تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

طريق شامل البغدادي إلى القمة

يونيو 16, 2022 | 0 تعليقات

أتمّ دراسته المتوسطة في عام 1968 وبعد شهرين وقع انقلاب 17 تموز 1968، وتغيرت مقدّرات العراق، لينشأ شامل البغدادي وأسرته في ظل حكومة البعث بقيم تناسب التغيير.

شقيق شامل الأكبر واسمه عادل دخل الكلية العسكرية في عهد حكومة البعث التي كانت تشجع تلاميذ المدارس على الانخراط في سلك الضباط، وكان الإقبال عليه ضعيفاً إلى درجة أن وفوداً من مديرية التوجيه السياسي كانت تزور المدارس وتشجع التلاميذ بمختلف الطرق على الانتساب إلى الكلية العسكرية. في هذا الوضع، أنجز عادل دورة سريعة وتخرج عام 1971 برتبة ملازم.

شقيق شامل الثاني واسمه كامل، استفاد من مناخ الانفتاح والكسب البعثي السريع، فنجح وهو خريج الفرع الأدبي في أن ينتمي الى المعهد الدبلوماسي، وكلية القانون والسياسة المسائية التي كانت تضم كبار قيادات الدولة البعثية، وتخرج معهم ليشغل وظيفة هامة غامضة في وزارة الخارجية.

هذان الشقيقان مهّدا لشامل مداخل واسعة للحياة العملية، وهكذا فقد انخرط في تنظيمات الاتحاد الوطني مبكراً، وقد اغرته التنظيمات في أن ينتسب إلى دورات مفوضي الشرطة السرية ودورات نواب الضباط الفنية السريعة، حتى أن أخاه عادل، أبلغه بإمكانية انتسابه إلى دورة نواب ضباط الاستخبارات الأولى ما سوف يسرع دخوله إلى المجال العملي وهو في سن صغيرة، إلا أن عشق شامل للقراءة وطموحه لمستقبل غير عادي جعلاه يرفض تلك الفرص، ويواصل الدرس للحصول على شهادة جامعية.

شيء في تكوين ووعي شامل كان يدفعه إلى التفرد في مواقفه، ربما فسره البعض بأنه قبح في شكله، وقد يلمح آخرون إلى أنّه خلل في تكوينه البنيوي، وللحقيقة فإنّ شامل لم يكن جميلاً في عرف كثيرين، فهو قصير القامة لا يتجاوز طوله 160 سنتمترا، وجهه تطغى عليه عينان بالغتا السعة بلون نرجسي، تلتف أهدابهما بشكل فاضح على حاجبين غليظين متصلين، يختصران جبيناً صغيراً يضيق تحت شعر كثيف صلب، أما ما تبقى من الوجه فصغير يكاد يذوي في مساحة العينين والجبهة الضيقة.

كل ما في جسده صغير قصير، مساحة صدره وظهره قصيرتان، كتفاه ليسا عريضين مثل أكتاف الرجال، ساقاه قصيران صغيران، يتناسبان مع طول جذعه، لكنهما لا يضفيان عليه مظاهر رجولة طاغية. وللاستعاضة عن هذا، أطلق شامل شاربين غليظين، غطيا ما تبقى من وجهه الناحل الصغير وأضفيا عليه ملامح رجولية صارخة، وعلى كل حال، فقد كان هذا سائداً بين الرجال في سبعينات القرن العشرين.

كانت الفرص تنساب أمام شامل من مختلف المصادر، فرص عمل، فرص سفر، فرص دراسة، لكنه كان ينتظر فرصة كبرى وعده بها غسان المسؤول الكبير في الحزب ذات ليلة، ولا يعلم بها أحد غيرهما وينتظرها بشوق. إنها فرصة عمل ستخلصه من تهديد قانون الخدمة العسكرية الجديد، وتفتح أمامه آفاق ثراء وجاه ونفوذ كبرى.

في تلك الليلة سهر شامل وغسان في مقر القطاع الطلابي حتى العاشرة، وأغلقاه معاً وغادرا إلى حانة الشاطئ الجميل بالسيارة التويوتا لاند كروزر بلونيها الأبيض والأحمر والتي تحمل رقم” منظمات”، شربا معاً 4 زجاجات جعة، ثم غادرا الكازينو الصيفي الشهير على شاطئ أبي نؤاس إلى شقة يسكنها غسان وقد أجرها له الحزب من الأملاك المجمدة، بإيجار رمزي مضحك، حيث أنّه يدفع 10 دنانير شهرياً (30 دولارا آنذاك)، لشقة تطل على دجلة مقابل المجلس الوطني ويصل إيجارها الحقيقي إلى 120 ديناراً (360 دولارا) في الشهر في وقت كان راتب خريج الجامعة لا يتجاوز 75 دولارا في الشهر! هذه الشقق كانت تؤجر للرفاق الحزبيين لأنها تقابل الضفة التي تستقر فيها الحكومة في كرادة مريم، وبهذه الطريقة تكسب سلطة البعث شيئين، فهي تضمن أن سكان الشقق المقابلة للقصر الجمهوري والمجلس الوطني والمنطقة الرئاسية كلهم من البعثيين وغير مشكوك في ولائهم، وفي نفس الوقت، فهي تضمن أن ولاء هؤلاء سوف يتعاظم بحصولهم على مثل هذه المساكن بذلك الإيجار البخس.

أخذ غسان دوشاً وخرج عارياً إلا من شورت قصير ليجلس في الصالة أمام جهاز التكييف، ويبدأ بتهيئة العشاء الذي اشتراه له ولرفيقه المراهق، فيما بقي شامل يتأمل من خلال الواجهة الزجاجية الفسيحة أضواء دجلة والمجلس الوطني في الضفة الأخرى. وناداه غسان ليذهب إلى الحمام، فدلف وأخذ دوشاً وتعطر، ثم ارتدى شورتاً قصيراً من شورتات مكدسة على رفوف المنيوم على جدار الحمام الأنيق، وجاء يجالس غسان، لينقضّا على العشاء الشهي.

في اليوم التالي، غادر غسان الشقة مبكراً لارتباطه باجتماع حزبي هام، فيما تأخر شامل بالنوم حتى العاشرة، ثم استيقظ وأخذ دوشاً، وتناول إفطاره وغادر إلى مدرسته، ليبدأ يوما من الدرس واللقاءات الحزبية. في تلك الأيام لم يكن يتاح له أن يبيت في بيت أهله إلا لماماً، ولا يزيد ذلك عن ليلة أو ليلتين في الأسبوع، وكانت عادة ليلة الخميس حيث يسافر غسان إلى أهله ويعود ليلة الجمعة أو صبيحة السبت.

شامل يتقدم سريعاً في كل شيء، في ظرف سنة، بات مسؤولاً عن 5 حلقات حزبية من الأنصار والمؤيدين، وهو مازال تلميذاً في الصف الخامس الإعدادي، متفوقاً بسرعة على رفاقه، لكنه في نفس الوقت، كان حريصاً على الدرس والمثابرة قدر ما يتاح له الوقت، مقسّماً أيامه بين الحزب وبين المدرسة وبين المبيت مع غسان في شقته الأنيقة، وكان هذا المبيت يسهل عليه التنقل والوصول إلى المدرسة وأماكن الاجتماعات والقطاع الطلابي. وفي بعض الأيام، كان غسان يبيت في الشعبة الحزبية في شارع النضال للقيام بواجبات الخفارة، فيذهب شامل لوحده ليبيت في الشقة بعد أن أعطاه غسان نسخة من مفاتيحها. ذاكرته اليافعة تلوّنت بأجواء تلك الشقة الجميلة الأنيقة وموقعها الساحر، حتى أنه بدأ ينسى بيته وأهله، أما اخواه عادل وكامل، فلم يعد يلتقيهما سوى بعض أيام الجمع وليس دائماً، إذ كان يمر شهر كامل دون لقائهما أحيانا، الجميع مشغولون ببناء المستقبل المنتظر في أيام التكوين تلك.

اشتدت في تلك الأيام الحملة الأولى لتسفير التابعيات الإيرانية، وكان غسان مكلّفا بإعداد القوائم المطولة وتنظيم الأولويات، ومعه تعاون شامل، مستفيداً من معرفة عتيقة باللغة الفارسية تحدرت إليه من جدته لأمه وقد كانت إيرانية الأصول. الحزب كان يعلم بذلك، وغسان على وجه الخصوص كان هاجس هذه المعلومة يؤرقه، لكنّ صداقته الحميمة جداً مع شامل، وذكاء الأخير وكفاءته واخلاصه لشامل وللحزب، كانت سبباً في تقدم شامل وليست عنصرا يؤخر ارتقاءه الصاروخي إلى القمة.

حلت مهرجانات الشبيبة العالميّة، بالاشتراك مع اتّحاد الطلبة الدوليّ (الشيوعي) الذي أقام حلقات دراسيّة في آسيا وإفريقيّا والعالم العربي والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينيّة وأوروبّا، وكان شعار الاتّحاد طوال هذه السنوات: “نضال الشبيبة ضدّ الإمبرياليّة”، توجت الفعاليات بمهرجان الشبيبة الدولي الذي عقد في برلين (1973) ودُعي الاتحاد الوطني لطلبة العراق والاتحاد العام لشباب العراق للمشاركة فذهبوا بوفد من أطياف الجبهة الوطنية، ضم البعثيين والشيوعيين والكرد، وكان غسان وشامل ضمن الوفد، ومثّل ذلك نقطة تحول في حياة شامل، فقد فتحت الرحلة أمامه آفاقا خرافية، واستطاعت عينه المتيقظة أن تسجل كل تفاصيل التجربة الشيوعية، بايجابياتها واخفاقاتها.

كان شامل قد دخل الجامعة المستنصرية في العام الدراسي الذي سبق رحلة برلين، وتناقص نشاطه الطلابي والحزبي إزاء تزاحم دروسه في اللغة الإنكليزية وآدابها، وهو التخصص الذي أصرّ عليه صديقه ورفيقه غسان، مؤكداً له أن مستقبلاً مشرقاً ينفتح أمامه في الجمع بين النشاط الحزبي والتفوق الأكاديمي، وفعلاً كان شامل متفوقاً على أقرانه.

الشيء الغائب في مسيرة نجاح شامل كان المرأة، فالبنات في المنطقة أو القطاع الطلابي أو الجامعة لا يبدين أي اهتمام به، رغم أنّه كان حريصاً على الأناقة والنظافة والترتيب وتنظيم حياته.

الزميلات في الجامعة والرفيقات في الحزب، كنّ يجاملنه، وكن يظهرن له الود، وصرن بمرور الوقت يأتمنّ نواياه، وربما كان هذا هو سبب عدم تخوفهن من نواياه الذكرية. هو يريدهن إناثاً، وهنّ يتعاملن معه كصديق أمين للإناث، لكن هذه الصداقة تذيب حاجز الخوف الأنثوي الغامض من الذكر والذي يجعل أغلب النسوة ميالات للرجال في هذا الجانب. كانت معادلة صعبة حقاً. فهنّ يروين له تفاصيل علاقاتهن العاطفية مع رجال آخرين، لكنهن لا يتحن له أن يقاربهن كذكر!

وكان يروي لغسان معاناته كما هي مع النسوة، فيسرّه غسان بمعاناته هو أيضا مع النسوة، مؤكداً له أنّ الموضوع ربما يتعلق بالزمن، فلا بد أن يمر زمن على شامل، ليثبت للإناث أن ذكورته جذابة مخيفة مثل ذكورة باقي الرجال. وربما كان هذا ما يحتاجه غسان أيضا، فهو أكبر من شامل بعشر سنوات، لكنّ ميل النساء له كان محدودا لسبب لم يدركه، فهو أنيق المظهر نسبياً متمكن اقتصادياً، ذو نفوذ سياسي، وقوته مؤثرة في حياة الآخرين، لكن لا امرأة في حياته، وعلاقاته بالإناث تقتصر على العاهرات وراقصات الملاهي.

هذه الفجوة مع النسوة، مثلت نقطة سوداء في حياة شامل، واكتشف بمرو الأيام أنّها نقطة سوداء في حياة صديقه الحميم غسان أيضاً. ومن خلال عمليات الجرد الحزبي لبيوت المنطقة، لتصنيف من لهم أقارب مسفرين أو سجناء أو معادين “للحزب والثورة” بمرتبة “مراقَبين”، اكتشف شامل إنعام، الجميلة البيضاء الساحرة ذات التسعة عشر عاماً التي سفّرت السلطات مؤخراً شقيقتها وزوجها وابنيهما إلى إيران بسبب تبعية الزوج، فباتت الأخوات الأخريات وسائر الأشقاء تحت المراقبة، ومن خلال المراقبة تعرف شامل على إنعام شخصياً، واستطاع أن يحظى بموعد للخروج معها، فاكتشف فيها عرجاً خفيفاً بسبب قصر في ساقها اليمنى، وهو أمر شكّل نقطة سوداء في حياتها. وأدرك شامل بذكائه وبمرارة فادحة أنّ هذه العلة والنقص المعيب هما سبب قبول إنعام به!

تطورت علاقتهما، وتحققت بينهما لقاءات عدة، وبات شامل مغرماً بالبنت ذات العيون العسلية، وصارا يتبادلان العناق والقبلات في لقاءاتهما، ثم تطور الأمر إلى أن يرتب لقاءاته معها في شقة غسان، والتقى الأخير بها، وأدرك مدى تعلق صديقه اليافع بهذه البنت، واعتاد أن يغادر الشقة حين يأتي بها شامل، ويفسح لهما خلوة عارمة.

عام 1976 كان منعطفاً حاسماً في حياة شامل، اذ تخرج من الجامعة في نفس العام الذي دخلت فيه إنعام إليها، ورغم تدني معدلها فقد استطاع أن يؤمن لها قبولاً في كلية التربية، وكان قبولاً حزبياً يختص بالبعثيين. ولم يكن قد مضى عليها في التنظيم أكثر من عام، لكنّ جرى قبولها بسبب حاجة الحزب الملحة الى الكوادر النسوية.

في هذا العام أنجز غسان وعده، فوجد لشامل بعد شهر من تخرجه، وقبل أن يساق إلى الجيش وظيفة ممتازة في “مكتب السيد النائب”. الوظيفة كانت في قسم العلاقات الخارجية بالمكتب، وتتصل بتشغيل ومراقبة كوادر الترجمة العاملين في المكاتب المرتبطة بالمكتب الخاص. كان واضحاً أنّ الحزب من خلال صدام حسين يتجه إلى إنشاء “رئاسة المخابرات العامة” لتكون مؤسسة قريبة من أعلى هرم السلطة وتأتمر مباشرة بأوامر النائب. من خلال هذه الوظيفة بات شامل قريباً من القمة.

كان راتبه كبيراً جداً مقارنة برواتب خريجي الجامعات، وخصصت له سيارة فيات 132 من انتاج عام 1975 جديدة لتنقلاته وايفاداته. والأهم من هذا وذاك، اعفاؤه بشكل مطلق من الخدمة العسكرية، بشرط أن تمضي على خدمته في المكتب الخاص 25 سنة. أي أنّه لو أبعد عن المكتب الخاص قبل بلوغ خدمته المدة المنصوص عليها، فإنّ عليه أن يساق إلى العسكرية ليخدم المدة المقررة لأقرانه.

فوق كل هذه الامتيازات، فإنّ وظيفته تحتم عليه مرافقة عشرات الوفود المسافرة الى بلدان غربية واشتراكية، وهذا المرافقة ذات شقين، أحدهما وظيفي والآخر رقابي، في هذه الإيفادات يحصل شامل على مخصصات تصل إلى 120 دولاراً في يوم الإيفاد الواحد، هذا غير اقامته في فنادق الدرجة الممتازة، وتنقلاته مع الوفود بأفخم السيارات.

رويداً رويداً بدأ شامل يتخطى النقطة السوداء في حياته، فعلاقته بإنعام الجميلة اتخذت مساراً جدياً، لاسيما بعد أن التقى بأمها، وشقيقتها الكبرى، ثم دعاهم غسان جميعاً لحفلة في نادي الصيد أحياها مطربون إيرانيون بينهم الجميلة ذات الصوت الأسطوري غوغوش التي جننت العراقيين في تلك الزيارة، ونسرين وستار وغيرهم.

بعد السهرة، أخذ شامل إنعام وأمها وأختها بسيارته إلى بيتهم، فيما ذهب غسان إلى شقته على أن يلحق به شامل بعد أن يوصل ضيوفه.

قرب الساعة الرابعة صباحاً، عاد شامل إلى الشقة، وفوجئ بأنّ غسان، جالساً يشرب بانتظار وصوله، وفي داخله، أسعده هذا الانتظار. أخذ دوشا سريعاً، ونضا عنه ملابسه، وارتدى شورته الأسود الأنيق الذي جاء به مؤخرا من رحلة لليابان، وجاء يجالس غسان، لاسيما أن الغداة هو يوم جمعة ولا عمل لديهما، فيمكنهما النوم ما شاءا.

وشرعا يحتسيان الجعة الهولندية، فيما أبدى غسان اعجابه بإنعام وعائلتها، ثم ما برح أن قال لشامل بصوت عميق فيه كثير من الجدية: “شامل، لا تفكر في الزواج من إنعام! اتخذها صديقة، وأمض معها أياما جميلة، لكن لا تتمادى وتتزوجها!”

استغرب شامل من طلب صديقه الكبير، لكنه خال في نفسه أن غسان يغار منه بسبب انعام، وما لبث أن قال مجيباً وهو يبتسم “يا صديقي الحبيب، لا أرى فيها عيباً، وهي مخلصة، وقد فعلت لأجلها الكثير، كما أنّه لا توجد امرأة أخرى في حياتي”.

ابتسم غسان بإعياء وقال: كل هذا لا يبرر الزواج بها. الطريق أمامك مفتوح يا صديقي، أنت قريب من القمة الآن، ولا أظن أن الدائرة التي تعمل فيها ستوافق على زواجك منها”.

صعق شامل، وبادر يسأله بلهفة: هل تتدخل الدائرة بزواج المنتسبين؟ نحن لسنا ضباطاً، بل موظفين مدنيين!

ضحك غسان، وسارع يدلق في كأس شامل مزيداً من الجعة وقال: أنتم أهم الآن من أي ضابط، وضع في حسابك أنهم لن يسمحوا لك بالزواج منها، أختها مسفّرة يا ولد! أختها مسفّرة…يعني قريبتها من الدرجة الأولى. لا تكن متهوراً أحمقاً. إن ذهبت إنعام، فسوف تحظى بعشرات النسوة خيراً منها. لا تكن مراهقاً!

نظر شامل ببلاهة في وجه صديقه، لقد مضى على علاقته به أكثر من خمس سنوات، ولم يره بهذه الجدية قط، فسارع يجيب بقلق ظاهر: يصير خير يا حبيبي، أنا أسمع نصائحك المفيدة دائماً.

بعد أسبوعين سافر شامل مع وفد من الطاقة الذرية إلى فرنسا، وأمضى في باريس ومدينة ليل مدة أسبوعين متنقلا بكثرة مع الوفد، لاسيما أن معدات مهمة كان يفترض أن يشحنها الوفد على العراق، قد تعرضت إلى النسف في المجمع الذي خزنت فيه، وهذا خلق أزمة أخرت عودة الوفد اسبوعاً كاملاً.

عاد الوفد الى بغداد عبر رحلة مركبة، اضطر أعضاء الوفد خلالها إلى تبديل الطائرة في مطار مالطا، ثم اتجهوا إلى بغداد بطائرة الشرق الأوسط، ليصلوا العاصمة في نحو الساعة الثالثة ظهراً.

بعد إتمام إجراءات الوصول والتفتيش، اشترى شامل زجاجة كونياك “هنيسي” وزجاجة ويسكي “أولد بار”، واشترى زجاجة عطر جوب غالية الثمن وربطة عنق حرير أنيقة وحزاماً من الجلد بماركة شهيرة لصديقه الحبيب غسان من السوق الحرة، وقرر شامل أن يعود بحقائبه المحملة بالنفائس والهدايا إلى الشقة، ليُخلي بعض الحاجات هناك ثم يأخذ سيارته التي تركها في مرآب العمارة ويذهب الى البيت بعدها.

نحو الساعة الخامسة والنصف، فتح شامل باب الشقة بهدوء، وادخل الحقائب فانتبه إلى أصوات تنطلق من غرفة نوم غسان التي كان بابها موارباً غير مغلق. أنصت بهدوء، فتناهت اليه تنهدات شخصين يغرقان في قبلات وعناق في الفراش. تعجب للأصوات، وأدرك أن مع غسان امرأة، وتبسّم لهذا الخاطر، ثم سار في اتجاه يمر من أمام الباب الموارب، عله يلتقط نظرة من المرأة التي يضاجعها غسان. كان النشاط الجنسي لأي منهما موضوعاً غير محظور بينهما، وبوسعهما الخوض فيه بلا حرج. لذا تعجب شامل أن لغسان صديقة لم يحدثه عنها، ثم تدارك الأمر في خواطره ليحسب أن المرأة قد تكون عاهرة جاء بها غسان، وتشوّق شامل أن ينظر إلى ما يفعله صديقه مع النساء، فاقترب من باب الغرفة الموارب، وتطلع من الفتحة فرأى غسان قد نام فوق فتاة صغيرة الجسم تتأوه تحته بتلذذ ظاهر، وخال لوهلة أنّه يعرف تلك التأوهات، ثم نظر فجأة إلى أرضية الغرفة أمام السرير، فلفت نظره حذاء نسوي خاله مألوفاً، ودقق النظر في جسد المرأة العارية وهو لا يرى وجهها، ثم عاد بنظره إلى الحذاء النسوي، فصعقه أن كعبي الحذاء غير متساويين، فالكعب الأيمن أكثر ارتفاعا من الكعب الأيسر…هكذا هي أحذية إنعام التي تستخدمها للتخفيف من عرجها!

صعقه هذا الهاجس، وبقي متسمراً في وقفته، متردداً ماذا سيفعل، وكيف ستكون الخطوة التالية، وكيف سيتأكد أنّ هذا الجسد الذي يتمرغ مع غسان في مخدعه هو جسد حبيبته إنعام!؟ هل هذا ممكن؟ كيف يفكر غسان أن يخونه، ولماذا؟ بعد كل هذه السنين، لماذا يخونه غسان مع أقرب النساء له، مع زوجة المستقبل!؟

وتزاحمت الهواجس في رأسه، وتصدرها تحذير غسان له قبل أسبوعين بعدم الزواج من إنعام، هل لهذا التحذير علاقة بما يجري؟ هل طوّر غسان علاقته بإنعام قبل أن يحذر شامل، أم جرى الأمر بالعكس، ويحذره غسان لأنه يريد أن ينفرد بإنعام؟؟

وقرر شامل أن يتصرف، فتسلل داخلاً إلى الغرفة، واقترب من الجهة اليمنى للسرير، حيث كانت الفتاة تدير وجهها فيما يمرغ غسان وجهه تحت أذنيها وفي رقبتها بسيل من القبلات اللاحسة. هاله أن الفتاة هي إنعام فعلاً، وقد تناثر شعرها البني المائل للشقرة على وسادة الفراش، واقترب من السرير، ولمس ذراعها العارية برفق، فتأوهت دون أن تنتبه، فأعاد مسح ذراعها برفق صاعداً بيده إلى نهدها العاري تحت قبضة غسان، فتنبهت إلى أن يدا غريبة قد امتدت إليها، وفتحت عينيها لترى برعب شامل واقفاً امامها يتأمل لحظتها العاهرة مع أقرب أصدقائه، فسارعت تدفع عنها غسان وهي تهمس في أذنه اسم شامل بسرعة، نهض غسان عارياً وقد امتشق مسدسه الذي كان قد خبأه تحت وسادة السرير، ثم استدار عارياً باتجاه شامل، فتراجع مذعوراً وهو يرى الغضب بادياً على وجه صديقه، وما لبث شامل أن سحل إنعام من ذراعها، والقى بها إلى أرض الغرفة، وسارع يركلها، فنهض الفتاة مرعوبة وهي تصرخ، فسارع غسان يدخل بينهما والمسدس بيده، صارخاً في وجه شامل” اهدأ شامل، اهدأ، عليك أن تهدأ، هذا طبيعي، هل نسيت ما قلته لك، اهدأ وسأشرح لك الأمر لاحقاً”!

لم يهدأ شامل، لكن انعام نهضت من رقدتها على الأرض، وركضت عارية إلى الكنبة لتضع ملابسها حول جسدها فسارع شامل يضربها، واقترب منه غسان ليضربه بفتور بكعب المسدس على كتف يده اليمنى فتراخت قبضته، ثم سارع يضربه مرة أخرى بكعب المسدس على ظهره برفق، عدة ضربات، حتى تسرب الألم إلى كتفي شامل وتراخت قبضته، فسارعت إنعام ترتدي ثيابها على عجل، وقبل أن تغادر بصق عليها وقال لها: اخرجي يا ساقطة، ارجعي إلى الشارع الذي جئت منه، كنت أفكر أن أتزوجك…يالي من أحمق، أنت رخيصة جداً، اخرجي يا ساقطة”.

