تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

عثمان الكردي بن “أبي طالب”!

ديسمبر 11, 2020 | 0 تعليقات

لم يكن عثمان يعرف شيئاً عن التاريخ الذي تغيّر بمرور السنين إلى شيعي مناصر لخلافة علي وسنّي مناصر لخلافة غير وراثية عبر رجال قريش، لكنه وجد نفسه فجأة في خضم دولة ولي الفقيه القائمة على التشيع فقرر أن يكون شيعياً رغم أنه ماركسي.

شرع يبحث عن جذور تاريخية يمكن أن يبني عليها قصته، لاسيما أن أغلب الأنساب كما ثبت له مصنوعة، وسبق له أن لحظ تغيرات الأنساب بتغير الحكومات والأنظمة، وهو ما يثبت أنّ أغلب الأنساب غير صحيحة، وبناء عليه، فبوسعه أن يكون علوياً شيعياً من قبائل الجنوب، وبوسعه أن يصبح دُليمياً سنّياً من قبائل غرب العراق، بل بوسعه الانتساب إلى أفخاذ قبيلة شمر فهي كبيرة ويختلط فيها الشيعة بالسنة، وحتى تخرج منهم فروع هاشمية النسب، رغم حقيقة أنّ أغلبهم من العرب العاربة، ونزر يسير منهم هاجر إلى العراق وسوريا والأردن مع عرب الجزيرة في أزمنة سحيقة. 

ليس ذنبه أن ظروف بلده، انقلبت فجأة من التوجهات العلمانية الشوفينية إلى التحشد الطائفي والعرقي، وبات عليه وهو نصف كردي نصف عربي أن يحتشد مع أحد الفصائل أو الأحزاب وهذا أجبره أن يحاول الوقوف في الوسط لتكون المسافة متساوية من الجميع، لكن كردستان بعد 1991 ذهبت لتصبح نواة دولة، وعراق صدام الغارق في المغامرات الفاشلة، بات يكابر ويتصنع النصر وهو في قعر الهزيمة والشعب يعيش على رواتب لا تتجاوز 4 دولارات في الشهر، أي تحت خط الفقر الأفريقي بمرات، وهكذا قادته محاولات الحياد في عصر الاستقطاب إلى الهجرة في عام 1996 في أوج الانقسام الكردي، وبحكم الجغرافية، كانت هجرته إلى إيران، فكانت بحق “محنة عثمان في إيران” !

كانت المخيمات تطرده بلا هوادة، ففي إيران قلما يظهر طالب لجوء اسمه عثمان! حدث ولا حرج كونه سنّياً وكردياً، وهكذا صار يتنقل من رفض إلى رفض، فأهل مخيمات اللجوء في إيران أغلبهم عائلات نزحت في عام 1995، والعزاب فيها قلة لها جذور قديمة في المخيمات، لذا فأهل المخيمات يرون في أيّ عازب خطراً على عفة أسرهم، أما كون هذا العازب، كردي وسنّي واسمه عثمان وهو علماني الهوى وسيم الشكل فهذه طامة كبرى. وما لم ينتم طالب اللجوء إلى مخيمٍ ما فلن يحصل على بطاقة لجوء، وهذه محنة أخرى لا حل لها، لأنه دون هذه البطاقة سيعد متجاوزاً للحدود بشكل غير قانوني وتطارده السلطات وتلقي القبض عليه، وقد تحاكمه بتهمة التجسس، فهذه التهمة جاهزة وتناسب أي وضع لا ينسجم مع تصورات دولة ولي الفقيه لحقوق الإنسان!

مخيمات اللاجئين العراقيين في إيران فرضت قوانين طائفية على العراقيين (صورة رمزية)

في النهاية، ساعدته الظروف في أن يتصل بسيد جواد الشهرستاني، المقيم في إيران منذ سنوات وصاحب مشروع “مكتبة لكل تجمع عراقي” حيث أسس في مخيمات اللاجئين العراقيين مكتبات لتثقيف الناس خارج مظلة ولي الفقيه. وتسلّم عثمان وظيفة أمين مكتبة في مخيم بمحافظة آراك (استان مركزى) بإيران، براتب قدره 35 دولاراً في الشهر، على أن يقيم في المكتبة إذا لم توفّر له إدارة المخيم بيتاً.

