيرة الشرقية التي تحكم علاقات الرجال بالنساء في عالمنا هي عادة، الغيرة المختلِطة بالرابطة الجنسية وتقارب غريزة الحيوانات في تنافس الذكور على الأنثى وبالعكس بشكل أقل، وهو مفهوم بدائي في تاريخ البشرية ويقود غالبا الى جرائم  يرتكبها الذكور بحق الإناث بما يعرف علميا باللغة اللاتينية ب uxoricide مقابل الجرائم التي ترتكبها الإناث بحق الذكور المرتبطين بهنّ بعلاقات جنسية والتي تعرف ب marticide والتي تنخفض نسبتها بمقدار كبير بالنسبة لجرائم الغيرة الذكرية.

الغيرة جزء من سلطة الرجل على منطقته الجنسية

الغيرة الذكرية توجهٌ ينزع للدفاع عن الثقة الأبوية بالسلطة والهيمنة وقد نمت غالبا عبر تجارب الإنتخاب الطبيعي التي مرت بها الأحياء عبر ملايين السنين، وأصل تلك الغريزة خوف الذكور من اختلاط الأرحام وتداخل المياه وسيلان الأنساب، بما يجعل ذرية من غير أصلابهم تنمو وتترعرع في أكنافهم، وهو ما يعد حيفا اقتصاديا بالدرجة الأولى بحقهم، فالمرء لا يريد أن يكتشف بعد أن آل بنوه وبناته الى سن البلوغ أنّ الأوسط منهم – على سبيل المثال- ليس ابنه، وتنشر الصحف الغربية مفاجأة كبيرة لرجال اكتشفوا بعد 30 سنة زواج، أنّ ابناءهم لم يتحدروا من أصلابهم.

أغلب العاشقين يريدون امتلاك المعشوق

ولذا، حين يقترب رجل ما من امرأة تسير برفقة رجل في شارع عام أو حتى ينظر اليها نظرة رغبة، تتحفز لدى الأخير غريزة الغيرة الدفينة في عمق وعيه، وينظر الى المقارب على أنه عدو محتمل قد ينتهك حرمة منطقة نفوذه الجنسي ( حتى حين تكوت المرأة المرافقة ، أخته أو أمه أو بنت عمه أو قريبته). وتطور الأمر الى النخوة العربية، وهي غيرة الرجل على كل امرأة تسير معه في الشارع أو ترافقه الى مكان عام، وهكذا فأنّ الموظف أو طالب الجامعة الذي يسير مع زميلته في الشارع، يعتبر نفسه مسؤول اخلاقيا عن حمايتها من التحرش ومن مقاربات الذكور الآخرين، حتى اذا لم تطلب من الرجل الذي يرافقها حماية، واذا رغبت هي في مغازلة أحد الرجال فسوف يعتبر الأمر إهانة جارحة لكرامة رجولته. الحيوانات تؤشر مناطق نفوذها الجنسي (الغيرة ) بالبول عادة.

متلازمة عطيل القاتلة !

وبسبب تداخل المفاهيم في وعي الذكر نفسه، واختلاط الحقائق بالخيال بالهوس والوهم، تتحول الغيرة الحميدة الى غيرة مرضية تعرف طبياً بمتلازمة عطيل، وبالإنكليزية Morbid jealousy، وهو نوع من الاضطراب النفسي الناجم عن شكوك الزوج (غالبا) أو الحبيب أحيانا بسلوك شريكته في الحياة، ما يولّد لديه هاجساً مقيما يدفعه لمراقبة المرأة التي يحب وحساب حركاتها وسكناتها، والتضييق عليها، متسرعا دائما في الحكم على أفعالها، ومبررا ذلك برغبتها في ذكرٍ آخر غيره، ما يدفعه في النهاية الى ارتكاب عملٍ عنيف بحقها أو بحق من يظنه شريكها، ومن هنا جاء وصف الحالة ب” متلازمة عطيل”.

وفي التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك، قد يكون أقربها وأشهرها قيام بطل سباقات بارا اولمبيك أوسكار بستوريوس منتصف عام 2013 بقتل صديقته ريفا البالغة من العمر 29 عاما عمدا بسبب غيرته عليها، وشكوكه المفرطة في أنّها تخونه مع رجال آخرين، وقد وصف فعله للمحكمة باكيا” لقد قتلت ريفا، عليّ أن أقضي حياتي مع هذه الحقيقة، بوسعي أن أشم رائحة دمها، وأحس بدفئه على كفي ” كما نقلت عنه صحيفة ديل ميل البريطانية بعد نقله من السجن الى الإقامة الجبرية في منزله.

كما تحوم شكوك كثيرة حول مقتل الأميرة ديانا زوجة ولي العهد البريطاني الأمير تشارلس الأولى بسبب علاقتها بعد طلاقها مع  جرّاح القلب البريطاني- الباكستاني الشهير حسنت خان، وعلاقتها بالثري العربي دودي (عماد) الفايد الذي قُتل معها في حادث السيارة الغامض سنة 1997 ، ويعتقد كثيرون حتى اليوم أنّ مقتلها مدبر وقد يكون ناتجا عن الغيرة.

المثال الشهير الآخر هو المبارزة التي قُتل فيها الشاعر الروسي بوشكين، بسبب شكوكه في وجود علاقة بين جورج دانتس الضابط الفرنسي المعادي للثورة الفرنسية الذي انضم الى حرس القيصر وبين زوجته الجميلة ناتاليا نيكولايفنا. واتخذت الجريمة بعداً سياسيا حين أمر القيصر الروسي باستبعاد الضابط الفرنسي المعارض من حرسه الخاص بسبب الفضيحة التي ترتبت على المبارزة القاتلة.

لكنّ هذا النوع من الغيرة المفرطة، يُفسر دائما بأنّه ناجم عن ضعف ثقة الرجل في نفسه، وخشيته من منافسة ذكور آخرين على انثاه.

حين يحضر العشق ترافقه الغيرة على المعشوق

المرأة تروم غيرة الرجل وتعدها عنوان حبه

أما النساء، فأغلب الشرقيات وقسم من الغربيات، يفضلن أن يكون شركاؤهن غيورين عليهنّ، ولكنهنّ يردن طبعا أن تبقى تلك الغيرة ضمن حدود المعقول ولا تكون سببا لتدمير حياتهن.  

والمرأة الشرقية حين لا تلمس غيرة الزوج عليها، تراودها مشاعر بأنه لا يحبها، وتشعر أنّ علاقتهما تسير الى النهاية، وهذا ما يحدث غالبا في مثل تلك الحالات. وفي هذا الاتجاه، يحب الرجل الشرقي أن يرى زوجته شديدة الغيرة عليه، ويتعمد أن يثير غيرتها، بإشاراته وغمزاته الى نسوة أخريات – حتى من باب المزاح أحيانا.

ويمضي بعض الرجال الى أبعد من ذلك، فيتعمدون مغازلة نسوة أخريات بحضور زوجاتهن ليثيروا غيرتهن، أو أنّهم “يبصبصون” الى الأخريات بما يعرف في العالم العربي “بعين الرجل زايغة”. هذه المشاعر بهذه الطريقة تتخذ غالبا طابعا مرضيا، ويُفسر إكلينيكيا بانّه شعور بالنقص من جانب الرجل. والى ذلك كتبت ليزا ميرلو بووث المتخصصة في علم الاجتماع في موقع ” ستريت 4 ومين” المتصل بعالم المرأة “حين تظهر على الرجل، أو المرأة، رغبة مستمرة في الغزل مع غير شركائهم، أو البصبة، فهي مؤشر أنّهم غير آهلين للثقة، ويسعون الى لفت انتباه الآخرين بشكلٍ مرضي، وهو ما يولد في دواخلهم حاجة مستمرة للحصول على اشارات التشجيع والثقة من الجنس الآخر بما يدعم ثقتهم بأنفسهم. هذا الشعور يولد احساسا مدمراً بالإقصاء لدى شركائهم، وينمي في دواخلهم شعورا بالتضاؤل والصغر قد يكون حلُّه الوحيد إنهاء العلاقة مع الشريك الى أبد، وإلا قد يصل الوضع الى نتائج مأساوية مقرونة بالعنف”.

الحقيقة المرّة هنا، أنّ هذا أسلوب يتبعه الرجل الشرقي والغربي ليُشعر زوجته أنّه مرغوب مطلوب، وأنّ حياتها معه معرضة لمنافسة شديدة، ومن الأفضل لها أن تبذل قصارى جهدها للمحافظة عليه، وإلا خطفنه منها أناث أخريات. القوانين والتشريعات الغربية تحد كثيراً من هذه الممارسة الذكورية التعسفية، لكنّ القوانين وتقاليد المجتمعات الشرقية تدعم توجه الذكور غالبا، ما يجعل حياة ملايين النسوة جحيما مستمراً.

العشق والغيرة صنوان
يعشق الانسان فتحاصره الغيرة

الغيرة دافعها الهيمنة والتملك، و”المرأة بعد الأربعين تبحث عن الحماية”

الشعور هنا ليس عاطفيا بالمرة، بل تملّكياً، وهو قائم على رغبة الرجل في بسط سلطته على النساء في محيطه بقصد الغاء شخصياتهن و جعلهن أقمار تدور في فلكه (حتى أن لم يكن زوجات له)، ويمكن أن يفسر كلُّ هذا رغبة كثير من الرجال بتعدد الزوجات، لكنّ عجزهم عن الإيفاء بالتزامات الزواج المالية يمنعهم عن تحقيق تلك الرغبة. وقد توسّع في هذا الوصف مقال كتبه البروفسور رونالد ريغيو و ظهر في موقع “سايكولوجي تودي” عام 2012 مبيّنا أنّ رغبة الذكور في الهيمنة متصلة حتى بطريقة نظرهم باتجاه  النساء، فالرجل ينظر في عين المرأة ، فيما تفضل أغلب النساء أن ينظرن اليه حين يكون مشغولا بالنظر الى جانب آخر.

وفسّر خبير علم النفس النمساوي فريتز دشتر ذلك برغبة من عصر الاقطاع في لا وعي الرجل، ثم عاد ليقول إنّ “المرأة بعد الأربعين تبحث عن الحماية، وترضى أن تكون بشكل ما مملوكة للرجل ليوفر لها حياة هانئة بعد أن يكون الشباب والجمال والنجاح المهني قد بدأ يغادرها”.

هذا التملك بحد ذاته مبني على الغيرة، وها نحن نعود الى حيث بدأنا، هل الغيرةُ علامةُ حب، أم عنوان تملّكٍ والغاءٍ للحرية؟

ملهم الملائكة

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

الحدود السيّارة – جليد إيطاليا والنمسا وسويسرا*

الحدود السيّارة – جليد إيطاليا والنمسا وسويسرا*

لقرون عدة، كان الجليد بضاعة إستراتيجية. وليس من السهل نسيان النقل والحصاد الذي اعتمد على الجليد لقرون متطاولة لدعم الصناعة الدولية، وكان واسطة مغرية لمجهزين ومصدرين عدة، في طليعتهم أوروبيا النرويج. كما لعب الجليد المخزون دوراً حاسماً في تأمين مصادر المياه وحفظ الطعام...

قراءة المزيد
أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.