تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

طاقة عزمي الصفار الإيجابية

يناير 1, 2023 | 0 تعليقات

عامٌ جديد حلّ في ربوع الرافدين، مناطق البلاد الانيقة احتفلت بالمناسبة التي يشتمها الشيوخ والسادة على المنابر، فيما يذهب أولادهم وبناتهم خلسة أو علناً لحضور حفلاتها. لكن بعيداً عن هذا الفرح بثياب راعيه بابا نويل الملتحي الظريف والمكلل بالقلوب الحمراء، وبعيداً عن الحلم، قريباً من الفوضى، كبر عزمي الصفار على صوت المطارق ورنين الفافون وقرع وجلي الصفر والنحاس والحديد حين يقرع الحديد فتُسمع له رنّة في دكان أبيه الصفار الواقع خلف السدة، بين أطنان السكراب الصدئ! حين لا ترى الظلام فأنت أعمى، وحين لا ترى نوراً ينوس في الظلام فقلبك أعمى، وعزمي لم يكن يعلم أنّ في العالم أشياء لا تحتاج إلى صفر وفافون ورنين، فعالمه مصنوع من الفلزات وما ينتج عنها.

تعلم الرقص حين مارس جلي طشوت الصفر والنحاس في وقت مبكر من حياته في نفس الدكان/ المرقص، كان الاهتزاز يطيب له، وبعد أن أدمن الفر والهز، فهم من الخبراء، ومنهم أبوه، أنّ الرقص هو نفس هز وتدوير الورك اثناء جلي الطشوت، ولكن على إيقاع الطبلة والرق وما شابه، وحين مات أبوه، ترك محل الصفارين بكل ما فيه، وخرج هائماً على وجهه يبحث عن عمل لا يجبره على فرِّ مؤخرته، ثم فهم نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أنّ الرقص هو جزء من الطاقة الإيجابية، وهو ما يؤكده سيد عماد لواتي واستاذ يوسف بنواتي والعلامة علاوي الخالدي حين يصنعون عالم المثقفين التافه المفلس، وهم يتحدثون قرب عربانة اللبلبي آخر الليل بعد أن ينسيهم السكر طريق المطاعم، فيركنوا إلى عربات الفقراء يكترعون غذاءهم منها، ويشاركونهم منافعها ومدافعها التي تعقب الإفطار!

وبما اننا نتعلم من معارف الاخرين، فإنّ للمعارف غالباً ثمن، وقد دفع عزمي الثمن ليشتري به تبغا معسّلاً طعمه موز بنكهة التفاح، ثم أدمن تبغاً طعمه تفاح بنكهة البطيخ، ومن عربات اللاجئين الفلسطينيين التي تبيع الفلافل وحمص بطحينة عرف بوجود كرفس بنكهة الباقلاء، كما عرف من العطارين الباكستانيين والبنغال أن هناك بطنج بنكهة دماء الافاعي النتنة، ثم أدرك أنّ كل هذا هو جزء من مشروع الطاقة الإيجابية الذي تحدث عنه سيد عماد ورفيقته الآنسة تطوان الحلي بسروالها الكاكي الممزق عند الركبة بشكل مغري. وحين أدمن عزمي تلمس الورق الأخضر، عرف أنّ هناك دولارات بنكهة الداطلي، يتعامل بها الناس حين تصرعهم جرعة الكريستال القادمة من الأرجنتين بعد فوزها بكاس العالم!؟

ترك عزمي مهنة أبيه، وفارق إلى أبد أصوات رنين المعادن والمطارق والمقارع والجراميغ، وبات يقف في العصاري بعربة لبيع اللبلبي سوداء أنيقة مرصعة بمسامير مذهبة، وتزينها مقابض أبواب وصناديق عتيقة، كأنها من خزائن الملك سليمان وهي تخفي ماسات إفريقيا فاحشة الأثمان. وعلى العربة يقف معه ديك هراتي صبور جسور، يراقب الزبائن بحرص شديد، وكلما سقطت حمصة من ملعقة أحدهم، قفز الديك “صنقر” والتهمها ليحافظ على وجه العربة الملكية السوداء نظيفاً صقيلاً.

إلى جانب قدر اللبلبي الذي يتسع لأربعين كيلو حمص، رصف عزمي أهلّة من ثمار الليمون مع قشورها، يستطيع أي زبون أن يأخذ منها ما يشاء ليعصره على كاسته، وكل هلال سعره مع ملعقة زيت الزيتون 250 ديناراً، كيف تدنى سعر الأهلة لتصبح قيمتها دنانير زهيدة لا تغني؟!. كما صُفت إلى جانب صحون الليمون بضع قنانٍ من زيت الزيتون لمن يرغب في تزييت كاسته، ويتولى عارف، شقيق عزمي المراهق تنظيم ومراقبة هذا الموضوع، بمعنى أنّ عارف هو من يقطع الليمون إلى أهلة (شياف)، وهو من يصفها في بلام الفاكهة الملونة الأنيقة إلى جانب القدر، وهو من يصف قناني الزيت ويحافظ عليها نظيفة غير ملطخة بالزيت، وهو من يفتح تلك القناني، ويضع على فوهاتها الكيلة النحاسية التي تزق ملعقة واحدة وليس أكثر، وهو من يمسح ما تحت كاسات آكلي اللبلبي وهي تبقع وجه العربة، كما لوثت وجه التاريخ عورة بن العاص التي خلدها شعر مظفر النواب الماركسي! ثم يجبي عارف من كل زبون 250 ديناراً ثمن الهلال وملعقة الزيت، يضاف إليها 250 دينارا قيمة اللبلبي المهروس بنيران الموقد، ويبقى مشغولاً طيلة ما بعد ظهر كل يوم حتى منتصف الليل. عملُ عزمي وأخيه يبدأ من الساعة الرابعة بعد الظهر، ويستمر حتى ينتصف الليل، ثم يعود لبيته ليتولى مع زوجته اعداد الحمص لليوم الثاني. وبعد أن يقاسم زوجته ما تبقى من قوة باهه، يناله من نوم الليل بضع ساعات، وهذا يكفيه غالباً، فعمره لم يبغ الثلاثين بعد، وتكفيه خمس إلى سبع ساعات نوم يومياً. خلال النهار، يذهب عارف إلى الأسواق ويشتري قناني زيت الزيتون المنتج في مناطق معنية من العراق، ويشتري معه الليمون “النومي حامض”، وإن لم يكن متوفراً فيبتاع عصير الليمون المعبأ في قناني.

مكان وقوف عزمي وعارف وعربتهم السوداء والديك الأصيل هو مفرق شوارع في ساحة الأندلس، قريب من مصالح ودوائر حكومية، وقريب من مشافي ومؤسسات ثقافية بينها اتحاد الادباء العراقيين، وقريب جداً من مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. ومنذ وعى عزمي على عراق ما بعد صدام حسين، لم تعد السلطات تطارد الشيوعيين، وبالتالي لم يعد الاختلاط بهم يشكل خطراً على أبناء الشعب، كما كان في العصور البعثية والقومية التي سمع بها عزمي ولم يشهدها. وهكذا فقد اعتاد الشيوعيون على التجمع حول عربته، والتلذذ باللبلبي الذي يذوب في الفم لحسن نقعه وسلقه. عشرة الشيوعيين لذيذة مسلية مفيدة غالباً، فهم متفائلون مغرقون في عشق الحياة، وأغلبهم يتقنون جني الأموال وهذه لعمري مفارقة لا أفهمها…شيوعي بروليتاري معجون بهموم الشغيلة يجيد الاثراء وتكديس المال، ويتحول بغمضة عين إلى رأسمالي؟

 في الليل، يتقاطر على عربة عزمي المثقفون الذين يسكرون في اتحاد الأدباء، ويأتون لعربته ليأكلوا ما ينفع البدن ولا يستنزف الجيب! ومن المثقفين والشيوعيين، تعلم عزمي عبارات كثيرة، لكنّ أهمها في السنة الثانية من العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين (2022) هي عبارة “الطاقة الإيجابية” المفعمة بالمعاني كما يخال له. فكلمة طاقة تذكّره بالنفط والغاز والكهرباء والشمس، وكل هذه أشياء مهمة جداً في حياة الناس، وبما أنّ العالم يموت لوعة بحثا عن الطاقة، والحياة عبارة عن طاقة متحولة، فإن الأديان تمسي عبارة عن طاقة قدسية خيالية، والسياسة تصبح مجرد تقنين للطاقة وتحويلها إلى مجاري المياه الآسنة والاستفادة من كل ذلك بالروق الأخضر الثمين! وهذه كله دروس تعلهما الصفار كما تعلّم أن يقول لمن يشكون من شدة سطوع الشمس: “إنها طاقة إيجابية، مفيدة للإنسان والحيوان والنبات، أهلا بشمس العراق اللاهبة المحرقة”! هذه العبارة السحرية، تفتح شهية المثقفين للكلام والمطارحات الفكرية، وحال أن يطلقها، ينطلق المتحلقون حول عربته في حوارات ساخنة، ويتبادلون الآراء، وهي اللحظة المناسبة لعارف ليقاربهم ويذكّرهم بأنّ “كاسة أخرى من لبلبي عزمي بالزيت والليمون، تعزز الطاقة الإيجابية وتشحن العقول والأبدان لغد مشرق مفيد”، وهكذا تدور عجلة الرزق، وتشحن الطاقة الإيجابية في كل نفس وفي كل شيء.

ولد عزمي عام 1998، وحين فهم جانباً من الحياة الحرة الكريمة، والحياة التعسة اللئيمة سواء، عرف العراق خالياً من البعث ومن الحشرات الضارة ومن سخافات القوميات والعقائد الوطنية المضحكة ومن حروب الردة والشردة والوردة ومعارك التفريغ القومي التي كان يقودها فارس الأمة وهو يهتك أعراض نساء ورجال الأمة بحثاً عن مجد الأمة، وشاهد عزمي الصفار الفارس صدام حسين وهو يتدلى دون حصان ودون سلاح من حبل المشنقة وشاهد اعداءه يتحدونه بالهتاف لمقتدى الصدر، فيما دأبت أمه، أي أم عزمي، على تذكيره في سنوات صباه بما كان يفعله صدام برجال العراق، لتحثه على الدرس والجد، لكنّه كان ميالاً للعمل، ويكره الدرس والدروس، ثم قال لها “أهم شي أنهم أعدموا صدام، وألغوا قانون السخرة العسكرية، فهذا يساعد في تمكين الشباب من العمل، وتمكين الشابات من الزواج وبناء الأسرة”. ومن يومها، راقه مصطلح “تمكين”، وحسب أنه قد فهمه، فصار يستخدمه حيثما يحس أنه مؤثر وخاصة مع المثقفين السكارى المفاليس، فينجح في انتزاع آخر دنانير بقيت في جيوبهم بفضله، وهكذا كان يقول لعلاوي الخالدي وهو سكران يتعثر بلحيته الوسخة “عليك بتمكين الناس ليفهموك، فأنت غامض يصعب إدراك عمق طاقتك الإيجابية”، وكان هذا الكلام يغري الخالدي الفطير فيصرُّ على دفع قيمة كاسات اللبلبي للواقفين، علهم يشاركونه في حملة التمكين التي يطلقها على حافة عربانة أم الديك! ثم شغّل الخالدي عزمي الصفار في كافتيريا شبكة تلفزيون قومية مشبوهة تابعة لأحد شيوخ الفتنة العربية الخالدة، وهكذا نجح عزمي في أن يصنع لنفسه عشرات الأعداء دون أن يدرك خطورة ما يفعله.

وكرت الشهور والسنون على عزمي وأخيه، وعائد عملهما يتحسن وريعه يفيض عن حاجاتهما فيوفران منه، ويبنيان في أخيلتهما مشاريع للمستقبل.

ضحى ذات يوم ربيعي، ذهب عزمي لشأن لم يكشف عنه لأخيه، وطلب منه أن يرعى العربة والشغل حتى عودته، وطال انتظار عارف، لكنّ عزمي لم يعد قط، وانقضت الليلة، وتعدت أيام وليالٍ ولم يبن عزمي الصفار، وآلت العربة والعمل إلى شقيقه عارف الذي بات شعاره “الطاقة السلبية يمكن أن تضمن لك المستقبل”، وبات يحرص على التحدث بلغة “التمكين” مع زبائنه وزبوناته، وسمع من إحدى المشتريات أن أهل المغرب يقولون “زبناء” بوصف الزبائن، وهو جمع على وزن (جبان…جبناء)، وهكذا بات يتندر حين يتسلطن الليل وهو ينادي “وين الزبناء وين المثقفين، سارعوا لتمكين أبو اللبلبي الأمين”، وحاول أحد الشواعر أن يشغل عارف عزمي فراشاً وبائع شاي في صحيفة صفراء مشبوهة، لكنه رفض معتزاً بوظيفة بيع اللبلبي على اعتاب ساحة الاندلس، وعاش سعيداً هانئا إلى ما شاء الله. 

بون في الأول من كانون الثاني/ يناير 2023

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

بدائع “الفعّال” في لغة العرب

بدائع “الفعّال” في لغة العرب

الاشتقاق إحدى أهم ميزات اللغة العربية، وعلى وزن "فعّال" يشتق العرب آلاف أسماء الفاعل التي يفيد كثير منها أسماء مهن وصنائع. وفي سورة البروح جاءت الآية "فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" بمعنى أن الرب يفعل كلما يريد، دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره سارٍ ومطاع،...

قراءة المزيد
مشويات رباب على مفرق درب الأحباب*

مشويات رباب على مفرق درب الأحباب*

رباب قُتل أبوها في حروب العراق التي لا تنتهي، وقُتلت أمها بانفجار عبوة إسلامية ناسفة، وتشرّد وضاع أقاربها الأباعد في أرجاء البلد السنية والشيعية والكردية، وهي لا تملك اليوم إلا أختاً تزوجت وسكنت مدينة خرنابات، وأختاً أخرى ترملت وتعيش بمدينة مندلي مع أبنائها. وعلى مفرق...

قراءة المزيد
مع منيرة السفيرة*

مع منيرة السفيرة*

منيرة الناحلة الهامدة المكوّمة على سرير نظيف مرتب في دار ضيافة أنيق بغرب ألمانيا، هي كائن حي عراقي ينتمي إلى عصور سحيقة. وقد وصلتني بالبريد رسالة تدعوني للتعرف عليها من خلال زيارة الدار الذي يبعد عن بيتي كيلومتر واحد، على طريق دورتي الرياضية اليومية بالدراجة....

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.