سكنه في مكتبة المخيم وتفرغه للقراءة الإجبارية لعدم قدرته على الحركة في المخيم، الزمه بالقراءة كحلٍ مفيد لهذا الوضع المعقد، وبات يقرأ 10 ساعات في اليوم، في كل العلوم، لاسيما أن المكتبة كانت تضم 5 آلاف كتاب لا علاقة له بالدين والفقه. وتعلم خلال سنة اللغة الفارسية، وأثناء رحلات بحثه في بطون الكتب، عثر على شخصية تناسب وضعه في دولة ولي الفقيه. فقد عرف أن لعلي بن أبي طالب ابناً اسمه عثمان وأمه أم البنين.

ومن كتب غير موثقة نقل عن علي ابن أبي طالب القول في تسميته “عثمان”: “إنما سميته باسم أخي عثمان بن مظعون” .

وبعد بحث كثير قرأ في مكان ما أن العباس بن علي بن أبي طالب قد ولد في الكوفة فترة خلافة والده عليّ سنة 39ه، ويقال إن أخاه العباس كان يعلمه الفروسية والرماية والمبارزة بالسيف.

ولم تنقل الكتب والمصادر التاريخية عنه شيئاً سوى ما حدث في يوم عاشوراء، وتسعى المصادر الشيعية إلى تثبيت ذكره بشكل عشوائي فكتب عنه بحار الأنوار: “يبدو أنّ اسمه ورد في بعض الروايات والأحاديث، كما تشير بعض الروايات الواردة إلى عدم زواجه، وأنه لم ينجب أولاد، ولم يعقب”.

وفي مقتله يشير كتاب إبصار العين في مقتل أصحاب الحسين الصادر في قم وهو كتاب مجهول تاريخ الإصدار “أصابه سهم من خولي بن يزيد الأصبحي وقتله رجلٌ من بني أبان بن حازم وله من العمر 21 سنة، وكان يقاتل وهو يقول:

إني أنا عثمان ذو المفاخر           شيخي علي ذو الفعال الظاهر

وابن عم للنبي الطاهر              أخي حسين خيرة الأخاير

وسيد الكبار والأصاغر             بعد الرسول والوصي الناصر

هذه النبذة التي تفتقر إلى روايات تسندها، باتت سنده الوحيد للدفاع عن وجوده الغامض في دولة ولي الفقيه، واستطاع من خلالها أن يدخل إلى مسجد المخيم، الذي كان يمقته، وبات يختلط باللاجئين وكلهم من قبائل جنوب العراق، محاولاً أن يخترق جدار العزلة المفروض عليه.

بعد عامٍ، حصل عثمان على بيتٍ من المخيم، وأقرّت له الحصة التموينية، وحصل على هوية لاجئ، ذات النقطة، وهي التي تخوله الإقامة في المخيم والعمل والتنقل ضمن دائرة قطرها 60 كيلومترا في مختلف الاتجاهات، أي أنها إقامة محدودة في المخيم. وهكذا بات عثمان بن أبي طالب رهين المخيم كأنه سجين. ومع ذلك كان يتابع ملف لجوئه في طهران أحياناً.

مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في طهران UNHCR “آژانس پناهندگان سازمان ملل در ایران” ، تقع في تجريش المحلة الأنيقة الثرية شمال طهران، ولها مكاتب في أصفهان ومشهد وكرمان وشيراز، وكان عثمان قد أسس معهم اتصالاً، في محاولة لمغادرة البلاد كلاجئ السويد. واكتشف عثمان بعد عامين من المراجعات والرسائل والعرائض والكتب المزعومة أنّ العاملين في المفوضية برمتهم عملاء للمخابرات الإيرانية “إطلاعات”، وتأكد من ذلك من نوع العراقيين الذين حصلوا على لجوء في بلدان أوروبية، فكلهم كانوا من عناصر فيلق بدر، أو من العاملين في قراركاه رمضان التابع إلى لشكر قدس، وهو فرع من المخابرات الإيرانية مختص بتصدير الثورة إلى بلدان العالم.

