تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

عاشوراء المقدم عباس!

نوفمبر 21, 2021 | 0 تعليقات

في ثنايا القتال في أيام الحرب العراقية الإيرانية مواقف يصعب وصفها بأنها حربية، لكن يمكن القول بأنها كانت تتحدى ثوابت النظام العراقي، وثوابت العداء بين الدولتين. وجاء أول عاشوراء في تاريخ الحرب العراقية الإيرانية بقصة من هذا النوع.

في قرية تبه رش الإيرانية المحتلة من قبل الجيش العراقي والتي تبعد عن الجبهة مسافة 15 كيلومترا استقر المقام بمقر لوائنا المنهك بعد معارك أول الحرب. الفوج الأول من اللواء خرج من إمرة الفرقة منذ أشهر طويلة ويعمل في قاطع الشوش، والفوج الثاني ونصف الفوج الثالث سحبت إلى المحاويل لإعادة التنظيم وتعويض الخسائر(خسر الفوج الثاني 50 بالمائة من موجوده بين قتيل وجريح وأسير، فيما خسرت السريتان الأولى والثانية من الفوج الثالث 70 بالمائة من الموجود، وفقدت 90 بالمائة من مهماتها ومعداتها، وكان بقاء بعض جنودها بأسلحتهم الشخصية أشبه بمعجزة بعد معارك هضبة المهد الشرسة).

الهدف المعلن للقطعات كان لا يزال “السيطرة على مضيق بايطاق”، فيما لم تستطع كل العلميات القتالية والتعزيزات وجحافل المعركة أن تدفع بالقوات مترا واحدا بعمق السفوح الغربية لجبل زرده. وبقيت الفاصلة دون الهدف المعلن 70 كيلومترا من الجبال والقطعات الإيرانية.

مقر اللواء الذي سُحب إلى قرية تبه رش، لم يكن يملك قطعات، لذا ألحق به فوج من لواء 91 مشاة جبلي الاحتياط، وهو فوج لا يملك آليات، ولذلك لا يستطيع الحركة ولا تأمين أرزاق جنوده، ولذا فقد تولت سيارات سرية النقل والتموين الثامنة تأمين ذلك له، و3 سرايا مغاوير من الفرقة الثامنة سحبت لإعادة التشكيل بسبب خسائرها بالأشخاص والمهمات والآليات، وفوج فرسان خفيف من أفواج الأيزيدية، على أن تقوم كل هذه الوحدات بمهام تأمين خطوط امداد القطعات من قره تو، وتأمين حماية الجهد المدني الهندسي الذي باشر بمد طريق عبر فتحة كوميشان وصولاً إلى حوض سربل زهاب.

ذات صباح، استيقظ مقر اللواء على مقتل حسيني بصوت حمزة الصغير تبثه مكبرات صوت التوجيه السياسي بمقر لواء المشاة 23. وكانت مفاجأة صاعقة للجميع، لم تفقها إلا مفاجأة وصول سيارة الأرزاق في الساعة 11 قبل الظهر وهي تحمل قزانات (قدور) الهريسة لجنود مقر اللواء!

كنت ضابط الخفر لذلك اليوم، وكان من ضمن واجباتي الإشراف على توزيع الطعام، وهكذا اعتمرت الخوذة، وخرجت إلى سيارة الأرزاق حيث اصطف جنود مقر اللواء، ومعهم جنود من سرية مغاوير اللواء قدموا بسيارة أمر سريتهم الجريح مع ضباطه الاثنين ليستلموا أرزاقهم من مقر اللواء لأن سريتهم لا تملك آليات! السرية كان يديرها رئيس عرفاء السرية!

طباخ اللواء الموصلّي العريف القصير كنعان ما برح يدرخ الهريسة بالكفكير  النحاسي العملاق وهو يتمتم. سألته ماذا يقول ويتمتم، فأجاب بلغته المتعثرة المضحكة، أن المقدم عباس آمر السرية قد أمره بوضع خروفين في قزاني الهريسة، وهو مع جنوده يعملون منذ الساعة الواحدة ليلاً على تهيئة القدور، ما حرمه من النوم لمدة 24 ساعة!

