تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

علمنا الموروث الغامض

سبتمبر 18, 2022 | 0 تعليقات

ليس بوسعي تخيل بقاء علم الثورة العربية على وضعه في العراق رغم أن دخول البرلمان وتخريبه بات ظاهرة عراقية يومية، تتكرر في مناسبة ودون مناسبة، واذا كان أتباع الصدر يستفيدون من نافورات البرلمان للاستحمام، فإنّ ساسة التيار وقياداته سيحولون هذه الصولات إلى انتصارات سياسية، يغنمون من خلالها مواقف سياسية تضيف لرصيدهم عند سيدهم، ثم تضيف لأرصدتهم المصرفية خرافية الأرقام.

علم العراق مثل مكوناته حائر منذ قيام الدولة العراقية، التي استوردوا لها شريفاً حجازياً عام 1921 لأنّ العراق خلا من “شريف” يمكن أن يحكمه، ومعه جاء علم المملكة الهاشمية (في العراق والأردن) فجاءوا له بألوان الأسود والأخضر والأحمر والأبيض، وبنجمتين ثمانيتين، ليختلف عن علم المملكة الأردنية بنجمته الثمانية الوحيدة.

قد يتساءل البعض لماذا اختاروا تلك الألوان، وهل هي تمثل مكونات المملكة الهاشمية العراقية؟ وهي تساؤلات مشروعة، لكنّ الإجابة قد تكون صادمة، فقد عاش في بغداد بعد عصر المغول (وهي بداية الفترة المظلمة في تاريخ العراق) تاجر وشاعر مدّاح وعالم لغة اسمه صفي الدين الحلي الطائي، عرف عنه الكتابة بالعامية والفصحى، وتكسّب بمديح الأمراء والسلاطين، وقد رحل من بغداد إلى القاهرة، فمدح السلطان الأيوبي الملك الناصر. هذا الشاعر المعروف بتشيعه (قبل العصر الصفوي وقبل أن يختلط التشيع بالصفويين الفرس) نظم أبياتاً في الفخر والحماسة في عصر ليس فيه ما يدعو العرب للفخر والحماسة بعد هزيمتهم المذلة أمام المغول وبعد انهيار الدولة العباسية المخزي. واشتهرت الأبيات بين الناس لتسد حاجة نقص نفساني يجتاح الروح العربية المتداعية بسبب الهزائم، وباتت فيما بعد رمزاً يتداوله القوميون العرب حتى أيامنا هذه:

سلي الرماح الـعوالي عن معالينا

واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا

بيــض صنائعنا سود وقـائعـنا

خضر مرابعنا حمر مواضينا  

وجاءت تشكيلة الألوان الرباعية (الأبيض والأسود والأخضر والأحمر) لأعلام العالم العربي بعد انهيار الدولة العثمانية مستوحاة من هذه الأبيات لتمسي قانوناً عرفياً غير مكتوب تتناقله الأجيال بجهل مطبق.

صدام حسين، بكل “نخوة النشامى” التي تتعلق بكتفه المزدحم بنجوم خدمة عسكرية لم يؤد يوماً واحداً منها، حافظ على العلم الموروث، وأضاف له عشية غزو الكويت، بخط يده عبارة (الله أكبر) في محاولة لإضفاء صفة إسلامية على غزوه البدوي لإمارة الكويت، وليفتح بوابة محتملة لتوغل المشروع الاسلامي الذي كان يتشكل في المنطقة بتأثير الجمهورية الإسلامية في إيران وبتأثير مشاريع الأخونة التي أعدت في مصانع أوروبية وآسيوية معروفة.

إدارة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر عام 2003، تعاملت مع الموضوع ببرود وحيادية أي غريب يتعامل مع موروثً تجذّر في وعي المجتمع الذي ورده دخيلاً، فأعلنت مسابقة تصميم علم العراق، وقُدمت عدة نماذج، فاز منها –لا نعرف كيف- نموذج الفنان رفعت الجادرجي، لكنّ القوميين وعناصر مخابرات صدام حسين التي ما برحت تحرك بأصابع خفية مراكز القرار في العراق المضطرب، أعلنوا أنّ العلم مستوحى من إسرائيل، ولا يقبلوه، وحركوا الشارع ضد النخبة الحاكمة، في حين كان السبب الحقيقي وراء ذلك، أنّ العلم المقترح، تخطى التشكيلة اللونية اللصيقة بتاريخ العالم العربي الحديث، واقترح الأبيض والأزرق السماوي بدلاً عنها.

لكنّ المتأمل لعراق ما بعد زلزال 9 نيسان 2003، سيحار في تفسير سبب إصرار النخبة السياسية على الحفاظ على هذا العلم، بتشكيلته اللونية التي يصل عمرها إلى 700 عام، رغم عداء الأحزاب الشيعية والسنية التي شكلت العمود الفقري لسلطة العراق الجديد للتيار القومي واصرارها على محو رموزه.

التحدي الأكبر جاء في النجوم الخضراء الخماسية الثلاث التي مثّلت أهداف حزب البعث (الوحدة، الحرية، الاشتراكية) – والتي فرضها ميشيل عفلق وفؤاد الركابي في مطلع ستينات القرن العشرين، مستندين إلى رواية تاريخية تقول إنّ النجمة الثمانية رمز يهودي-وفي عبارة (الله أكبر) التي خطها صدام حسين أمام عدسات الكاميرات على علم العراق. فتفتق ذهنهم عن حل توفيقي (توافقي بلغة ساسة العراق)، فقد رفعوا النجوم الخضراء الثلاث نهائيا من العلم، واعادوا كتابة عبارة الله أكبر بالخط الكوفي الحديث باللون الأخضر، وبذلك لم يغادروا تشكيلة ألوان صفي الدين الحلي التاريخية، ولم يعد بوسع أحد القول بأنهم شعوبيون يعادون العروبة، ولن يقال عنهم، أنهم نخبة أحزاب اسلامية، رفعت عبارة” الله أكبر” المقدسة من راية العراق.

لكنّ السبب الحقيقي، غير المعلن، لحفاظهم على تشكيلة الألوان القومية التي لوّنت أغلب رايات العالم العربي هو أنّ صفي الدين الحلي، كان شيعيا، وروّج للتشيع باستراتيجية خارجة عن النهج الصفوي الذي وسم التشيع بعد القرن الخامس عشر ميلادي فنسيت ذاكرة الناس أنّ التشيع عراقي مهده الكوفة. وهكذا، ارتأى بعض ذوي الرأي في النخبة السياسية الحاكمة بعد 2003، الإبقاء على تشكيلة ألوان صفي الدين الحلي في علم العراق، لتكون تخليدا لرمز تشيّع عربي يكشف بوضوح أنّ تاريخ التشيع مهده بلاد الرافدين وليس بلاد فارس.

المدافعون عما روج له البعث بأنه “علم الثورة العربية” ابتكروا قصة من تاريخ الخلافات الاسلامية، فزعموا أنّ الراية السوداء كانت راية الرسول وبعده الخلفاء الراشدين، ثم حلت بعدها الراية البيضاء الأموية، وبعدها الخضراء العباسية، فيما اتخذت ممالك شمال أفريقيا والأندلس من الأحمر لونا لرايتها. وكل ذلك مجرد حدس وادعاء، فما كانت دول الاسلام لتكترث لهذه التفاصيل سياسيا، بل مثلت الرايات والبيارق والألوية في الغالب قيما عسكرية وبهذا الخصوص كتب “ابن خلدون” “وما تكثير الرايات وتلوينها، وإطالتها فالقصد به التهويل، لا أكثر، وبما يحدث في النفوس من التهويل زيادة في الإقدام، وتحريك أحوال النفوس، ثم إن الملوك والدول يختلفون في اتخاذ هذه الشارات فمنهم مكثر ومنهم مقلل بحسب اتساع الدولة وعظمتها، وأما الرايات فإنها شعار الحروب من عهد الخليفة عمر بن الخطاب”.

ولم تعد تتصاعد أيّ أصوات داعية لتغيير العلم، لأنّ جلّها باتت لا تريد مغادرة توليفة صفي الدين الحلي، القومية العربية، الشيعية العربية، وهذا لعمري فشلٌ ما بعده فشل بلغه وعي وضمير أهل المنطقة ونحن نمضي قدماً في الألفية الثالثة. العراقيون مستسلمون تماماً لوهم الفخر العربي القائم على ذبائح معروضة في صينيات أم العراوي ليهنأ بأكلها الملوك والأمراء والاثرياء وليذهب الباقي للقمامة وسط فوضى الاعلام الخفاقة المهزومة!

بون- ألمانيا

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

نهود المرأة للرضيع وليست للرجل!

نهود المرأة للرضيع وليست للرجل!

              في ظل غابة القيود والحدود وحدود التحريم المسرف التي تحفّ بالمرأة والتي صارت تعتبرها برمتها "عورة يجب اخفاءها"، ضاعت الحقائق وتداخلت لدى كثير من العقلاء، حتى صاروا يعدون نهود المرأة جزءاً من...

قراءة المزيد
بحثاً عن وطن بديل

بحثاً عن وطن بديل

                  هذه قصة من قصص الزلزال الذي هزّ العراق بعد غزو الكويت، والذي ما زالت ارتداداته قائمة تهز العراق وجواره حتى اليوم. تفاخر صدام حسين ذات يوم بالقول إنّه سيرحل ويترك لكل عراقي قصة يرويها للأجيال. كان محقاً، فقصص الحزن العراقي بلا نهاية.صوت انفجارات قريبة...

قراءة المزيد
المسدس مشروعٌ عراقي

المسدس مشروعٌ عراقي

حملت في جنبي مسدساً على مدى عشرة أعوام وشاركت في حربين كبريين وانتفاضة آذار في كردستان 1991 لكني لم أقتل أحداً قط...ربما لم أصادف احداً يستحق القتل، أو، ربما أنني لست مجبولاً على أن أصبح قاتلاً! المسدس مسؤولية كبرى، حمله مسؤولية، وأن شهرته ولم تطلق النار مسؤولية، وإذا...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.