تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

سياحة في التسميات

سبتمبر 7, 2020 | 0 تعليقات

ولادة طفل جديد تعني إضافة اسم جديد لمليارات الأسماء الموجودة في الحياة والتي غادرتها وأضحت تواريخ. كي نتعرف على عالم الأسماء ينبغي أن نتخطى حواجز الأزمنة، وحدود هذا العصر الغريبة.

أخاف أن أقول أسماء بلا وطن، لأن أسماء بنت الخليفة أبي بكر عنوان للسنة، وإذا جئت باسمها، فعليّ أن أوازن الوضع بزينب لأُرضي الشيعة، وإن أردتُ ألا أغضب الكرد فعليّ أن أجد مكاناً لشيرين، وهكذا يصبح مجرد مقال في صحيفة سببا للحرب.

لكي نخلص من هذا المأزق الشكلي الخطير، لابد من البحث عن ” أسام” لا تتصل بأي من الحساسيات، وأقترح هنا إسم عادل للمواليد الجدد، وهو إسم للذكور يمكن أن يُخفي انتماء حامله المذهبي والديني وحتى الإقليمي، فالمصريون عندهم عادل، والسوريون كذلك وغيرهم من العرب يشيع عندهم هذا الإسم.

اسم المولود الجديد اختبار يخوضه الوالدان

وللإناث اقترح مريم، فهو جامع للمسلمين وغيرهم، وهو جامع للعرب وغيرهم، وهو بلا طائفة، حاله حال إسم “يوسف ” المتكرر في اللغات السامية (العربية والعبرية والآرامية) بشكل متقارب يصعب تمييزه.

وفيما تأخذني خواطر الأسامي والتسمّي بها بعيدا، تستوقفني فجأة حقيقة تاريخية ملفتة للنظر يمكن أن تكون ظاهرة يدرسها المؤرخون (حين يظهر من جديد علّامة مثل علي الوردي يمكن تسميته بالمؤرخ الإصلاحي). الحقيقة الصارخة هي أنّ هناك أشخاصا عبر التاريخ صنعوا للأسامي معنى، ولم ينتموا الى قائمة المتسمين بالإسم إسوة بغيرهم.

ماذا نسمي الوليد الجديد؟

موسى قد يكون بدءا لهؤلاء، اذ لم نقرأ في أي كتاب أنّ شخصا قد تسمّى بهذا الإسم قبل الكليم، وبذا فإن كلّ موسى تسمى بعد ميلاد ونبوة الكليم، ينتسب الى قائمة ” أسام ” نشرها نبي بني إسرائيل.

عيسى، يمكن أن يكون عنوانا، فهو قد وهب الإسم معنى لم نعرفه، وما كان أحد قد سمع بهذا الإسم قبل مولده وبعثته وشهادته وعروجه، واليه ينتسب ملايين ممن تسموا بعيسى تأسّيا بإبن العذراء.

مُحمد عنوان آخر، ففي كل صحف العرب لم يرد اسم محمد، (وإن كانت صحف اليهود والمسيحيين قد أشارت الى أحمد كنبوءة)، أما العرب فلم يُنقل عنهم وجود إسم محمد قبل رسول الإسلام خاتم النبوات. بعده صار إسم مُحمد عنوانا للعرب والمسلمين في كل العالم.

علي، اسم لم نسمع بمثله قبل إبن أبي طالب، وبذا يمكن القول إنه قد أسس هو الآخر لقائمة ملايين الأسامي التي يتربع على قمتها الخليفة الراشد الرابع.

وفي التاريخ “أسام” لغير الأنبياء والأولياء، كما أن الأمر ليس حكرا على الذكور، فهل سمع أحد بخنساء أشهر من الخنساء الشاعرة؟ بعدها شاعت الخنساوات وعمّت في كل بلد ومعدن.

أسماء الأنبياء والأئمة تحدٍ من نوع آخر

وهل عُرفت أحداهن بإسم شجرة الدر غير زوجة الملكة الصالح في مصر؟ بعدها شاع الإسم بشكل محدود لصعوبة لفظه وتشكله من مقطعين.

وهل سمع أحد بشهرزاد قبل أن يصنعها كاتب ألف ليلة وليلة المجهول، لتكون تاجا على رأس قائمة الإناث المسميات شهرزاد.

محطات جديدة للأسامي

ولو اقتربنا من الزمن الحديث، فسنجد بُعدا آخر للأسامي ومداليلها، فهل سمع أحد باسم نابليون، قبل بونابرت الفرنسي الشهير؟ ولكننا بعد هذا التاريخ صرنا نسمع بالبعض يتسمّى نابليون، إلا أنّ بريق الإسم ما لبث أن إنطفى بسبب هزائم نابليون بونابرت وحروبه العبثية.

مثل هذا يمكن أن يُقال عن أدولف هتلر، فبعد الطاغية الشهير والملايين القتيلة التي خلفها والمآسي التي لا عد لها، ما عاد أحد يتسمّى بهذا الإسم، بل إن أحدا في ألمانيا اليوم لا يحمل اسم أدولف، ويتجنبونه كأنه وباء.

ومع تشرشل وديغول وستالين ولينين حدثت نفس الحالة، فلم نسمع قط بأنّ أحدا تسمى بإسم أيّ منهم تأسّيا أو تيمّنا أو تقليدا، وحتى إذا وقعت مثل تلك الحالات فربما وقعت في زمنهم، لكنها لا تُذكر ولا تُعد ولم تستمر.

أسماء الملائكة خيار ممكن

ومع المد الناصري، تسمى ألوف العرب (ربما وصل عددهم لملايين) بإسم جمال، أو عبد الناصر (بشكل أقل لأنّ الاسم مركب)، لكن مخاوف الناس من الديمقراطية العربية المتقلبة وانقلابات العسكر، والحرية اللامتناهية التي ينعم بها مواطنو دول الجامعة العربية، أثّرت على الظاهرة فصار الناس يمتنعون عنها بشكل مقصود، ويتجنبون جمال وعبد الناصر خوفا من المستقبل.

صدام ايضا، أسس لظاهرة الإسم الجديد، فرغم أنّ الإسم معروف في العراق قبل ظهور صدام حسين، الا أنّ الأخير بحروبه المتعاقبة والمآسي التي خلفتها منحه بُعدا عالميا، وقد سمّى البعض أبناءهم باسم صدام، لكن ألوفا من العراقيين الذين فعلوا ذلك تقرّبا للقائد الضرورة وعطاياه، سرعان ما غيروا هذا الإسم بعد أن وصل أعداء صدام الى السلطة في زلزال 2003، وقد يتراجع الإقبال على الإسم بمرور الزمن.

بدأنا المقال باحثين عن “أسام ” عابرة للتقسيم والتخندق والتحزب والتعنصر، وانتهينا بأسام تشابكت مع التاريخ بسموه ونبله، كما اختلطت بأسوأ محطاته وأكثرها ظلاما ودموية.

ومع ذلك لم أستخدم سوى كلمة ” أسامي” لكيلا يحنق مني أحد. وربما كان هذا هو السبب الذي جعل فيروز – بعد حرب لبنان الطائفية الأهلية التي دامت عقداً ونيف – تغني ” أسامينا شو تعبوا أهالينا تا لقوها”.

ملهم الملائكة

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.