تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

حلم صدام حسين المرعب

مارس 20, 2022 | 0 تعليقات

جلس ر. و.ك. في كرسيه المتحرك في صالة البيت المريحة، وجلست أنا على كرسي بإزائه، فيما جلست بيننا فيفيان حلبي لتتولى الترجمة بسرعة.

قال ر. وهو ينظر إلي من خلال نظارته بمكر: أنا في العادة لا أروي تفاصيل سياسية، لكن ما سأقوله الآن، له علاقة بحديثنا. ففي ديسمبر 1979وبعد أن تولى صدام حسين السلطة، وبعد حفلة قاعة الخلد الدامية السرية – الشهيرة التي قضى فيها على قيادات حزب البعث المنافسة له، زار أبو عدي فجأة مركز المشروع النووي العراقي في التويثة، وفوجئ الفريق العراقي الفرنسي الإيطالي بموكب من سيارات مرسيدس بنز السوداء (وكانت سيارات مرسيديس السوداء مختصة بصدام حسين وحُصر استيرادها في العراق لأغراضه فحسب)، ويخترق الموكب المرعب المجمع الحصين ويصل إلى منطقة قريبة من قلب المفاعل، وهو موقع لا يسمح في العادة لأي سيارة بالوصول إليه.

ترجّل صدام حسين بقامته المديدة وأناقته الباذخة، وترجل معه عشرات المسلحين الأشداء وانتشروا وأغلقوا المنافذ والمداخل إلى المكان، فيما سارع كلّ من صباح مرزة المرافق الأقدم، ومساعده أرشد ياسين، إلى فتح باب مكتب مدير عام الموقع، وتقدموا ليفسحوا الطريق للرئيس ومن معه. ولكي لا أطيل رواية التفاصيل، فقد طلب صدام حسين من المهندسين والعلماء العراقيين الذين حضروا الاجتماع، موعداً نهائيا لتسليم البلوتونيوم لإنتاج قنبلة نووية، لكنّ الفريق وأعضاءه، ولم يكن خضر حمزة الشهير معهم بل في الولايات المتحدة الأمريكية في دورة تتعلق بعمله، عجزوا أن يضعوا موعداً حاسماً بسبب تعقيدات وصعوبات المشروع. وكان هذا الموقف واحداً من أسباب إيداع عالم الفيزياء النووي العراقي حسين شهرستاني في السجن.

عودة إلى التفاصيل التقنية، استمرت شركة سنيا التي مقرها في روما بإرسال الأجهزة والمعدات إلى العراق، ومن بينها مختبرات ومواد كيماوية تساعد على إنتاج البلوتونيوم من قضبان اليورانيوم، كما استمرت لقاءت العراق مع ألمانيا والبرازيل لضمان استيراد المزيد من اليورانيوم، والتعاقد على شراء مزيد من المفاعلات النووية. وطبقاً لتقرير صدر عن استخبارات الجيش الإسرائيلي في نفس العام، فقد تعاقد العراق مع البرازيل لبناء تسعة عشر مفاعلاً نووياً، بعضها لتوليد الطاقة الكهربائية، وبعضها الآخر لإنتاج القنابل النووية.

توقف ر. عن الكلام، وتوقفت فيفان عن الترجمة، قال ر.: أشعر بعطش شديد، كونوا ضيوفي لنشرب شيئاً بارداً.

تحرك بكرسيه المتحرك أمامنا وهو يقول: تفضلوا اتبعوني، واجتزنا الصالة إلى باب زجاجي، فتحه الرجل بريموت كونترول مثبت على كرسيه المتحرك، فظهرت حديقة شتوية جميلة، ودافئة رغم برد برلين وسماؤها الملبدة بالغيوم والممطرة دائماً. واستقر متخذاً موقعه حول طاولة بيضاء عليها أصيص ورد عملاق تتدلى العرائش وزهور البنفسج والشقائق الحمراء والبيضاء الرائقة من أطرافه إلى الطاولة ومنها إلى أرض المكان. وأشار لنا أن نجلس قبالته، ولم يكن هناك سوى أرجوحة إمبراطورية التصميم، بفرش قرمزي اللون مخملي النسيج، فاتخذنا مقاعدنا فيها أنا وفيفيان.

ضغط ر. زراً على ذراع مقعده وهو يسألنا: ماذا تشربان؟

ظهر شاب في مقتبل العمر يلبي نداء صاحب البيت فيما شرعت فيفيان تطلب عصير فاكهة شتوية، في حال توفره، وبادرتُ أطلب منه كوباً كبيراً من كاباتشينو، وطلب الرجل لنفسه كوكتيله اليومي من عصائر الفاكهة. وحال أن سمعت فيفيان طلبه، عدلت عن طلبها وبادرت هي الأخرى تطلب نفس الكوكتيل.

حاوت أن استفيد من المناخ الذي خلقه المكان الساحر، فسألته عن مستوى دقة المعلومات التي يدلي بها إلينا بهذه الأريحية المميزة، ونقلت له فيفان ما قلت، فابتسم وهو يقول : حتى لو لم تكن المعلومات دقيقة، فلن تجد أمامك مناصاً عن قبولها، ليس لديك في هذا الوقت سواي مصدراً للمعلومات بهذا الشأن! ثم ضحك متخابثاً وهو يقول “سياسة الأمر الواقع”…وقهقه بشببه اعتذار وعاد يقول: لكن بوسعي أن أوكد لك هنا أنّ ما أقوله دقيق تماماً، وستكتشف أثناء إعدادك للبحث مستوى الاعتمادية والصدقية لحديثي.

شربنا طلباتنا، ونحن نتجاذب الحديث عن الحديقة الشتوية وجمالها وفوائدها، فعرض أنه يعشق أن يعمل في هذا المكان بيده، وهو يحافظ على الحديقة منذ سنوات طويلة بنفسه، رغم صعوبة بعض الأعمال فيها.

مصدر المعلومات عالم عراقي فرنسي

وما لبث أن سألني: هل لديك مانع في أن نجري حديثنا في هذا المكان؟ إنه آمن، والجانب الآخر من جدار الحديقة متصل بحديقة الجيران، وتغطي جداره طبقتين من الزجاج العازل للصوت.

أجبته بالإيجاب، وعدنا لجلسات حديثنا السرية، فبدأ يتكلم وشرعت أسجل وأخذت فيفيان تترجم:

السيد ر. : كان رباح سالم رباح، مهندساً نووياُ فرنسيا من أصل عراقي، يعيش مع زوجته مديحة، ويتبع عادات منتظمة في حياته، فهو يأخذ نفس الحافلة بنفس التوقيت، يتبعها نفس المترو بنفس التوقيت ليجتاز باريس وصولاً إلى عمله الذي لا يحبه، لكنه لا يجيد غيره. رباح كان ً يعمل في مفاعل سارسيليه النووي الفرنسي.

ربما كانت أهم مفاجأة في حياة رباح الوحيد المتردد الخجول، هي لقاءه بنيكولا موراي. وبدأ اللقاء صدفة، حيث كان رباح  قد ترجل تواً عائدا من عمله بعد أن قطع باريس كلها تقريبا بمترو الأنفاق، وما إن وقف في موقف الحافلة التي تأخذه كل يوم بنفس الوقت إلى البيت، حتى انتبه إلى رجل أنيق وسيم قد أوقف  سيارته الفيراري الحمراء قرب موقف حافلته المعتاد وهو يتلفت. وبعد برهة، اقترب الرجل من رباح وسأله إن كان يتكلم الإنكليزية، ابتسم رباح وهو يجيب مترددا أنه يتكلم الإنكليزية ولكن مع بعض الأخطاء، فعاد الرجل يسأله إن كان قد لاحظ وجود شقراء تنتظر أحداً في الموقف، فنفى رباح ذلك، ثم شرع الرجل يتحدث عن صعوبة أن يتجول المرء في باريس وهو لا يتقن الفرنسية، فالفرنسيون رغم اتقانهم الانكليزية غالباً، يرفضون الحديث إلا بالفرنسية. وبعد نحو 5 دقائق من تبادل الحديث، عرض الرجل على رباح كارته الشخصي، كاشفا أنه يعمل لشركة إنكليزية، ثم عرض إيصاله إلى بيته أو إلى محطة قريبة من بيته بعد أن يأس من وصول الشقراء.

 رباح الذي لم يركب طيلة عمره في سيارة رياضية، حدث ولا حرج هذه الفيراري المذهلة الحمراء، لم يفكر، بل سارع بقبول دعوة الشاب الوسيم نيكولا راسماً على وجهه ابتسامة عريضة.

جلّ حديث نيكولا خلال الرحلة القصيرة دار حول عن النساء وحول أهمية المال في انشاء علاقات مع الجميلات منهن؟ وحين اقتربت السيارة من الشارع المؤدي إلى بيته، طلب رباح الترجل، مبدياً عميق شكره لنيكولا، وافترق الرجلان بعفوية لا يشوبها جدل، لتقوم بينهما صداقة وثيقة تكررت فيها جولاتهما بالسيارة برفقة شقراوين، وفي سهرات بأماكن خلابة.

بالنسبة ل د. أ.، مدير مكتب الموساد في باريس آنذاك، كان رباح سالم رباح، خير شخص يمكن أن يدعم بحثه المتهافت عن عراقي مطلع على تطورات الملف النووي العراقي، من خلال قائمة بأسماء العلماء والخبراء النوويين العراقيين العاملين في مشروع أوزيراك بمحطته الباريسية، والتي حصل عليها الموساد مشفرة من مكتب تل أبيب.

