تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

حياتنا بالحواس والأطراف الصناعية

فبراير 10, 2021 | 0 تعليقات

بات من المعتاد أن يعيش الناس بأجزاء “احتياطية”، عيون صناعية، نظارات، سماعات، مكبرات حنجرية، عكازات، ركب صناعية، أطراف صناعية، وبدائل الحبال الحنجرية وهي ما يصطلح عليها بالاكوستك. القائمة لا تنتهي ونحن نعيش بنصف اجسامنا الصناعية.؟

تجتاح أجهزة الاعلام اليوم حملةٌ لمكافحة الإتجار بالأعضاء البشرية، وهي حملة عززتها بقوة الحروب التي تعصف بدول في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، وبحروب العصابات في دول أمريكا اللاتينية وأمريكا الوسطى. وهنا يظهر التباين بين الغني والفقير مرة أخرى بشكلٍ سافرٍ يبعث على الحزن، فالفقراء الهاربون من جحيم الحروب والمجاعات، ليس عندهم ما يبعيونه سوى أجسادهم، الفتيات الجميلات يبعن أجسادهن، والرجال والشبان يبيعون أعضاءهم، فتعرض في السوق كلى بشرية، وقرنيات عيون، وقلوب، وعظام مختلفة، ومفاصل متنوعة، سوق من أجزاء احتياطية حقيقة، تروي قصصاً مرعبة عن اليأس البشري، وعن قدرة المال في نفس الوقت.

الأجزاء الاحتياطية في التاريخ وفي القرآن

تمثل العصي والعكازات والمقاعد المتحركة أجزاء احتياطية ومساعدة طوّرها الإنسان منذ أزمنة قديمة لتساعد قدميه وساقيه على الحركة والمشي والركض، وربما كانت العصا من أشهرها فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم” قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ” فعصا موسى باتت أشهر من نارٍ على علم، ويمكن القول إنّ الآية الكريمة نفسها هي شهادة سماوية على أهمية الأجزاء الاحتياطية التي تُعين الإنسان عند تلف أجزاء جسمه الأصلية.

الأجزاء المساعدة القديمة الأخرى أربطة الساق والساعد والمعصم والقدم، التي يعود تاريخها الى الحضارات القديمة التي كانت تُستعمل لشد هذه الأعضاء بقوة ، خاصة لدى الرجال أثناء الصيد والقتال والرياضة.

وقد يندرج تحت وصف ما نحن فيه، ما عرف بحزام العفّة في العصور الوسطى، وهو حزام معدني ، يمنطق به فرسان الهيكل الذين يذهبون الى الحروب الصليبية فروج نسائهم، فلا يتيح لهن سوى قضاء حاجات التبول والتغوط، ويمنعهن من مقاربة الرجال.

وانتشرت بعد الحرب العالمية الثانية خاصة صناعة الأجزاء الاحتياطية، من أذرع وسيقان وأقدام، وعظام بديلة، وعيون صناعية زجاجية. في البداية كانت تلك الأجزاء جامدة لا حراك فيها، ثم توالت التجارب لصناعة أجزاء متحركة، واستفاد ملايين جرحى الحرب العالمية الثانية من أطراف صناعية يسّرت لهم الحياة اليومية، وجعلتها أمراً ممكنا.

العوينات الطبية باتت جزءاً من حياة الناس لا يشعر به أحد

أسنان ذهبية وأخرى سامّة!

طوّرت البشرية أجزاء احتياطية صناعية، ويرجع تاريخ أول تلك الأجزاء الى العصر الفرعوني، حيث عرف الفراعنةُ الأسنان الذهبية التي جعلوها تيجانا لأسنان حقيقية مأخوذة من الموتى بدلاً عن الأسنان التالفة، كما كشفت لقى ومومياوات عُثر عليها في مراحل تاريخية متفاوتة. وقد عرفت البشرية انواعاً من أطقم الأسنان الاصطناعية، منها ما صنع من الخشب، وانواع الفخار، بدءاً من القرن السابع الميلادي، وصولا الى رقائق بولميثيلين سيتات المتداولة اليوم، والتي سبقها جيلٌ من الأطقم كان يصنع من مواد بتروكيماويات احتوت على آثار سمية، لذا كان اطباء الأسنان ينصحون مرضاهم، بضرورة نزع اطقم اسنانهم وحفظها في قدح ماء وملح طيلة الليل لأنّ ذلك” سيقضي على البكتريا الضارة التي تنشأ حولها” على حد وصفهم، دون أن يُعلموا مستخدمي تلك الأطقم أنّ فيها آثارا سمية !

الأسنان الصناعية وملحقاتها اليوم تمثل منجزاً طبياً تقنياً ينقذ مليارات الناس الذين يفقدون أسنانهم بسبب إهمال تنظيفها، أو بسبب الحوادث، أو بسبب تقدم العمر، وهو أمر حتمي غالباً. ولولا هذا الاختراع بوسعنا أن نتخيل كم من الفتيات والشبان سيفقدون فرص زواج مشرف متكافئ لأنهم فقدوا أسنانهم في سن مبكرة بسبب الإهمال مثلا؟

ولا يفوتنا أن نلحظ كيف سيُحرم أغلب الناس من هنيء الطعام ولذيذه لعدم امتلاكهم أسنانا، خصوصا أننا نعيش ثورة الشوكولاته والسكريات والمثلجات والعصائر عبر العالم، ما يفاقم مخاطر فقدان الإنسان لأسنانه في سن مبكرة.

حزام العفة الذي كانت ترتديه نساء الفرسان الصليبيين في القرون الوسطى لتأكيد وفائهن لأزواجهن

عيون صناعية وعيون للبيع!  

شاعت ضمن عمليات بيع الاعضاء البشرية تجارة العيون، وعمليات بيع القرنية، وهي اجزاء حساسة ظلّت عصيّة على العلم وباتت اليوم عمليات زراعتها متداولة يمكن انجازها في كثير من مشافي دول العالم شرقا وغرباً.

الأجزاء الاحتياطية الأخرى المرتبطة بالعيون هي النظارات الطبية، والنظارات الشمسية، التي تطوّرت اليوم الى العدسات اللاصقة بأنواعها. ومع تطور عدسات النظارات الطبية عبر العالم وتطور إطاراتها، سعى المختصون الى تقريب قدرة عدسات النظارات من قدرات العين البشرية الحقيقية، وظهر ما يعرف ب”ملتي فوكال” عدسات، وهي التي تؤمّن النظر من بعيد والنظر من قريب والقراءة واستخدام الكومبيوتر والهاتف الذكي وقيادة السيارة ومشاهدة التلفزيون، كلها في نظارة واحدة، وكل هذا جميل، لكنّ الأسعار ليست جميلة دائما، لأنّها تبدأ من خمسين دولار للعدسة الواحدة، وصولا الى 500 دولار ! وهذا ما لا يتيسر للجميع الحصول عليه، لكنّ الأمر لم يعد مقصورا على الأثرياء وسكان القصور، فبوسع القطاع الأكبر من الناس الحصول على هذه العدسات. وتعرض مواقع على النت، وخاصة الأمريكية منها تشكيلات عدسات متنوعة كبيرة وبأسعار مغرية، لكن شراءها وتركيبها يحتاج الى مختصين وخبراء تكلّف أتعابهم مبالغ باهضة. العدسات الزجاجية هي الأرخص، والعدسات البلاسيتكية بخدماتها الخاصة وطلائها العاكس للضوء، أو الزئبقي الملوّن هي الأغلى دائما، بسبب خفة وزنها وطول عمرها.

أغلب الناس اليوم يستعملون أسنانا صناعية

التيتانيوم لصناعة سفن الفضاء وإطارات النظارات !

وبقدر أكثر خطورة تطورت صناعة إطارات النظارات، وصارت تتبارى في قوة الإطار  وخفة وزنه، وهي عناصر حاسمة في الإطار اليوم، وتستخدم لهذا الغرض معادن تيتانيوم، وبيتا تيتانيوم ومونيل وبيريليوم، والأسعار ترتبط بنوع المعدن وشكل الإطار، فالأغلى دائما هي المستديرة المصنوعة من معادن التياتنيوم وبيتا تيتانيوم. ولكنّ محلات صناعة العوينات تقدم عروضا مغرية، بانتساب سنوي أو دائم يدفعه المستخدم، كتأمين مستديم عن نظارته، وهكذا يضمن الزبون أنّ المحل سيصلح النظارات ويساعد في تطويرها ماليا. والحديث هنا يشمل نظارات طبية وشمسية قد تصل أقيامها الى ألوف الدولارات.

لا ننسى هنا، أنّ ملايين الناس يولدون بعاهات بصرية مبكرة، تحتم عليهم ارتداء العوينات وهم في الثالثة من عمرهم، تقنيات صناعة النظارات الحديثة جعلت من قدرة الإبصار شبه الطبيعي أمراً ممكنا وبكلف مقبولة، ولنتخيل لو أنّ هذه الخدمات لم تتطور بهذا المستوى، في ظل النمو السكاني البشري الاستثنائي الذي ميز القرن العشرين والألفية الثالثة، ما مصير ملايين الناس المولودين بعاهات بصرية؟ الجواب الكئيب هو : العيش طيلة أعمارهم مكفوفين لا يبصرون، فأي مأساة كانت تنظرهم لولا العيون الاحتياطية وما يتعلق بها.

الحروب خلقت عروض الأجزاء الأحتياطية !

مجلة “أوَيك” الأمريكية نصف الشهرية العريقة واسعة الانتشار التي توقفت عن الصدور عام 2005، نشرت في عددها الصادر يوم 22 ديسمبر 1949، لائحة بالأجزاء الاحتياطية التي انتشرت محلات وعيادات تداولها في الولايات المتحدة وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. سلّط المقال الضوء في وقت مبكر على  عمليات تبديل الأعضاء التالفة، كاشفاً عما عرف ب”مصرف العيون” والذي كانت تخزن فيه قرنيات العيون من بشر فارقوا الحياة توا، بعد أخذ موافقتهم أو موافقة ذويهم على نزع العيون لمنحها لمرضى. كان هذا يجري ابتداء من عام 1945 بسبب مئات آلاف الجنود والمواطنين الذن فقدوا عيونهم في المعارك أو القصف الجوي الذي طال العواصم والمدن الأوروبية، أو بسبب كبر السن أو الأمراض ومنها التراخوما.

كما تطرق المقال الى ” فترينات العظام” التي انتشرت في نيويورك خاصة حيث كانت تحفظ فيها العظام والمفاصل والأضلاع وفقرات الظهر والرقبة في زجاجات مغلقة، حتى تأتي الحاجة لاستخدامها، وتطوّر الأمر الى تخزين غضاريف الأنف والأذن والركبة والكوع وكل الغضاريف الأخرى.

القلب العاشق يمكن استبداله !

وفي مجال القلوب، نجح البروفسور كريستيان بيرنارد في جنوب افريقيا في إجراء أول عملية نقل قلب لمريضة عام 1967. العملية نجحت بشكل ساحق، لكن المريضة توفيت بعد 18 يوما، بسبب ضعف جهاز مناعتها وإصابتها بذات الرئة. وفي عام 1982، نجح روبرت يارفيك في صناعة أول قلب صناعي، وزرعه بنجاح للمريض بارني كلارك بعملية رعتها جامعة اوتاوا الامريكية. حمل القلب اسم Jarvik 7 على اسم صانعه. وهكذا حُرم العشاق من حلمهم الوردي بإهداء قلوبهم الى حبيباتهم، فالقلب الصناعي يمكن إهداءه ونقله وتغيير حتى ألوانه.

زراعة القلوب الصناعية باتت تقنية معروفة

ونبقى في جهاز الدوران وأجزائه، فخلال الحرب الكونية الأولى، وباشتداد الحاجة الماسة الى الدم، لتعويض دماء النازفين في كل مكان، ظهرت فكرة مصارف (بنوك) الدم، وكان أولها قد أنشيء عام 1917، حيث شرع أطباء الجيش البريطاني بجمع الدم من صنف “أو” خاصة واضافة محلول ستيرات الكلوكوز له لمنع تخثره، تحسبا لمعركة كمباري. بنوك الدم اليوم تخزن كميات كبيرة منه، ويتبرع لها أغلب الناس مجانا مقابل حق الحصول على دم مجاني عند حاجتهم أو أي من أهلهم وذويهم الى دم فوري.

لكنّ العلماء طوروا بديلا بدائيا يمكن أن يعوض الجسد جزئيا وبشكل مؤقت عن فقدان الدم، وهو سائل قادر على حمل الأوكسجين خصوصا، ولفترة زمنية قصيرة، لتدارك المواقف المهلكة التي يفقد فيها جسم الإنسان الدم بشكل سريع، لكنّ السوائل المتداولة حتى الآن عاجزة عن تعويض الهيموغلوبين والبلازما، وتفلح في حمل الأوكسجين حسب ما ذكر مركز السرطان الأمريكي.

النساء يبحثن عن أجزاء احتياطية ذات أثر جمالي!

شهدت العقود الثلاثة الأخيرة قفزة في صناعة وسوق الأجزاء الاحتياطية التي تدعم أنوثة النساء، فالأهداب الساحرة التي تكبّر العين وتقربها من وصف “عيون المها” التي تاه بها الشعراء، والعدسات اللاصقة التي تُغير لون العين، والأظافر الطويلة الرقيقة التي تظهر رشاقة الأنامل، والشعر المستعار الصناعي، والشعر المستعار الحقيقي كلها باتت بضائع رخيصة الثمن، وتتداولها بنات المدارس المراهقات كحاجات يومية بأبخس الأسعار. وليس بوسع المرء اليوم الا التعجب لهذا التطور الذي جعل من هذه الأشياء وقائع متداولة بعد أن كانت قبل بضعة عقود مجرد أحلام تراود عقول النساء لا يملك أحد أن يأتي بها الى أرض الواقع.

لكن الاخطر أنّ تطورات علمية كبيرة تجري منذ أربعة عقود مكّنت الناس من تغيير لون بشرتهم، وأشهر مثال على ذلك هو ” مايكل جاكسون” الذي غيّر سحنته من السواد الأفريقي الى البياض الأوروبي الشفيف، وتتضارب الروايات عن ذلك، ففيما ينسب الى مدير أعماله القول “إنّ البياض الذي غيّر لون بشرة مايكل جاكسون هو مرض البرص، مايكل كان مريضاً”، تشير في المقابل تسريبات صحفية غير رسمية نشرتها صحف بريطانية وأمريكية على مدى عقود، الى أنّ مايكل أجرى عمليات قصر لون البشرة بمبلغ وصل الى 20 مليون دولار، ونجح في تغيير لون بشرته، وتصغير شفتيه، وتسريح شعره.

واليوم تتبارى الممثلات والمطربات وعارضات الأزياء في استخدام مادة البوتوكس لتغيير ملامح وجوههن، لدرجة باتت النساء متشابهات، وفي العالم العربي يتحدث الجميع عن هيفاء وهبي ونانسي عجرم وشيرين وآثار العمليات على وجوههن، فيما اشتهرت في الغرب الممثلة جيني ماكارثي التي نجح البوتوكس في إظهارها بعمر يصغر عمرها الحقيقي بثلاث عقود، أما الممثلة لوري لوغلين فقد غير الحشو الأصطناعي تحت عينيها شكلهما الى لوزيتين جميلتين.

استخدام البوتيكس في التجميل بات جراحة سهلة متداولة

لكنّ الأمر تجاوز استخدام الأجزاء الاحتياطية في الوجه، الى توظيف أجزاء احتياطية في الجسم، وقد اختطفت المغنية نيكي ميناج الأضواء بكثرة عمليات السليكون التي أجريت على جسدها لدرجة أنّ قياسات الجسد باتت تثير تعليقات حول جماليتها، وبذلك دخل السليكون والبوتكس في مجال صناعة وتطوير أجزاء الجسد البشري.

واذا اردنا أن ننقل كل هذه الأجزاء الى العصر الرقمي، وعالم السايبر، فإنّ الأجهزة الرقمية وبرمجياتها اليوم باتت أجزاء قد تحل محل العقل البشري، وليس بعيداً أن نرى توظيفا لأدمغة العلماء والناس خارقي الذكاء من خلال إعادة صنعها في العالم الرقمي ثلاثي الأبعاد يما يجعلها في متناول الجميع، بمعنى أنّ من يعاني من أزمة تتعلق برغبته في انشاء بيت يقيم فيه فوق مساحة أرض صغيرة، ويبحث عن اجابات وحلول قد تنقذه مما هو فيه، يمكن أن يزور المختبر الفلاني، ويدفع نحو 30 دولار ثمنا لاستشارة “ذكية”، فتوضع معطياته في عقل ستيفن هوكينغ الإلكتروني، ويأتيه الجواب خلال ثوانٍ ، فيخرج ليطبّقه مستعينا بقدرة أذكى عقل تعرفه البشرية اليوم.

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *