تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

سائق سيارة الأجرة الجبار المتكبر!

أغسطس 9, 2021 | 0 تعليقات

غنت مي أكرم ووحيد في ثمانينات القرن العشرين سكيش “يا سايق السيارة” وكان سائق السيارة التي تستقلها في الكليب الفنان الكوميدي محمد حسين عبد الرحيم، وقد تبادرت لخاطري تلك الأغنية السقيمة وأنا أكتب عن سائق التكسي في عصره الذهبي.

تغيرت مفردات حياة سائقي التاكسي، بل تغيرت مهنتهم ومكانتهم الاجتماعية في العراق بعد التغيير في 17 تموز 1968.

ولعل هذا يبرره أنّ سلطة حزب البعث التي تولت السلطة قد تبنت في السنوات العشر الأول بعد التغيير سياسة اشتراكية واضحة، متخذة منهج دول المعسكر الاشتراكي. كانت تلكم محاولات جادة لصنع تغيير اشتراكي، يطال الجماهير ولا يطال النخب، في نموذج يقترب من أسلوب عمل الاتحاد الاشتراكي بمصر.

وهذا التغيير ظهر بسرعة وبوضوح في طبقة سائقي سيارات التاكسي التي تضخمت فجأت وتضاعفت اعدادها بسبب أزمات النقل غير المبررة التي اجتاحت شوارع بغداد بشكل خاص.

وقد يعجز المراقب عن تفسير ما جرى، فحافلات مصلحة نقل الركاب حتى صبيحة يوم 17 تموز 1968 كانت تكفي لتأمين تنقلات سكان العاصمة بغداد. لكن، فجأة احتكرت الدولة استيراد السيارات وألغت اجازات الاستيراد الخاصة واسست الشركة العامة لاستيراد السيارات، فلم تعد الحافلات تكفي لنقل الناس، واكتظت الشوارع، ومواقف الحافلات بالحشود التي تنتظر. وصار الناس يتزاحمون على الحافلات بنفس الطريقة التي تزاحم فيها المصريون على الحافلات في القاهرة في ستينيات القرن العشرين.

وسرعان ما انعكس هذا على مهنة سائقي سيارات الأجرة “التاكسي” فصاروا يرفعون أجورهم بشكل جنوني يتجاوز المعقول.

وما لبث أن جاء تأميم النفط في الأول من حزيران 1973 ليغير كل الموازين، فاشتد اقبال الناس على شراء السيارات لتحسن قدرتهم الشرائية، ولرغبة كثير منهم في تحويلها إلى سيارة أجرة للاستفادة من أزمة النقل. وكان يشيع بين الناس آنذاك، أنّ بوسع من يشتري سيارة من الشركة أن يستعيد ثمنها خلال عام واحد من تشغيلها كسيارة أجرة.

تاكسيات انيقة لكن الجلوس الى جنب السائق شبه إلزامي

ازاء هذا، باتت حكومة البعث لا تمنح الناس رخصة تحويل سيارة إلى تاكسي إلا من خلال المنظمات الحزبية في المناطق، أو من خلال مديرية الأمن العامة. وأدرك الناس اللعبة، فصار الكل يتواصون بألا يتحدث البغداديون مع سائقي التاكسي في شؤون السياسة، ولا يجارونهم في التذمر من أزمة النقل الخانقة، لأنهم جميعا أذان للحكومة، أو وكلاء أمن!

وهكذا أفرزت مرحلة منتصف السبعينات طبقة من سائقي التاكسي تمتاز بتطلعها إلى الانسلاخ عن الطبقة الفقيرة، والانتماء بسرعة إلى الطبقة الوسطى المستفيدة من “منجزات الثورة”! بلا كثير مجهود، وهي في نفس الوقت طبقة لصيقة بالنسيج الاجتماعي الذي أنتج الرفاق والرفيقات والدلالات والدلالين على امتداد “قطر العراق” باستخدام التعبير الشائع آنذاك بقصد لفت انظار القراء إلى تلك اللغة المنقرضة!

قد يثير هذا الطرح استغراب واعتراض كثير من القراء، لكنها الحقائق كما عشتها لا كما يحلو للبعض تزويقها لأنهم كانوا سائقي تاكسي في تلك المرحلة!

قبل 17 تموز 1968، ظهرت شركات سيارات أجرة في مناطق الكرادة الشرقية وعرصات الهندية وكرادة مريم والكاظمية والأعظمية، وصولا إلى بغداد الجديدة والربيعي ومناطق أخرى. اذكر منها:

سيارات ارخيته في سوق ارخيته للخضرة بالكرادة داخل، سيارات السلام مقابل أسواق (مقهى) رضا علوان، سيارات الزوية لصق مقهى الزوية بمدخل الجسر المعلق على منطقة الزوية، سيارات الحرية في ساحة الحرية كرادة خارج، سيارات الهندية مقابل مقهى الفيصلية في شارع العرصات حاليا، سيارات العرصات في شارع العطار من جهة عرصات الهندية، سيارات المسبح، الشارع المقابل لملهى الامباسي. سيارات الربيعي في بداية شارع الربيعي من جهة شارع فلسطين، سيارات الفيصل في الشارع العام لبغداد الجديدة قرب أسواق السادة، سيارات النواب في شارع النواب بالكاظمية، سيارات الصباح في شارع سهام من جهة الأعظمية. سيارات الكسرة مقابل مقهى الكسرة، سيارات ال…في نهاية شارع المغرب. ولا أتذكر أسماء الشركات الأخرى. كل الشركات تستخدم سيارات حديثة أنيقة غير مصبوغة تاكسي.

كانت هذه الشركات توزع بطاقات تعريف صغيرة على كل بيوت المنطقة، وحين يحتاج بيت فلان إلى تاكسي، يخابر الشركة بالهاتف الأرضي المذكور رقمه في الكارت، والموجود في كل بيت لديه كهرباء وماء وخدمة المجاري، ويقول لهم نحتاج تاكسي الآن، أو في الساعة الفلانية، وبالوقت المحدد بالضبط يكون التاكسي في باب البيت. بإمكان أي سيدة أو فتاة أو حتى طفل أن يستقل التاكسي، ويجلس في الزاوية اليمنى من المقعد الخلفي، ويصل آمناً إلى مقصده دون أن يدفع أجراً، لأنّ الشركة تسجل على مدى كل الشهر السفرات التي قضتها للبيت الفلاني، وفي آخر الشهر ترسل للبيت المذكور وصلا بالأجرة المطلوبة ليدفعها صاحب البيت وهو مطمئن على أهل بيته وعلى سلامة جيبه.

كل هذا قضت عليه أزمة النقل التي رافقت تحويل العراق إلى دولة اشتراكية وما نجم عنها من خلق طبقة سائقي التاكسي. وما جرى بعد ذلك أنّ قيماً جديدة بدأت تظهر في العلاقة بين سائق التاكسي وبين المجتمع، ومن هذه القيم ظهور تسجيلات الكاسيت لمغنيات بنات الريف والكاوليه وسعدي الحلي وعدد كبير من مطربي الأعراس الرخيصة والتي يحرص سائق التاكسي على فرضها على الركاب بصوت مرتفع في تعبير عن قيم طبقة جديدة تتشكل في الحزام غير المرئي من بغداد. ومع هذا ظهر تقليد رفع الكلفة وازالة الحدود بين السائق وبين الراكب المسافر. فبدأ السائق يطالب المسافر بوقاحة أن يصعد السيارة ويجلس في المقعد الأمامي إلى جانب السائق، لأنّ “السائق ليس سائق مال بيت الذي خلّف الراكب”.

وبدأت التطاولات تمتد إلى مساحات أخرى، فحين يركب رجل وامرأة التاكسي، يصر بعضهم على أن يجلس الرجل الى جانب السائق كي لا يشعر الأخير بالضيق لأن عائلة أجرت سيارته وتصدر له الأوامر. وإذا كان منظر الرجل والمرأة لا يدل على أنهما متزوجان، يصر بعض السائقين على جلوس الرجل في الصدر لكي لا يقع المحظور ويدخل الشيطان بينهما وهما جالسان على المقعد الخلفي في سيارة فولغا أو لادا تسير في جحيم شوارع بغداد!!

هذه الطبقة من سائقي سيارات الأجرة، تقدمت بعد زلزال عام 2003 لتصبح في أقصى الطليعة، لكنها باتت طبقة كبيرة جداً بعد ان حول الحصار الاقتصادي كل أصحاب السيارات الخاصة إلى سواق تاكسي محتملين في أيّ لحظة.

ونتيجة ضعف الحكومات المتعاقبة، وتراخي قبضة القطاع العام الاستغلالي، بدأت الحياة تعود لقيم السوق في مدن العراق، وظهرت بعد عام 2015 شركات السيارات الدولية، كريم، أوبر وشركات متخصصة بنقل السيدات من طراز “ليدي غو”، وبدأت تظهر من جديد قيم مهنية تميز سيارات الأجرة والعاملين فيها. فعاد أصحاب البيوت يحصلون على سيارات أجرة أمينة محترمة نظيفة بالهاتف، ويمكن للنسوة والأطفال التنقل بأمان في ظل الشركات المعروفة، لاسيما أنّه يمكن لصاحب البيت مراقبة خط تنقلات التاكسي الذي ينقل ابنته على تطبيق كريم على الهاتف المحمول، وبدأت ظاهرة التاكسي البعثي الغليظ السفيه تتراجع. أما في المناطق الشعبية، فانتشرت سيارات التكتك التي تتقاضى أجور أقل من سيارات الأجرة، وصارت هي واسطة النقل السائدة، لاسيما أنها تتنقل بسهولة في شوارع المناطق الشعبية التي غاب عنها القانون منذ عام 2003.

وقد أطلقت بوستا على فيسبوك من وحي هذه الظاهرة، فانقسم أصدقائي بين من يتذمر بشدة من ظاهرة سائق التاكسي الوقح المتجبر الذي يرى نفسه شيخاً يسير بسيارته في شوارع العاصمة ذات الثمانية مليون نسمة، وبين من يدافع عن سائق التاكسي معتبرا ان جلوس الراكب الى جنب السائق نوعا من العدالة والمساواة

ملهم الملائكة صيف 2021

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

الأثرياء لا وطن لهم

الأثرياء لا وطن لهم

مليونيرات العراق لا ينتمون إلى هذا البلد إلا بطعامهم ولهجاتهم، وتذهب خيراتهم الى بلدان المهجر أو للأوطان البديلة

قراءة المزيد
أنثروبولوجيا الرقص *

أنثروبولوجيا الرقص *

كما أن الرقص يجسد في ذات الوقت تعبير المجتمع عن هويته وقيمه. وتعبيرًا بالتالي عن مقاومته الناعمة للضغوط الخارجية لجرح هويته

قراءة المزيد
مؤمنة كانت جدتها ثورية!!

مؤمنة كانت جدتها ثورية!!

كانت مفاجأة حين عرفت أنّ صديقة ابنتي، وهي فتاة نصف ألمانية نصف أردنية قد قررت أن تختار الحجاب. الأكثر غرابة في الموضوع أنّ جدة تلك المراهقة الأردنية كانت زميلتي في شعبة اللغة الإنكليزية بكلية الآداب جامعة بغداد عامي 1978، وكانت تدرس في بعثة على نفقة الحكومة الأردنية...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *