تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

رحلة الأهوال من بغداد إلى السليمانية

يناير 28, 2022 | 0 تعليقات

                      إنه شهر آذار من عام 1991 وأنا مقيم منذ أربع ليال متصلة في غرفة حركات الفرقة معاوناً لضابط خفر الحركات الرائد الركن ك. الذي ما برح يتحدث عن مفاجئة نووية سيهزّ بها صدام حسين قوات التحالف الدولي الثلاثيني التي أنهت هجومها البري وقصفها الجوي والصاروخي السوقي والتعبوي على العراق وعلى قطعات الحرس والجمهوري والجيش بعد ارغامها على الانسحاب من الكويت.

كان الرائد الركن ك. هو ضابط الركن الثاني حركات الفرقة وقد أنهى دورة الأركان تواً، والمقدم الركن س. هو ضابط الركن الثاني استخبارات الفرقة، وكلاهما يشكلان هيئة الركن الصغيرة المختصرة التي يقودها رئيس أركان الفرقة العقيد الركن و.ن. ع.

رئيس أركان الفرقة كان في إجازة، وكذلك المقدم الركن س. وأوجبت أوامر الفرقة أن ترشح كل حدة من وحدات الفرقة ضابطاً برتبة لا تقل عن نقيب للقيام بوظيفة معاون ضابط خفر الحركات.

 وهكذا تولينا وظيفة معاون ضابط خفر حركات الفرقة. أنا، ورتبتي نقيب احتياط مخابرة، والنقيب عدنان، وهو ضابط مدفعية احتياط من كتيبة مدفعية الفرقة التي لا تملك مدفعاً واحداً، والنقيب أحمد من سرية تموين ونقل الفرقة التي لا تملك أي عجلات، والرائد تحسين آمر سرية دبابات متجحفلة مع الفرقة ولا تملك غير 3 دبابات تي 54 ودبابة واحدة تي 62 دون قنابل ولا تستطيع التنقل بسبب عطل محركاتها!! وفي هذه المرحلة الحاسمة، لم يكن سواي والنقيب عدنان متناوبين على الخفارات بلا هوادة.

 ومنذ أسبوعين تحلّق طائرات التحالف الدولي على ارتفاعات شاهقة فوق مقر فرقتنا، الفرقة 47 مشاة المنفتحة ألويتها الثلاثة في قاطع السليمانية على جبهة جبلية مواجهة لإيران يصل طولها إلى 120 كيلومتراً. رغم ذلك لم تقصف الطائرات وصواريخ كرويز المقر ولا التشكيلات، ويبدو أنّ انفتاح مقر الفرقة ووحداتها في بيوت ومنشآت مصيف سراو، قد ساعد في تمويه المقر ووقايته من الضربات الجوية، أو أنّ قوات التحالف الدولي لم تجد في فرقتنا التي تشكلت خلال الأشهر الست الأخيرة ما يستحق الهجوم نظراً لنقص الآليات والمعدات والمهمات والأفراد بشكل فظيع. خلاصة الأمر، إنّ معارك إخراج العراق من الكويت انتهت، دون أن تتعرض فرقتنا وألويتها ووحداتها إلى أي إطلاق نار، وهذا بحد ذاته معجزة تزف بشرى مفرحة لنا نحن العسكريين الناجين من غزو الكويت ومن عمليات تحريرها، ولأهلنا الذين لا يعرفون أي شيء عن وضعنا بسبب انقطاع الاتصالات بكل أنواعها.

كانت عودتي من اجازتي الدورية القصيرة في بغداد قبل اسبوع، إلى مقر الفرقة الواقع في مصيف سراو قصة جديرة بالتوثيق، اذ استغرق وصولي من مدينة بعقوبة، حيث لجأت أسرتي لدى أقارب لنا، إلى كراج باب المعظم في بغداد الذي حلّ موقتاً بديلاً عن كراج النهضة 7 ساعات. ثم تولت مفرزة انضباط عسكري متشددة اركاب العسكريين الذاهبين إلى وحداتهم المنفتحة في شمال البلد بالقوة، رغم أنف سائقي الحافلات، بعد تزويد كل منهم ببرميل كازأويل “ديزل” مجاني، نظراً لانعدام الوقود في المحطات. وكان منظر الجنود وهم يعينون السائق في تعبئة حافلته ونوعها نيسان سعة 44 راكب بالوقود مثيراً للأسى، فأربعة منهم يتعاونون على حمل برميل الكاز فيما يتولى اثنان آخران تحوير صفيحة قديمة وجعلها قمعاً يسهل انسياب الوقود في جوف حوض الوقود العملاق، والحوض الاحتياطي الملحق به. ومنع عناصر الانضباط الجنود من التزاحم على باب السيارة، ثم أتاح لي ولضابط برتبة مقدم، وآخر برتبة ملازم أول، وثلاثة ملازمين أن نركب الحافلة ونجلس في المقاعد الأولى خلف السائق، ثم جرى اركاب الجنود بعد أن أوقفوهم في رتل منفرد طويل تصل نهايته إلى خارج مدخل موقف السيارات وصولاً إلى مدخل كلية الآداب جامعة بغداد. عملية اركابنا من كراج باب المعظم وما سبقها من انتظار استغرقت 5 ساعات، وهكذا تحركت حافلتنا الميمونة في تمام الساعة السادسة مساء ذات ليلة شباطية مطيرة باردة متجهة إلى كركوك.

في كل مكان يتصاعد دخان أسود من إطارات السيارات المشتعلة في كل انحاء البلد كوسيلة تمويه اقترحها البعض لأهداف مهمة تشمل الجسور والطرق والوزارات والوحدات والمقرات والسايلوات وعشرات الأهداف الأخرى، قطرات المطر تتساقط سوداء بسبب الدخان وتلوث الزجاجة الامامية للحافلة، واكتست كل المباني بحلة سوداء جرباء نتيجة اختلاط المطر بالدخان بالغبار المتطاير من عجلات آلاف السيارات العسكرية وآلاف الدبابات المتنقلة جنوب العراق، أو على طريق المطلاع.

 لا توجد وسائل اعلام، فالتلفزيون لايبث، وراديو بغداد يبث أغاني وطنية صاخبة، ولا يوجد تيار كهربائي لتشغيل أجهزة التلفزة والمذياع أصلاً. المحطة الوحيدة التي تصلنا في السليمانية هي إذاعة معارضة جديدة، انطلقت قبل أيام واسمها “صوت العراق”. المذيعتان الرئيسيتان فيها هما الممثلة غزوة الخالدي، والممثلة سهير أياد، ويبدو أنهما انضمتا مؤخرا للمعارضة. والصحف لا تصدر، وحتى إذا صدرت فمن سيوزعها. خطوط الهاتف المدنية والعسكرية معطلة. نسمع أخبار العراق من الإذاعات الدولية أحياناً. الاخبار تختلط بالشائعات وتتناقلها الألسن. وأحدث الاخبار التي بثتها إذاعة مونت كارلو، كان خبر قصف ملجأ العامرية معلنة أنّه كان ملجأ لمئات العائلات المدنية الهاربة إليه لتتقي القصف. فيما يعلم بعض الناس أن الطابق الأسفل منه يحتوي على غرفة عمليات مشتركة للقيادة العامة للقوات المسلحة ورئاسة المخابرات العامة. واستضافت طوابقه العلوية المرفهة عائلات كبار مسؤولي الحزب والجيش والدولة.

الحافلة التي تقلنا تسير قدماً، مجتازة جسوراً نصف مدمرة، ومؤسسات حكومية ومعسكرات مقصوفة، كما امتدت على طول الطريق، آليات عسكرية مختلفة أغلبها نفذ وقودها، وتركها سائقوها حتى يؤمنوا اتصالاً بوحداتهم.

مطاعم الطريق كلها مغلقة، وتقف أمامها بدلاً عنها، عربات تبيع صحون الرز، واللبلبي والباقلاء. المشكلة مركبة هنا، فلا وقود للطبخ، والناس يقطعون أشجار الحدائق ويحرقونها للتدفئة والطبخ، وهكذا بدت الحدائق والمتنزهات العامة، كبقايا حدائق مقفرة مهتوكة الخضرة. كما أن الرز غير موجود في الأسواق إلا بأسعار باهظة، وكذلك اللبلبي والباقلاء. وهكذا كان صحن اللبلبي الواحد سعره 5 دنانير، وكذلك صحن الرز، ولم أجد مناصاً أن أنفق 10 دنانير على صحن رز وصحن لبلبي. علما أنّ كل ما في محفظتي هو 65 ديناراً، من مجمل راتبي آنذاك والذي كان قدره 255 دينار عراقي.

ودفعت 15 ديناراً أجرة مقعد الحافلة، وحين وصلنا جسر الدوز “طوز خورماتو” وجدنا نصفه مقصوفاً مهدماً، وتوقف سائق الحافلة وهو يخيّر نفسه ما العمل، اذ أن المفتوح هو جانب واحد يمر على حافة هاوية صنعها صاروخ طائرة أو صاروخ كروز فذهبت بأكثر من ثلثي الجسر بالكمال والتمام. ثم تساءل السائق بعربية مكسرة وبصوت عالٍ” أخوان الجسر مخطور، اعبّركم على مسؤوليتكم لو تنزلون تمشون وتتلقوني في الجانب الاخر؟”

وتعالى اللغط، وعمّ الخلاف، وكل واحد يدلي برأي متباين، حتى تنبه السائق أنّ الحفلة لن تنتهي بهذا الشكل، فالتفت نحونا مخاطباً “السادة الضباط شنو رأيكم؟ نعبر بيكم الجسر، لو تنزلون تمشون وتنتظروني اعبر بالسيارة فارغة؟”.

بعد السؤال، نظرنا جميعاً للمقدم الموجود معنا، فهو الأرفع رتبة، وفي مثل هذه الأوضاع، يكون رأي الأرفع رتبة هو الحاسم، وقلت له “ما رأيك سيدي؟”

فأجاب بود ممزوج بالحيرة “والله اخي هذي مو قضية عسكرية، وما أعرف بصراحة شلون أقول رأي، اترك الموضوع لتقديركم أنتم؟”

وتعالت همهمات ركاب السيارة، فسارعت احسم الموضوع على مسؤوليتي، ونهضت واقفاً مخاطباً الجميع “اخوان هذه قضية مصيرية، أنا شخصياً راح أبقى راكب بالسيارة واعبر وياها، لأنّ الجسر طويل والدينا باردة وظلمة والمطر غزير، اللي يريد ينزل من السيارة ويعّبر مشي يتفضل ونحن مع السيارة راح ننتظره في الجانب الاخر بعد أن نعبر”، وتقدمت ففتحت باب السيارة، وكررت القول، “تفضلوا اخوان، ما عدنا وقت”.

نهض نائب ضابط نحيف، ونهض عسكري آخر أو رفيق حزبي يرتدي بزة عسكرية زيتوني دون غطاء رأس ومعه امرأة متدثرة بعباءة سوداء، وترجلوا ينتظرون على الأرض أمام باب السيارة. وقلت للمرة الأخيرة “اكو بعد واحد يريد ينزل؟” ساد الصمت ركاب السيارة، فيما المطر يهطل غزيراً على سقفها وعلى رؤوس الثلاثة المترجلين، والعتمة تغمر كل ما حولنا.

ثم خاطبت من نزلوا “على راحتكم، نحن راح نعبر أمامكم، وننتظركم على الجهة الأخرى من الجسر، روحوا بالسلامة”!

اعترض الرفيق قائلاً “والله أخي إحنا ما نقدر نعبر وحدنا، راح نصعد وياكم ونخليها على الله ونعبر الجسر” وتحركا صاعدين مرة أخرى للسيارة، فلم يبق إلا نائب الضابط، وتردد لحظة، ثم صعد للسيارة مرة أخرى وهو يقول” الأمر لله، توكلوا بالله”!.

وهكذا سار سائق الحافلة بها حذراً يعبر الجسر المتداع ببطء شديد. وبعد دقائق طويلة كأنها مشاهد في فيلم رعب، عبرنا الجسر بسلام، وعادت الحافلة تنهب بنا الأرض متجهة إلى كركوك.

وصلنا كركوك الغارقة في العتمة وروائح النفط والاطارات المحروقة في الساعة الحادية عشرة ليلاً، وقف السائق بالحافلة مقابل مبنى المحافظة القديم، وقال” اخوان دخول الكراجات ممنوع بسبب القصف، وهذا حدنا بالسير، تفضلوا انزلوا رجاء”!

وترجل الجميع، وانهمك كثير منهم يبحث عن سيارة توصله إلى كراج الشمال في أقصى شمال شرق المدينة، لكن الشارع بدا مهجوراً، فيما تنطلق بين حين وآخر رشقات رصاص مجهولة المصدر والسبب!؟

سرت مسرعا على الرصيف، محاولاً أن أقرر ما هي الخطوة التالية، حتى صادفني فندق أنيق، لكنه مهجورً مظلم، إلا أن مكتب الاستقبال في مدخله كان مفتوحاً ويجلس فيه موظف على ضوء شمعة. دلفت إلى المكان، وسألت الموظف، كيف أحصل على سيارة توصلني إلى كراج الشمال، أجاب الرجل بعربية ذات لكنة تركمانية أو كردية “والله سيدي ماكو سيارات، كراج الشمال خالي، هسه الدنيا ليل، ماكو واحد يطلع”.

صرت أفكر بجهد جهيد فيما يمكن عمله، آمر سرية المخابرة المقدم م. ن. ث ينتظر وصولي ليذهب في إجازة قصيرة إلى بيته في كركوك، فأنا معاونه، وأتولى قيادة السرية في غيابه. اثنان من ضباط السرية ذهبا في اجازتهما الدورية ولم يعودا رغم مرور ثلاثة أيام على غيابهما! وهذا يعني أنّهما دخلا الغياب الرسمي! أغلب الجنود وضباط الصف حين يذهبون مجازين لا يعودون، اذ لا وقود للسيارات، والطرق غير آمنة، ولا توجد اتصالات، والأهم أن الدنانير لم تعد تكفي لأيّ شيء! لذا لا تتخذ الوحدات أي إجراء بشأن الغائبين، نظراً لغرابة الظرف الذي يمر به البلد!  

عدت أسأل الموظف الساهر، كم تكلف ليلة المبيت في هذا الفندق؟

خط انسحاب القوات العراقية من الكويت صورة من PHC HOLMES, US Navy

نظر الشاب إليّ بهدوء وهو مرتبك وقال” في العادة نحن نأخذ 50 دينار على الغرفة ذات سريرين، لكن بما أنّ الكهرباء والماء والهاتف مقطوعين، فستكلفك الغرفة 30 دينارا!”

ابتسمت بمرارة وأنا أقول له: “يا عزيزي كل ما معي هو 30 ديناراً، لو اعطيتك هذا المبلغ فكيف أصل إلى وحدتي يوم غد؟”

نظر معي وقال بلهجة متسامحة “يالله ما يخالف.. جيب 15 دينار!”

قلت له بلهجة هامسة: “يا عزيزي، إنّها بضع ساعات سأنامها في غرفة مظلمة باردة بلا ماء وبلا كهرباء، صباح الغد سأسافر إلى وحدتي، سأعطيك 10 دنانير، ونحن في النهاية الجيش سور الوطن، ونعمل في خدمة العراقيين! لا بد من التسامح في هذا الظرف الصعب!”

قال بلهجة مستسلمة: “ميخالف، تفضل!”

سارعت انقدّه 10 دنانير، وأحمل حقيبتي الصغيرة ليسير أمامي وهو يتسلق السلم المظلم، إلى الطابق الأول، وفتح باب أول غرفة على يسار الممر، والعتمة تغمر كل شيء، وطلبت منه أن ينير بضوء الشمعة الغرفة لأرى أين أنا، وكيف سأنام. وحين مد الشمعة التي تركب على قنينة في يده إلى جوف عتمة الغرفة، استطعت أن أرى غرفة نظيفة أنيقة بسريري نوم، ودولابي ملابس مشيدين في داخل الجدار، وستائر رقيقة مسدلة على الشباك العريض، دلفت إلى الغرفة، وذهب الرجل.

خلعت حذاء الخدمة الذي تغير لونه بسبب الوحول والمطر الأسود، وخلعت جوربي ففاحت رائحة القدمين المتعبتين، ولا ماء نستحم به، بل لا توجد قطرة ماء تبل عطشي!

تخلصت من ملابسي العسكرية وعلقتها في أحد دولابي الملابس الذين تفوح منهما رائحة الخشب الجديد. يبدو أنّ الفندق جديد جداً.

تناولت مسدسي من غلافه، وأودعت حجرة النار اطلاقة من مخزنه، فأصبح جاهزاً للرمي، واعدت اغلاق صمام أمانه ثم وضعته تحت وسادتي. من عجائب وحدتنا أنّ مشجبها ليس فيه مسدسات، وهكذا فإنّ الضابط الذي يملك مسدساً شخصياً، كان يحمله معه كسلاح، أما من لا يملك فيبقى دون سلاح! ومسدسي هو هدية صدام حسين للضباط الجرحى، وقد حصلت عليه في إصابتي بنهاية معارك القادسية عام 1988…كم يبدو ذلك تاريخاً بعيداً، وهو ليس أكثر من سنتين!

ما برحت اطلاقات متفرقة، وصليات قصيرة تسمع في المدينة، ما ينذر بكارثة مجهول شكلها. كل المستقبل يبدو مرهوناً بقرارات عليا تصدر رغم إرادة العراقيين بناء على رغبة صدام حسين الشخصية التي لا يجرؤ أحد أن يعترض عليها، وهكذا رجعنا إلى العصور الوسطى، كما هدد الجنرال نورمان شوارتسكوف قائد قوات التحالف الدولي في الحرب ضد العراق الغازي!

وغرقت في نومٍ قلقٍ يائسٍ، متعباً، جائعاً، قذراً، يغمرني البرد والخوف من مجاهيل لا حصر لها. كان الوصول إلى وحدتي في حدود منطقة كاني بنكه شرق مدينة عربت يبدو حلماً صعب المنال وكذلك العودة إلى أهلي الذين تركتهم ضيوفا ثقالاً في بيت أقاربي بمدينة بعقوبة التي آوت أكثر من مليون هارب من العاصمة بحثاً عن الأمان من قصف قوات التحالف الدولي!

لا أعلم كم نمت، لكن أيقظني قرع هادئ مؤدب على الباب، فسألت من رقدتي: “منو؟”

أجابني صوت رجل يلتمس بهدوء: “بدون زحمة، ناولني صرة ملابسي الموجودة في دولاب الملابس، يجب أن أغادر الفندق الآن، واحتاج أن آخذها!”