أول الواقفين بصفوف الجنود كان الجندي “العملاق الجبار” كطّان من حضيرة انضباط اللواء، والذي سمع كلام الطباخ فابتسم وقال مشجعاً: لا عليك عريفي، عملك مأجور، هذا بثواب الحسين الشهيد، وكل من يعمل بثواب الشهيد مأجور، صلوا على محمد وآل محمد! وردد أغلب الواقفين من الجند صلواتهم بصوت عالٍ.

تسلقت ظهر شاحنة الإيفا، فنظرت في القدرين، ثم قلت للطباخ: أين الدهن وأين الدارسين وأين السكّر؟ الهريسة لا تؤكل بدون هذه الأشياء.

قال العريف كنعان مرتبكاً: سيدي أنا لم أر هذه الطبخة في حياتي، وقد عملتها بمساعدة بعض جنود السرية، لكنّ الملازم سعد (الضابط الإداري) لم يجهزنا بما ذكرته من مواد؟

تعالى صوت المقدم عباس فوق أصواتنا وهو يخاطب الجميع: شوف شوف شوف، هل تقول إنّ الملازم سعد مقصر؟ لقد ابلغته منذ اسبوع أن يستلم هذه المواد من المذخر ويسلمها للطباخ، وقد كلمته هاتفياً عصر يوم أمس وأكدت عليه، فقال إنه قد تسلمها، واعطاك إياها، فأين هي المواد؟

فاجأني كلام آمر وحدتي وأنا معلق فوق ظهر الإيفا، فأوعزت إلى الواقفين بالاستعداد وأديت له التحية وموقعي أكثر ارتفاعاً من موقعه جغرافيا، وهو أمر غير محبب عسكرياً.

وما إن رد المقدم التحية وأوعز للجميع بالاستراحة، حتى قفز العريف البدين المضحك كنعان ببدلته الزرقاء الملوثة بالشحم ورائحة الطبيخ من ظهر سيارة الإيفا إلى الأرض، ونزع بيريته وألقى بها أرضاً يائساً وهو ينحب بصوت عالٍ: يابه وحق أمير المؤمنين العباس ابن الحسين اللي هذا يوم عزاءه، لم أستلم من الملازم سعد شيئا، قابل وديته إلى بيتي، بيتي في الموصل، كيف أصل بهذه المواد إلى الموصل!!

وسرت همهمة بين الجنود، تلتها ضحكات متفرقة، وابتسمتُ لما قاله، فيما ضحك المقدم عباس آمر سرية المقر (وهو ضابط نجفي يكنّى بأبي كوثر، وهو ضابط قديم لكنه لم ينل الترفيع لكونه غير بعثي)، فانفجر الجنود يتضاحكون لجهل العريف كنعان وخلطه بين أسماء الأئمة. كل هذا يجري فيما يردد صوت الرادود حمزة الصغير عبر مكبرات الصوت “يا حسين بضمايرنا، أحنا بيك آمنّا” .

وأطلق المقدم عباس عبارته النجفية الشهيرة: جا هسا اشلون؟؟

في هذه اللحظة تعالى صوت آمر اللواء العقيد الركن دحام راضي العسل متسائلا: شنو القضية مقدم عباس؟

أوعز المقدم عباس للجميع بالاستعداد، وفعلت ذلك معهم رغم إني معلق فوق سطح شاحنة الايفا، وأدى المقدم التحية لآمر اللواء نيابة عن الجميع.

استعد آمر اللواء وقال وهو يرد التحية برشاقة: استرح.

فاتخذ الجميع وضع الاستراحة، وتساءل العقيد الركن دحام عما يجري، فروى له المقدم ما جرى وبلهجته نواح من شكوى عزاها من طرف خفي إلى الضباط الإداري الملازم سعد.

أوعز آمر اللواء بتوزيع الهريسة كما هي، على أن يتابع المقدم عباس مصير المواد المفقود، ويكتب كشفاً بما جرى ويقدمه لآمر اللواء.

وهكذا مر يوم عاشوراء الأول في قادسية صدام في شهر آذار/ مارس عام 1981، حسب ذاكرتي الهرمة.

ملهم الملائكة / فصل من كتاب حين مشينا للحرب

                        

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.