تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

رحلة البحث عن مليونير يرعى هذا المشروع!

أغسطس 22, 2020 | 0 تعليقات

ما إن يعيش المرء فترة طويلة في أوروبا ويختلط بنخبتها المثقفة المهتمة بنشر المعرفة، حتى يكتشف أنّ من يرعى الثقافة والمعرفة في هذه المجتمعات هم أفراد يكرسون أنفسهم لهذه الغاية. هناك مؤسسات بل وزارات تتولى هذا الدعم في بلدان القارة العجوز، لكنّ منظمات المجتمع المدني تتلقى هبات ومساعدات كبرى من أغنياء يهمهم أن تنتّشر المعرفة وتصل لكل انسان.

هناك مشروع سينمائي دولي أوروبي اسمه Kinemathek انطلق منذ عام 1935، وتبلور بشكل نهائي عام 1955. انه مشروع قائم على المبادرات الفردية لنشر المعرفة السينمائية عبر العالم. حاولت أن أخرج بمشروع شبيه به على مستوى العالم العربي والشرق الأوسط فبدأت أبحث عن مصادر التمويل، وأصحاب الملايين هم من يتولون رعاية المشاريع الثقافية والفنية أو الخيرية عبر العالم. وأوصلتني نتائج البحث إلى التالي:

سيدة الأعمال الغامضة

عراقية تحمل ثلاث جوازات سفر دولية، وتشغل وظيفة قنصل ثقافي فخري في إحدى البلدان العربية، وتتلقى تمويلاً من الاتحاد الأوروبي ودوله، ومن مصادر لا تعلن عنها، بينها يهود العراق، والعراقيون المسفرون إلى إيران في سبعينيات القرن العشرين، ومصادر أخرى خفية.

هنا في أوروبا، مجرد ذكر اسمها في المحافل الدبلوماسية العليا، يجعل المسؤولين يشيدون بجهودها “الجبارة” وقدراتها الخارقة على العمل وتأمين موارد التمويل.

عرفتني عليها سيدة أعمال عراقية الأصل أمريكية الجنسية، تقضي أوقاتها بين أروقة جامعة هارفارد والمؤسسات الدولية المهتمة برعاية الثقافة. وحين جلسنا في صالة فندق باذخ بمدينة برلين لنتباحث حول مشروع سينماتك، ورغبتي في جعله مشروعاً يسهم في نشر ثقافة الفن السابع وجعلها ميسرة للجميع بمبالغ زهيدة، أبدت حماسا للموضع، واستمعت إليّ وانا أروي تفاصيل الحلم، ثم ابتسمت واوقدت سيجارة الكترونية ونفثت نفسا منها خلسة وقالت: “لابد ان تلتقي بالأمين العام للأمم المتحدة، وتساله مباشرة ان يدعم هذا، وسوف تحصل على نتيجة حتماً”.

وكيف أصل إلى الأمين العام للأمم المتحدة؟ ابتسمت وقالت انه موجود، والوصول اليه متاح، ولكن عليّ ان ادخل الى اللوبي القريب منه، وهم سوف يدفعون بي للقائه بسهولة تامة!

صورة رمزية لسيدة اعمال ثرية

وأخذت منها كارت زيارة عليه اسم سيدة نصف عراقية ربع مصرية ربع أمريكية، تعمل مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الثقافة والفنون، وهي مقيمة بين لبنان والقاهرة، ويمكن أن توصلني به حال اتصالي بها. وانتهى لقائي بالسيدة الغامضة بلا نتيجة. وبعد أسبوع حاولت الاتصال بالمستشارة التي اعطتني رقمها، فرد علي صوت أتعبه التدخين والويسكي والسهر، وردت عليّ بالقول إنها تكلمني الآن على هاتفها الرومنغ، وعليّ أن أكلمها على هذا الرقم حين تعود للقاهرة. ومتى تعودين يا سيدتي؟

أجابت بصبر نافذ: أنا اتنقل كثيراً لذا لا أستطيع أن أحدد لك، شكراً للمحاولة وتصبح على خير!

أصابني احباط مطلق وأدركت بشكل نهائي أن الوصول إلى الأمين العام للأمم المتحدة أيسر بكثير من الوصول إلى من هم دونه، خصوصاً وأنّهم مواطنون متعددو الجنسية يحلّقون عبر سماء الكوكب بلا انقطاع!

طبيب مليونير فضائي طائر

لم يكن وصف بعيداً عن الطبيب العراقي الذي عاش في أوروبا 40 عاما، ويمتلك اليوم مشفى خاصاً به في أغنى بلد أوروبي وآخر في القاهرة، وثالثاً في قبرص (خاص بالأثرياء)، ويدير هو وزوجته الطبيبة الألمانية كل هذه المؤسسات متنقلين بطائرة خاصة.

بعد عام من معرفتي به، التقيته في مطعم عراقي في بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي رسمياً، وعاصمة العالم بامتياز. كنت أبحث عن مموّل لمشروع أكاديمية تتولى إعداد الإعلاميين للخروج بالعراق من بؤس الإعلام الذي ورثه عن عصور الدكتاتورية والاشتراكية القومية والحزب الواحد والقائد الضرورة. وكنت متفائلاً بعراق يبتعد عن كل الأمراض ويتجه لأن يكون دولة مثل ألمانيا أو اليابان بعد دمار الحرب العالمية الثانية. 

حين كشفت له على مائدة المشاوي العراقية الأصيلة عن رؤياي الحالمة في أكاديمية الإعلام وقناتها التلفزيونية وإذاعتها وصحيفتها ومشروع سينما لكل بيت، سألني وهو يبتسم ماضغاً لقمته، إن كان المشروع سنياً أم شيعياً أم كردياً، وبلعت استغرابي لما قال لأوضح له أنّ المشروع سيكون عابراً لهذه التقسيمات وسيتخذ من اربيل (الآمنة ذات البنية التحتية الجيدة) مقراً له، ضحك وقال: “بالنسبة لي سيكون مشروعاً كردياً إذا، وفي الغالب لن يستفيد منه أهل السنة في العراق”.

صورة رمزية لمليونير فاحش الثراء

بعد أخذ وجر، ختم الطبيب العراقي الستيني بثروته التي تتجاوز 50 مليون دولار الحوار غير المتكافئ بالقول: ” الحقيقة ليس عندي أموال سائلة جاهزة لمشروع يتطلب ما لا يقل عن 2 مليون دولار، وأعتقد أنّ الجدوى منه ستكون معدومة، فالإعلام لا يعود بمردود على المستثمرين فيه “.

مليونير كردي معاصر

ظننت قبل لقائي الأول به، أنّه من الكرد الذين أثروا خلال العهد السابق، وأغلبهم من أمراء أفواج الدفاع الوطني سيئة الصيت. لكن الظن الآثم تبدد في القصر المنيف المهيب بأناقته ذات الخمسين ألف متر مربع والمطل على أجمل بقاع العالم، حيث مثُل أمامي رجلٌ يقارب السبعين، لم يزر العراق منذ غادره بلا رجعة عام 1965 ولا يعرف تقريباً عنه شيئاً. كان ودوداً، يتنقل بلباقة بين ست لغات يتحدث بها بيسر راويا المُزح والطرائف بكل تلك اللغات وترجماتها بلا توقف.

بعد ستة أشهر من معرفتي به أردت أن أتعكّز على “صديقي” المليونير الكردي الذي لا يُبدي أيّ اهتمام بمكونات ومعتقدات العراق سوى بكونه عراقياً، فسألته أن يدعم مشروعا أطلقه طبيب يعالج مرضى جنوب العراق بجلبهم الى ألمانيا وعلاجهم وإعادتهم.

 سألني أيّ نوع من الدعم أنتظر منه؟ فقلت له أنّ هذا الطبيب يريد أن ينشئ مشفى لعلاج الأطفال بكوادر أوروبية وبأجور شبه مجانية في جنوب العراق بدلاً عن جلب الأطفال الى ألمانيا لعلاجهم.

نظر إلي وهو يلتهم حبات التمر العملاقة التي تصله من مورّد سعودي، وقال: “يا صديقي قد أدخل في مثل هذا المشروع إذا ضمنتَ أنت لي أنّ الميليشيات الشيعية لن تفرض خاواتها على طاقم المشفى، واذا ضمنت أنّ الفساد الاداري لن يفرض عليّ دفع رشاوى تعادل ضعفي أجور العمل، وإذا ضمنت أنّ المشفى سيكون لكل العراقيين، وليس لأبناء من هم في السلطة وخواصهم، واذا ضمنت أنّ الأجور ستكون حقاً مجانية، وإذا ضمنّت لي أخيراً أنّ الوساطات لن تقرر دخول المرضى وعلاجهم”.

ثم اتكأ على مقعده الوثير، ونظر إليّ ضاحكاً، وهو يقول “اذهب وجئني بكل هذه الضمانات وسأضع تحت تصرفك 20 مليون دولار تنفذ بها مشروعك”.

ولما عجزت “طبعا” عن المجيء بالضمانات، لم أجرؤ بعدها أن أساله الدعم لهذا المشروع أو لمشروع نادي السينما المستقل الذي أفكر في انشائه لتكون ثقافة السينما في متناول الجميع، لكني غامرت وسألته إن كان قد سمع بمشروع “كينماتيك” المعروف في أوروبا، والذي يدعم جعل الفن السابع في متناول الجميع بأجور زهيدة نسبياً، ففكر مع نفسه ثوانٍ ثم أجاب أنّه لم يسمع بهذا المشروع لكن وجود شبكة نيتفليكس ذات الاشتراك الرخيص جداً يجعل من المنافسة في هذا المجال معدومة. وبمنطقه التجاري الفذ استطاع أن يقهرني فبقيت ساكتاً لا أريم.

مليونير شيعي ولائي النزعة

الميلونير العراقي (فلان الفلاني) المقيم في لندن وصاحب مؤسسة (…) الخيرية أراد التعرف عليّ، فالتقينا في مطعم أنيق بضاحية في جنوب لندن، وعرفت أنه إبن مليونير عراقي شيعي معروف ضايقه البعثيون حين وصولهم الى السلطة عام 1968 فهرب وأسرته ببعض أموالهم الى لبنان فأوروبا حيث ولد مضيفي متنقلا بين البلدان، ويريد اليوم أن يخدم بلده الذي لم يره بجزء من ثروته وفاء له.

انتابني الفرح وأنا أشاهد عراقياً لم يعرف الوطن عن كثب إلا أنه يحنو عليه، ويريد أن يفعل شيئا لأجله، ثم استمعت اليه وهو يروي لي مشروعه لإنشاء محطة تربوية تلفزيونية ترتقي بالجيل الجديد الى مفاهيم جديدة تبتعد بهم عن قيم الحزبية والطائفية والعرقية. ومضى يقول بحماس “هو مشروع يشبه مشاريع القنوات التربوية الأوروبية، ولكنه معدّل بما يناسب الوضع العراقي وخصوصياته “، ثم

وصلنا في نهاية لقائنا الى التفاصيل “الشيطانية ” حسب تعبيره، فقال لي” أريد أن تكون المحطة في الكوفة أو النجف، وأريد أن يبدأ العمل فيها في أول محرّم المقبل تيمنا بالعام الهجري الجديد، أي بعد عام تقريبا من لقائنا هذا”.

ميلونيرات الشرق الاوسط ودورهم في رعاية الثقافة!

وسألته مذهولاً:” لماذا في النجف، ولماذا في أول محرّم؟ “

” لكي نكون أقرب إلى بيئة الجيل الجديد، ونقوده دائما للسير على طريق السلامة، أما محرّم فلأنه شهد مصارع سيد الشهداء وآل بيته، وسنجعله مشروعاً يكرس حب آل البيت في نفوس الناشئة”.

تجرعت خيبتي الساحقة بكأس من ماء الشوندر المعطّر بالزعفران، ولكني قررت أن أمضي في الحوار الى نهاية منطقية، فسألته عن المبلغ الذي رصده لإطلاق المشروع، ولإدامته، وحين أعلن لي مفتخرا أنه رصد 300 ألف دولار كبداية، أدركت أنّه يحلق في سماء الخيال، لأنّ مشروعاً من هذا النوع لابد أن يبدأ بما لا يقل عن 10 ملايين دور، وتعطلت لغة الكلام فالرجل لا يدري عمّ يتحدث.

مليونير منزوع الهوية!

انتهى الحوار مع المليونير الشيعي إلى لا شيء. في رحلة العودة من لندن شاءت مصادفة مضحكة مبكية أن تضع في يدي على متن الطائرة صحيفة الشرق الأوسط (بلونها الذي يستمد خُضرته من العلم السعودي) وقد نشرت في عددها المرقم 11368 الصادر في 12 كانون ثاني/ يناير 2010 مقالاً عن المليونير اليهودي العراقي المقيم في لندن نعيم دنكور، والذي منح 3 ملايين باوند استرليني ( 5 ملايين دولار) لزمالات دراسية لطلاب العراق الفقراء، متناسيا أنّ العراق لم يبق فيه يهود، وجاهلا (أو متجاهلا) أنّ فقراء العراق لا يصلهم أي شيء من الصدقات إلا أيام الانتخابات. خلاصة القول: مليونيرات العراق لا ينتمون الى هذا البلد إلا بطعامهم ولهجاتهم، وتذهب خيراتهم الى بلدان المهجر أو للأوطان البديلة. ألم نقل بدءاً أنّ المليونير هو شخص عابر لكل شيء، وهو عابر حتى للأوطان؟ 

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.