نهضت من سريري، وشهرتُ مسدسي، ثم فتحت باب دولاب الملابس، وأنرت ولاعة السجائر الغازية وهي وسيلتي الوحيدة للنور والنار، فوجدت الصرة التي يتحدث عنها الرجل، رفعتها بيدي فكانت ثقيلة بعض الشيء، حملتها بيدي اليسرى، وأنا شاهر باليمني مسدسي بعد أن فتحت صمام أمانه، وفتحت الباب موارباً بلا نور، فرأيت ظل رجلٍ في عتمة الممر، يسقط عليه بصيص نور باهت لا أعرف مصدره يعرب عن شكره ويطلق بلهجة عربية مكسّرة كلمات الامتنان. ناولته الصرة فمضى لسبيله، وعدت لأنام مقلقاً مضطرباً توقظني بشكل متقطع أصوات الاطلاقات، أو أصوات أقدام مجهولة تسير بغلظة متعثرة بالعتمة في ممر الفندق المظلم!

جسلا تاش كوبرو في كركوك صورة Levi Clancy

ثم أيقظني في الصبح صوت سرفة تتحرك على الشارع الرئيسي الذي يقع عليه الفندق بمواجهة مبنى المحافظة. نهضت سريعاً إلى النافذة، وتواريت خلف افريزها بحيث لا يراني من هو خارج الفندق أو في الشارع، ونظرت فاذا هو كريدر كبير مسرّف، يسير على الشارع، ليصل فتحة الاستدارة ويعبر إلى مبنى المحافظة.

نظرت إلى الحركة في الشارع، فلم أجد شيئاً غير طبيعي، سيارات قليلة، وكثير من الناس يقصدون غاياتهم سيراً على الأقدام. قضيت حاجتي دون ماء، ولم أستطع أن اغتسل، فارتديت ملابسي، وحملت حقيبتي وغادرت الغرفة، ثم مررت على موظف الاستقبال لأشكره، فكان مكانه خالياً، وغادرت الفندق بلا وداع!

أوصلني جندي أو شبه جندي يقود سيارة عسكرية الى كراج الشمال في كركوك، وخضت بين الجموع بحثاً عن سيارة تقلني إلى السليمانية، وفجأة، دخلت الكراج حافلة تاتا هندية مسروقة من الكويت، ووقف سائقها قريباً جداً مني وهو ينادي، عربت عربت! إنه حلم، سارعت أدلف الى الحافلة، واتخذ مقعدي كأول راكب خلف السائق، وهو رجل يرتدي بدلة عسكرية مرقطة أمريكية من غنائم القطعات التي دخلت الكويت، أو محافظة النداء كما أطلقت عليها القيادة العراقية الغارقة في الظلمات والمتوارية في مكان لا يعلم به حتى الشيطان!

وما لبثت أن تحركت الحافلة وقد جمعت عدداً لا بأس به من الركاب، ثم وصلنا عربت بعد ساعات بسيارة التاتا التي لا تتجاوز سرعتها 60 كيلومترا مهما حاول السائق أن يسرع!

كان عليّ أن أسير على طول طريق عربت الشرقي الذي يغادر المدينة باتجاه حلبجة وحوض خورمال وحوض بنجوين، حتى غادرت المدينة، ووقفت عند سيطرة استخبارات المدينة، انتظر مرور إحدى سيارات وحدتنا أو وحدة قريبة تقلني الى وحدتي.

وما لبثت سيارة رئيس أركان الفرقة العقيد الركن و. العزاوي أن وقفت أمامي، ودعاني رئيس الأركان للصعود معه، فاستدرت خلف السيارة، وصعدت لأجلس على جهة اليسار خلف السائق. ودار حديث ودي بين وبينه، لاسيما أن أحد اشقائه كان زميلاً لي في إحدى وحدات الجيش إبان سنوات حرب القادسية، وأعرف والده وقد زرت بيتهم في ديالى عدة مرات. هم 6 أشقاء، كلهم ضباط، وهذا مألوف في ديالى والموصل وتكريت والرمادي.

وصلت إلى مقر وحدتي والساعة تعلن الخامسة مساء، وهكذا استغرقت رحلتي من بعقوبة إلى مصيف سراو، وهي لا تزيد عن 300 كيلومتر بخط مستقيم، أكثر من 36 ساعة!؟

ملهم الملائكة/ فصل من رواية رهائن عاصفة الصحراء

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.