اسقط التحالف الدولي صدام حسين عام 2003 فعاد اللاجئون العراقيون في إيران وغيرها إلى بلدهم (صورة رمزية)

فالبلدان الأوروبية، ببركة مكاتب المفوضية العليا لللاجئين التابعة للأمم المتحدة في إيران، كانت تمنح اللجوء تحديداً لمن يوالون دولة ولي الفقيه، ويسعون لنشر مبادئها في أوروبا. وكان هذا يتم بشكل سلسٍ عبر مبالغ محددة معروفة يدفعها الميسورون من اللاجئين ممن عملوا في فيلق بدر والمخابرات الإيرانية، وهكذا وبعد سنتين، جرى ابلاغ عثمان (بن أبي طالب) أن تسلسل معاملته يحمل الرقم 2212 بعد 8 ملايين طلب لجوء آخر عبر العالم. وهذا يعني أنّ عليه الانتظار نحو 500 سنة لتصل نوبته في اللجوء السعيد إلى بلدان الكفر المسيحي، كما يصفها ملالي السلطة!

لكنّ عثمان واضب على الحضور كل شهر إلى مقر المفوضية أملاً في أن يعثر على من يتعاطف معه، ويوافق على ذهابه إلى “جنة النصارى الكافرين” كما كان علمدار آملى المكلّف بملف عثمان يصف بلدان أوروبا.  

في 9 نيسان 2003، اسقطت الولايات المتحدة الأمريكية وتحالف دولي يعمل بإمرتها نظام صدام حسين في العراق، وبدأ العراقيون يغادرون إيران عائدين إلى وطنهم بمفارقات مرعبة وبأعداد كبيرة، وتسهيلات مريبة، ووجد عثمان نفسه فجأة مهدداً، فالمخيم على وشك التفكيك، وسيفقد عثمان مورد رزقه، وبطاقة إقامته وبيته إذا أغلق المخيم بعد رحيل القبائل، وهكذا وبعد شهرين، انتقل عثمان ليسكن بشكل مؤقت في بيت صديق عراقي في محلة نيروكاه بمدينة قم، وكان الصديق قد أرسل كل عائلته إلى العراق، ويعمل بجد على بيع مسكنه ومحله في المدينة الضاجة بالحركة، ليلتحق بأهل بيته.

وبات عثمان تحت رحمة القدر بشكل كامل، فمتى يبيع الرجل البيت والمحل، سيكون عليه أن يرحل. والسؤال الذي يشغله إلى أين يذهب؟ هو لا يريد العودة إلى كردستان كي لا يرى أهله وأحبته خيبته خلال 7 سنوات في دولة ولي الفقيه، وهم قد حذروه قبل ذهابه إليها! ويريد التوجه إلى أوروبا، لكن باب الأمم المتحدة موصد بوجه العلمانيين، مفتوح على مصراعيه لأنصار دولة ولي الفقيه!

أخيراً جاءه فرج غير منتظر من سيد حسن، وهو مبلّغ من النجف كان يستعد للعودة إلى العراق وقد أسس علاقات قوية ببلدان غرب أفريقيا، وبات يعرف سفير أحد تلك البلدان، وله دالة عليه، وهكذا عرض على عثمان أن يرحل إلى غرب أفريقيا بحثاً عن لجوء، وحين بحث عثمان عن بلدان غرب أفريقيا وجد أنها تضم:

الرأس الأخضر، بوركينا فاسو، بنين، گامبيا، غانا، غينيا، غينيا بيساو، ليبيريا، نيجر، نيجريا، مالي، موريتانيا، السنغال، سيراليون وأخيراً توگو وهي من بين أفقر بلدان العالم. كل تلك البلدان فقيرة، وما يمكنه الذهاب إليه هو موريتانيا، الدولة التي ما زالت تقوم على نظام الرق، وهي نصف عربية نصف أفريقية، وهذا يساعده على أن يتكيف مع ظروفها، فهو شخصياً خليط من كل شيء.

منذ عام 2011 يعمل عثمان بن أبي طالب (وهكذا بات رسمياً اسمه بموجب بطاقة الهوية الموريتانية التي حصل عيها عام 2008) في محطة تلفاز أهلية، كمخرجٍ ومعدِ برامج، ووضعه تغير بمستوى تغير الأوضاع في البلد الأفريقي العربي التائه.

بون 2020 – عام كورونا

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *