تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

سيارتك شخصيتك.. قوة الذكور وسحر الإناث

فبراير 7, 2022 | 0 تعليقات

قرب سيارة مرسيدس سوداء اللون تقف غابي الألمانية التي قد تكون في أواخر عشرينات عمرها هي تبتسم وتقول “هذه السيارة ليست حلمي، إنها فارهة ومريحة وقوية وسريعة، لكنها لا تحمل روح الشباب، قد تناسب هذه السيارة رجل أعمال، أو مديراً في احدى الشركات، أو قاضياً كبيراً لكنها لا تناسبني قط، أجد نفسي ضائعة في ضخامتها، ولونها الأسود اللامع يثير في الملل”.

أفتح باب السيارة، وأجلس على مقعد السائق فتجلس غابي إلى جانبي، اتخيل نفسي أمضي بها سريعاً بعيداً عن صالة العرض الفخمة حيث تصطف عشرات السيارات الأنيقة، لنسرع عبر طريق سريع يقطع الغابات. رائحة الجلد السميك وملمس المقود المتماسك الناعم توحي بقوة السيارة.

أعود لأسألها، كيف لا ترضيك كل هذه الفخامة؟

تضحك وتقول: “أريد سيارة صغيرة غير مكلفة ولا يتطلب ايقافها كثيراً من الجهد، مثل هذه السيارة تتطلب عناية وجهدا كبيرين، علاوة على أن محركها العملاق يستهلك كميات كبيرة من الوقود وهو أمر أراه غير مبرر”.

نقف قرب سيارة رياضية حمراء واطئة تكاد تلامس الارض، وانظر إلى محدثتي، فتبتسم وتقول لي بما يشبه الاعتذار: “ثمن هذه السيارة لا يقل عن 100 ألف يورو، ولا أجرؤ أن أفكر بمثل هذا الثمن، ربما يتحتم علي الذهاب إلى معرض سيارات آخر، فأنا أفكر بسيارة عملية وصغيرة وجميلة، وكل ما يعرض هنا لا يحقق هذا الحلم”، وتتركني لتخرج بحثاً عن ضالتها في مكان آخر.

يدلف الى المعرض رجل وامرأة في الاربعينات من عمرهما، يقطعان الصالة الكبيرة التي تغمرها الأضواء وتنبعث الموسيقى من أركانها غير المرئية، يقفان عند سيارة بيضاء كبيرة الحجم تناسب الأسر الكبيرة، يتفحصانها بعناية ويدوران حولها، فيما تفتح السيدة باب السائق وتنظر إلى داخلها بشغف. ينحني الرجل لينظر أسفل السيارة من الخلف، يبدو أنه يريد أن يعرف أن كانت تسيربنظام الاكسل الكلاسيكي، أم ينظام السحب الأمامي الحديث “درايف شفت”. يقترب أحد موظفي المعرض منهما فينهمكون بالحديث معا، اقترب فالتقط أطراف حديثهم، تقول السيدة إنها تبحث لنفسها عن سيارة تعينها في واجبات البيت، فهي توصل ابنتيها كل يوم إلى المدرسة وتقوم بالتبضع المنزلي، ثم تعود إلى منزلهما الذي يقع في الضاحية الجنوبية للمدينة، لتعود بعد الظهر لاصطحاب البنتين إلى البيت، كما أن مثل هذه السيارة مناسبة لقضاء العطل في أماكن بعيدة عن المدن. يقول لهما الموظف إن السيارة كومبي تناسب طلبات الأسر لكنها ليست من سيارت الدفع الرباعي التي تصلح للسفر إلى المناطق النائية. يتساءل الرجل عن سعة محرك السيارة، فيقول له الموظف انه محرك بستة مكابس، تتساءل المرأة كيف لايكون نظام الدفع رباعياً إذا كان المحرك بهذه القوة والسعة؟ يضحك الموظف وهو يقول إن لكل شيء ثمناً، ثم يشير إلى سيارة رصاصية اللون في زاوية من الصالة قائلاً إنها سيارة دفع رباعي من نفس نوع السيارة التي يسألان عنها، لكن ثمنها ضعف ثمن السيارة البيضاء الكومبي التي يقفون قربها. أقترب أكثر لأقرأ ثمن السيارة الكومبي فأجده 28 ألف يورو. ينصرف الموظف عنهما ليفسح لهما المجال للتشاور فاقترب منهما حاملا سؤالي الدائم: هل تعتبران السيارة ترفاً أم ضرورة يومية ملحة؟

السيارة سلعة كمالية أم ضرورية..ترف أم حاجة؟

أجابني الرجل أنّ السيارة بالنسبة لكثيرين هنا هي وسيلة نقلٍ كمالية لكنها ملحّة تتيح لهم اختصار الوقت وانجاز مهام متعددة، كما أنّها بلا شك مظهر للمنزلة الاجتماعية التي يحرص عليها الألمان إسوة بأغلب الشعوب. فيما تحدثت السيدة عن ضرورة تكامل الفائدة من الاستخدام مع اناقة ورشاقة السيارة، و يصعب تحقيق هذا نسبياً في سيارات الكومبي التي تقتنيها الأسر، لكن تبقى هناك فروق في الشكل يعتبرها كثير من الناس مظهرا للأناقة.

يبدو أنّ الألمان يأخذون جودة صناعة بلدهم كحقيقة نهائية خاصة في مجال السيارات، ولهم هنا أفضليات وتوقعات تميّزهم عن غيرهم في ظل العبارة الخالدة “صنع في ألمانيا”.

ونتيجة لهذا المزاج العام، انتقلت إليّ عدوى اقتناء السيارات، وأنا أعيش في بلدٍ سُجِلت فيه 55 مليون سيارة حتى عام 2017 حسب احصاءات موقع ستاتيستا ليصبح نصيب كل فرد تقريبا (في المعدل النظري) سيارة ونصف السيارة!

حقيقة الأمر، أنّ المرء إذا رغب، فبوسعه أن يعيش هنا دون سيارة، فالمواصلات دقيقة التوقيت ومتوفرة في كل الأوقات حتى ليلاً، وتُغطي أغلب أرجاء البلد وتتنوع بين حافلات “بوس” وقطارات المدن” شتراسن بان” وقطارات الأنفاق “أوبان” وقطارات الضواحي “ريغيونال بان” والقطارات الكبرى، كما توجد خدمة سيارات الأجرة” تاكسي”، وخدمت شير التي نزلت حديثا إلى الأسواق وتقوم على الشراكة في استخدام السيارة، هذا علاوة على الخدمة الشخصية التي تعرف بـ”متفارن” تطوّرت في السنوات الأخيرة لخدمة السفر بين المدن والولايات.

بحثا عن ضالتي أزور معرض سياراتٍ يملكه صديقي علي وهو تركي الأصل مولود هنا فيقول لي ناصحاً “إنّ سوق السيارات في ألمانيا صعبٌ جدا، وعليك أن تحدد بنفسك ما تحتاجه وما يحتاجه الآخرون، فالسيارة هنا مثل الرداء، ترتديه لأنّه يروق للآخرين وليس لأنّه يروق لك”. نصيحته تضعني أمام نفسي بطريقة صارمة. 

خيارات لا تنتهي

جولتي الأولى كشفت لي سعة الاختيارات المعروضة أمام المشتري، فالبنوك تعرض عليه ما يعرف بـ” ليزنك” وهو استئجار سيارة بضمانة المصرف لعدة سنوات، وقد تعيدها بعد ذلك إلى البنك أو تقتنيها بشكل نهائي، كما أنّ هناك سوق السيارات الجديدة الذي يُعد الأكبر في أوروبا، اضافة إلى عروض السيارات المستعملة.

المفارقة أنّ السيارات الألمانية هي الأغلى بين المعروض في السوق، رغم أن عددها هو الأكثر في الشارع. سيارة فولكسفاغن هي الأكثر انتشاراً في السوق الألمانية بمسافة تبز جميع الماركات الأخرى، وتليها أوبل رغم انسحاب جنرال موتورز الأمريكية عن شراكتها فيها، وتليهما مرسيدس، السيارة التي يستخدمها أغلب زعماء العالم.

يعتمد الناس هنا على رأي الخبراء “غوت أختر” وهم موجودون ضمن وكالات تتولى ارشاد الراغبين في الشراء، وهذا يختص تقريباً بالسيارات المستعملة، أما الجديدة فعليك أن تناضل مع الباعة للحصول على سعر مناسب، وهو في النهاية يعتمد على اختياراتك، فسقف البانوراما مثلاً يرفع سعر السيارة، وكذلك مقاعد الجلد والأغلى هي البيضاء، والزجاج المظلل والألوان المعتمة، إضافة إلى اختيارات مرشد السياقة “نافغيتر”، وأنوار الإضاءة الدائمة التي تستمد طاقتها من نور الشمس وليس من بطارية السيارة والمسماة “ليد”، كلها ترفع من سعر السيارة. فيما انخفضت مبيعات وأسعار سيارات الديزل بشكل كبير وعزف عنها الناس، بعد تطبيق سياسة حماية البيئة الأوروبية الصارمة.

اشترِ سيارةً ألمانية وعش بلا مشاكل!

 حسمت أمري لاقتناء سيارة ألمانية، وطلبت نصيحة زميلي مايكل بهذا الشأن فقال ضاحكا “لن تكونَ ألمانيًّا ما لم تكن سيارتك ألمانية لتعيش معها بلا مشاكل التصليح واستيراد الأدوات الاحتياطية، وعليك في هذه الحالة أن تحدد السيارة التي تريد بموجب السعر الذي تدفعه”.

مرة أخرى وضعتني النصيحة أمام نفسي، لكنّ جيل الشباب هنا يمتلك حلولاً الكترونية، وقد أرشدني ابني اليافع إلى برنامج تلفزيوني اسمه “أوتو بيلد” وهو محمّل على يوتيوب أيضا وبلغات عدة، ويقارن بحياد بين طبقات السيارات، من مختلف الماركات ومن مختلف سنوات الإنتاج والموديلات حسب طلب المشتري، ويضع أمامه فروق السعر وفروق الكفاءة وفروق الأناقة طبعا.

بات التحدي أصعب، ولكن في النهاية حسم أمري السعرُ الذي استطعت دفعه لاقتناء سيارة ألمانية كبيرة متينة تتسع لي ولعائلتي، واشتريتها بضمانة الشركة المنتجة لمدة سنتين كما ينصُ قانون حماية المستهلك.

ملهم الملائكة

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.