عانقه غسان العاري والمسدس في يده ليسكن غضبه، ثم أخذ رأسه بين يديه، وضمه إلى صدره، وهو يقول: اهدأ يا شامل، اهدأ وسأشرح لك كل شيء، اهدأ فالأمر ليس مخيفاً كما تظن!”

خرجت انعام وأغلقت الباب خلفها، وبقي الموقف متشنجاً بين الصديقين، ثم فارق غسان صديقه، وسارع يرتدي سروال بيجامته، وعاد ليجلس إلى جنب شامل الحزين المصعوق وقال: حذرتك يا شامل وقلت لك إنها ليست مشروع زواج، وأوضحت لك أن مكتب النائب لن يوافق على زواجك منها، لكنك لم تأخذ كلامي مأخذ الجد. إنّها عابرة سرير يا صديقي، نامت وستنام مع عشرات الرجال، وهي لا تليق بك، ولا يمكن أن تصبح زوجة لك.

بكى شامل بحرقة، وتساقط الدمع مختلطاً بالغضب، ثم قال بصوت يائس: هل فعلت هذا عمداً لتبعدني عنها؟

ابتسم غسان بمرارة وقال: وهل كنت أعرف أنك عائد اليوم من باريس، ومن أين لي أن أعرف توقيت وصولك مباشرة هنا إلى شقتي؟ وكيف أجازف بتحطيم مشاعرك بهذا الشكل؟ لا تعش في أوهامك ودعني أوضح لك ما جرى. بعد سهرتنا في نادي الصيد، اتصلت بي إنعام وطلبت مني أن أجد وظيفة لأخيها سمير، وظيفة تخلصه من العسكرية وهو ما زال طالباً راسباً في المرحلة المتوسطة، فتوسطت له وعينته سائقاً في مكتب وزير الصناعة، ليكون قريباً من طه الجزراوي وقد يعفيه هذا من الخدمة العسكرية، بعد هذا، وحين كنت مسافراً التقيت بها مرة في كافيه بغداد، ومرة في مطعم سراب بمنتزه الأوبرا وتطورت العلاقة إلى ما رأيته. يا صديقي الحبيب لو كانت تحبك ما فكرت أن تخونك مع أقرب الناس اليك!

كان شامل ساهماً يبكي وهو يلتقط أنفاسه بشدة، فسارع غسان يملأ له قدحاً من الجعة الهولندية الباردة من الثلاجة، وعاد إليه فعانق رأسه ووضع كأس الجعة على الطاولة، وقال هامساً: يا صديقي دعني أقول لك شيئاً بوضوح، عليك أن تختار بين صداقتنا وبين زواجك من إنعام، لن أسمح لك أن تتزوج بها، وبما أني لا أملك سلطة عليك سوى سلطة الصداقة، لذا ها أنا أقول لك بوضوح، أما هي أو أنا؟ هل أنت مستعد للتضحية بصداقتنا لأجل امرأة ساقطة ستفقد مستقبلك برمته بسببها؟

نظر إليه شامل متحسراً كسيرا وقد تعرّق وجهه غارقاً بالدمع، فنكس غسان رأسه وقال متحسراً: إنّها ليست زوجتك يا حبيبي، بل امرأة عابرة في سريرك، لا تحمّل الموضوع أكثر من حجمه؟ لو كانت فعلاً ستصبح زوجتك، هل تراني أقبل أن أخونك معها؟ لا تخلط الأمور يا صديقي العزيز!

وانتهى ذلك العام بتعيين غسان قنصلاً تجارياً في دولة عربية خليجية، فيما ارتقى شامل في وظيفته، وبات مدير عام في مكتب النائب، واستمرت صداقته مع إنعام بعد أن قبل أن يشاركه فيها صديق عمره. وفي مستقبل بعيد، ستصدق نبوءة غسان وتفترق إنعام عن شامل بيسر وسهولة بالغة، فيما تبقى صداقته الحميمة بغسان عابرة للحدود والأزمنة والأماكن.

*من مجموعة قصص “خرائط العراقيين الغريبة”

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.