تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

طيور النقيب عادل

يناير 22, 2022 | 0 تعليقات

كل شيء في النقيب عادل مختلف عن سياقاته، فهو نقيب مشاة لكنه دائم التفاؤل والابتسام، وضباط المشاة والدروع في الحرب هم الأشد كآبة بسبب خطورة وضعهم، وهو موصلي ولكنه منفتح لروح النكتة بعيدا عن جدية الموصليين وتحفظهم، وبقي الاختلاف عنوانه حتى النهاية.

حين زرت موقع سرية النقيب عادل بمنطقة الكثبان الرملية بقاطع كتيبان / مخفر زيد شرق البصرة، فاجأتني دجاجات وديكة تدرج في نفق المشاة العابر إلى موضع سريته، وكان عليّ أن اتفادى دعسها بحذائي العسكري الغليظ وهي تتقافز أمامي مثيرة ضجة عارمة، وما لبث أن خرج النقيب عادل من موضعه على وجهه ابتسامة عريضة كعادته. وسامته وابتسامته تزين جماله الباهر، فهو نسخة عراقية من نجم السينما المصرية عمر الشريف ولكن بعينين خضراوين، ومد ذراعه بود وهو يقول أهلا بقيادتنا الحكيمة، ضباط مقر اللواء الأبطال، أهلا بك في ربوع السرية الثالثة.

ضحكت وحاولت أن أؤدي له التحية فهو نقيب وأنا ملازم رغم ذلك الوضع المضحك بين سرب الدجاج، إلا أنه سحبني من ذراعي وهو يضحك قائلاً: دعك من العسكريات يا رجل وتذكر أيامنا في الإعدادية! وجذبني من ذراعي ليقبلني على وجنتي مرحباً.

قلت وأنا متردد: أهلا بك يا سيدي العزيز، جئناكم زائرين وفاجأني حقاً كل هذا الدجاج، هل أنا في خط الجبهة المتقدم، أم في منزل ريفي؟

أجاب باسماً: كل شيء بالتساهيل، وإذا صفت النية فكل شيء ممكن! لدينا هنا أكثر من الدجاج. قادني إلى داخل ملجئه المتواضع، المدفون تحت الأرض، على فاصلة قدرها كيلو متر واحد عن خط المواجهة!! ثم أجلسني على كرسي معدني ميداني مقابل سريره، ونادى على مراسله ليأتينا بشيء نشربه وهو يقول: هلا وكثير الهلا بضباط مقر اللواء في ربوع السرية الثالثة، شرفتنا يا عزيزي يا صديق أيام الطفولة!

كنت قد تعرفت أول مرة على النقيب عادل في عام 1971، حيث التحق إلى صفنا الرابع اعدادي قادماً من الموصل إلى بغداد، وصادف أننا نسكن في نفس المنطقة فبتنا نذهب إلى المدرسة ونعود منها غالباً في نفس حافلة نقل الركاب، ما ولّد بيننا صداقة حميمة تجاوزت حدود الزمالة المدرسية العابرة. وبعد الإعدادية فارقته، ولم ألتق به حتى عام 1980 في منطقة راوندوز، شمال اربيل، حيث رأيته وكان ضمن ضباط وحدات لوائنا وهو يشارك في تمرين تعبوي جرى حول مقرنا في حزيران ضمن الاستعدادات غير المعلنة التي كانت تجري كمقدمة لقادسية صدام. وكانت مفاجأة، فهو ملازم أول وانا ملازم مجند، وقال حينها: أنظر إلى الإيام تجمعنا على غير ميعاد، العسكرية فيها أغرب المفاجآت!

وبقينا معا في نفس اللواء، حتى نال ترقيته لرتبة نقيب، وكان ما يلفت النظر، وجود اجماع لدى قيادات اللواء وأمراء الوحدات، أنه لا يصلح لقيادة فوج، لذا ورغم قدمه العسكري، لم يكن يتولى قيادة الفوج وكالة لدى ذهاب آمر الفوج في إجازة، والسبب غالباً اتهامه بعدم الجدية وهوما لا يؤهله لمنصب آمر وحدة، وهذه تهمة خطيرة ستؤثر على حياته المهنية حتى النهاية.

وما لبث أن عاد مراسله الرشيق الأشقر بزجاجتي كولا، وصحن معجنات وضعها أمامي وهو يبتسم! ولفت نظري أنّ شعره الأشقر طويل ومسترسل فوق ياقة بدلته العسكرية خلافاً للقانون، ما يشي بأنّ عمه قد أسرف في تدليله (وصف عمه هو تعبير دارج في الجيش يصف العلاقة بين الضابط ومراسله، فالمراسل لا يصف الضابط الذي فوقه بكلمة آمري بل يقول عنه عمي).

بعد أن تجرعت الكولا والمعجنات، قال عادل مبدياً كرمه الباذخ: هذه معجنات الموصل، تأتي خصيصا لموقعنا هذا على خط النار، تخيل معجنات الحمدانية على خط الحرب مع العدو الفارسي! كل شيء ممكن، لكن على الإنسان أن يصفّي نيته، (عبارة يصفّي نيته تصدر عنه بشكل مستمر لوصف أي شيء في أي مناسبة)!

بعد المجاملات، دخلت مع النقيب عادل في نطاق العمل، فحدثته عن ضرورة أن يشرف بنفسه على أمن الاتصالات ضمن سريته، لاسيما في ساعات المعارك. ضحك عادل الشريف (وهو لقب كنا الصقناه به أيام الاعدادية نظرا للشبه الكبير بينه وبين عمر الشريف) وقال: الحقيقة أنه لا يوجد عندنا مخابرون، نعم يوجد في السرية ملاك لعريف و نائب عريف مخابرة، لكن الملاك شاغر منذ دخلت الجيش، وماذا نعمل مقابل ذلك، نؤهل جنود المشاة لتولي شؤون المخابرة، وكما تعلم، لدينا اتصالات لاسلكية بأجهزة بي آر سي مع فصائلنا الثلاثة (تضم كل سرية مشاة 3 فصائل)، كما نحافظ على اتصالاتنا السلكية معهم، وأقول لك هنا، ينقصنا بطاريات كبيرة لأجهزة الاتصالات، واسلاك مخابرة د 10 تبقى هنا عندي في مقر السرية. وأملي كبير فيك لتأمين هذه النواقص.

سارعت لإجابة طلبه، طالباً منه أن يرسل معي أثناء عودتي إلى مقر اللواء مأموراً يجلب له مع سيارات الأرزاق بكرتي سلك من مقر اللواء (كل بكرة بطول 500 متر)، و100 نضيدة كبيرة للأجهزة اللاسلكية، كما صرفت له شخصيا هاتف ميدان جديد من نوع تاي 87 المحسن الجديد.

اتسعت ابتسامته هو يقول: رداً على هذا الكرم، ستبقى لتناول طعام الغداء معنا، لن يطول الأمر، اذا صفيت النية، سيصل طعام الغداء خلال ساعتين!

ضحكت لوصفه، وأعلنت اعتذاري عن دعوته، نظرا لضرورة أن أزور باقي السرايا المتقدمة المنفتحة على الجبهة للنظر في وضع واحتياجات المخابرة عندهم.

وما لبثت أن اطلقت رشاشة متوسطة قريبة رشقة رصاص، فساد صمت بسيط، وسألته : من أين مصدر الرمي، من قطعاتنا أم من قطعات العدو؟

ضحك وكأنّ الأمر نكتة وهو يردد: هذا رضا علي زاده، كلما ضاقت به الدنيا، ولجت في صدره اللوعة، يفتح نيران رشاشته علينا، ونحن في العادة لا نهتم له إلا إذا ألح في الرمي، فنجيبه بقذيفة هاون أو برشقة رصاص من الرباعية (رشاشة كورية شمالية ثقيلة من عيار 14.5 ملم رباعية الفوهات هي سلاح مقاومة طائرات ومشاغلة أهداف أرضية، يوجد منها في كل فوج 2 إلى 4 رشاشات ضمن أسلحة سرية الاسناد).

رضا علي زاده، جندي إيراني؟ وكيف عرفت اسمه؟

ضحك ماجد بصوت مجلجل وهو يقول: هذه أسماؤهم في العادة يا عزيزي، تقي زاده، علي زاده، رضا علي، ونحن نسمعهم في ساعات الفجر يتحاورون ويتنادون بهذه الأسماء! ثم نادى مراسله قائلا: انتبه إلى الطيور البيض المحجلات، اخشى أنّها طارت فرآها هذا التيس وبدأ يطلق النار!

أطل المراسل الوسيم الرشيق برأسه علينا وهو يجيب مبتسماً: لا سيدي، الطيور موجودة في البرج، ولم أخرجها لتطير بعد، عند الظهر سأدعها تطير.

مفاجأة أخرى من النقيب عادل الشريف! طيور في خط المواجهة، وسارعت أسأله: هل تربي حقا طيور حمام هنا في الساتر الأول؟ إنها معجزة، كيف تطيرونها وأنتم بهذا القرب من العدو؟

ضحك بود ظاهر وهو يقول: كل شيء بالتساهيل، في ساعات الظهر، يتصاعد الغبار، فيحجب الرؤية بيننا وبينهم، وعندها تحين ساعات الحرية للطيور، إنها طيور أصيلة ذوات أصول ونيتها صافية، لذا يعطيها الله بقدر نيتها ! ثم نهض من سريره ووقف منحنياً بسبب سقف الملجأ الواطي، ودعاني لأن أتعرف على طيوره الثمينة، كاشفاً عن برجين كبيرين قائمين عند مدخلي النفق المؤدي إلى ملجئه، وبادر يشرح: ” لدي طويرنيات، وهنداويات يقلبن أثناء الطيران، ولدينا بضعة ازواج من الزرجاويات، وعمانيات، ولدينا طير اسمه الفارسي أبو كركوشه، وعندي زوج واحد منه فحسب، وهو جميل جداً لكنه أقلها نشاطاً، وينحصر نشاطه في ساعات المغرب، وهنا لا نستطيع أن نطلقهن في ساعات المغرب، لأنّ الشمس تكون وراءنا بالضبط وبوسع العدو أن يكتشف موقعنا من خط طيران الحمام، وهكذا فهن في مشكلة حقيقة، اعتقد أن الفارسيات عندنا نياتها ليست صافية!

وماذا ستفعل بشأنها إذا؟ هل تبقى حبيسة البرج؟

لا، أفكر في إرسالها إلى المقر الخلفي للفوج، وأتركها هناك في خلفيات السرية، لكن هذا الحل غير عملي، لأن المتروكين عندنا كلهم من المعاقين، ولا أعرف فيهم واحد نيته صافية ويعشق الحمام ويعتني به…ورطة!؟

انهيت زيارتي لمقر النقيب عادل، وواصلت جولتي على السرايا المتقدمة، لتلبية مطالبها بشؤون المخابرة، وعدت عند الغروب إلى مقر اللواء.

بعد نحو 3 سنوات من هذه الزيارة، قرأت بالصدفة يافطة استشهاد النقيب عادل على جدار بيت أهله قرب بيتي، وحزنت وبكت زوجتي التي كانت معي في ذلك الحين، فالنقيب عادل، كان بسياراته الشيفروليه ماليبو الزرقاء أحد من شاركوا في موكب زفافنا قبل سنتين! يا ترى ما مصير الحمام والدجاج، وما مصير مراسله الأشقر الجميل، وما مصير النوايا الصافية؟ هكذا هي الحرب، تنزع عنا أجمل ذكرياتنا بقسوة دونما اعتذار!

                             

ملهم الملائكة / فصل من كتاب حين مشينا للحرب

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

بحثاً عن وطن بديل

بحثاً عن وطن بديل

                  هذه قصة من قصص الزلزال الذي هزّ العراق بعد غزو الكويت، والذي ما زالت ارتداداته قائمة تهز العراق وجواره حتى اليوم. تفاخر صدام حسين ذات يوم بالقول إنّه سيرحل ويترك لكل عراقي قصة يرويها للأجيال. كان محقاً، فقصص الحزن العراقي بلا نهاية.صوت انفجارات قريبة...

قراءة المزيد
علمنا الموروث الغامض

علمنا الموروث الغامض

ليس بوسعي تخيل بقاء علم الثورة العربية على وضعه في العراق رغم أن دخول البرلمان وتخريبه بات ظاهرة عراقية يومية، تتكرر في مناسبة ودون مناسبة، واذا كان أتباع الصدر يستفيدون من نافورات البرلمان للاستحمام، فإنّ ساسة التيار وقياداته سيحولون هذه الصولات إلى انتصارات سياسية،...

قراءة المزيد
المسدس مشروعٌ عراقي

المسدس مشروعٌ عراقي

حملت في جنبي مسدساً على مدى عشرة أعوام وشاركت في حربين كبريين وانتفاضة آذار في كردستان 1991 لكني لم أقتل أحداً قط...ربما لم أصادف احداً يستحق القتل، أو، ربما أنني لست مجبولاً على أن أصبح قاتلاً! المسدس مسؤولية كبرى، حمله مسؤولية، وأن شهرته ولم تطلق النار مسؤولية، وإذا...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.