وجّه د. ضابطاً ميدانياً لمراقبة رباح لمدة أسبوع من لحظة خروجه من المفاعل الفرنسي، حتى ركوبه مترو الانفاق وصولاً إلى المحطة التي يترجل فيها ليأخذ الحافلة إلى بيته. وتولى ضابط ثانً مراقبة ومتابعة رباح من محطة الحافلات إلى بيته. بعدها قام فريق من المختصين بزرع أجهزة تنصت في شقته، بل وزرع الفريق كاميرا مراقبة تلتقط له صوراً في غرفة نومه، واكتشفوا من خلالها أن رباح لم يكثر من معاشرة زوجته، بل كان كثير الاستمناء.

قاطعتُ محدثي برهة بسؤال: سيد ر. هل هذه معلومات أم استنتاجات؟

ضحك السبعيني المُقعد الصعب وهو يجيب: إنها معلومات يا عزيزي، معلومات موثّقة بأسماء، وقد لا تكون كلّ الأسماء حقيقية مراعاة لسلامة المعنيين، لكنّ الوقائع كلها حقيقية. وفيما عاد ر. يسرد سلسلة الأحداث المثيرة الغامضة، وتترجم فيفيان ما يقول وأسجل على هاتفي الذكي تلك الإفادات الثمينة، سرح فكري لحظات في مدى المتبقي خافياً من وقائع الملف النووي العراقي في محطته الباريسية، ولمع في خاطري تصورٌ غامض عن حجم المبلغ الذي بذله موسى حنون لهذا الرجل ليفتح عقدة لسانه!  وعاد يروي حكاية رباح ومغامراته ودوره في الملف النووي العراقي:

في الصيف التالي على تعارفهما، رحلت مديحة إلى أهلها لمدة شهرين، واستغل نيكولا الفرصة لتعميق علاقته برباح. ثم رتب نيكولا في ليلة سبت لقاء شبه عفوي جمعه وصديقه رباح مع “اسكورت غيرل” فرنسية دأب جهاز الموساد على التعامل معها، وافتعل نيكولا سانحة تجبره على مغادرتهما، ليبقى رباح مع ماري الساحرة المحترفة. وانتهت بهما السهرة إلى بيت رباح، حيث أمضى الاثنان ليلة ملتهبة على فراش الزوجية بمخدع رباح وزوجته المسافرة. في الصباح، استيقظت ماري قبل رباح، وتجولت في الشقة بهدوء، ثم أخذت دوشاً، وذهبت إلى المطبخ وأعدت لهما فطوراً يليق بجهد الليلة المخملية الكبير.

استيقظ رباح وتناول افطاره الشهي مع ماري نصف العارية في شقته. وبعد الإفطار، اشتهاها مرة أخرى فأخذها إلى غرفة النوم، وضاجعها للمرة الرابعة، وهو ما لم يفعله قط مع زوجته طيلة سنوات زواجهما. وغادرته ماري، وهو يظنها صديقة لأنها لم تتقاض منه أجراً.

وهكذا تأسست بين الثلاثة علاقة وطيدة، قادت بعد أسبوعين إلى أن يُشرك نيكولا رباح في صفقة حاويات اشتراها من وكالات تجارية فرنسية، الصفقة تضمنت 400 حاوية شحن مستعملة، اشتراها  نيكولا بثمن زهيد جدا، بقصد طلائها واعادة تصديرها إلى دولة افريقية فقيرة تستعملها كصفوف للمدارس وكابينات ملحقة بالمعسكرات والدوائر الرسمية.  واستطاع رباح أن يجد له عمالا من المهاجرين المغاربة والأفارقة والجزائريين لا يملكون اقامات، ويرضون بأي أجر. وانجز العمال طلاء الحاويات وترميمها خلال أسبوعين، فباعها نيكولا إلى منظمة مرتبطة بالأمم المتحدة بمبلغ كبير، ومنح رباح 3000 مارك فرنسي لجهوده المفيدة، ليكون شريكاً في العمل بشكل شبه دائم.

بعد نصف عام من هذه العلاقة التي تخللتها صفقات مربحة دائماً، كشف نيكولا  لصديقه رباح الذي سبق أن قال له إنّه موظف إداري في وكالة الطاقة الذرية الفرنسية أنه يعاني من مشكلة قد تكلفه مبلغا كبيرا، إذ سبق له أن تعاقد مع شركة ألمانية لشراء صناديق مطلية بالرصاص، لشحن مواد طبية مشعة إلى الهند، لكنّ الخبير الإنكليزي المختص بفحص الحاويات المغلونة بالرصاص، والذي كنت تعاقدت معه على انجاز الصفقة، قد تراجع عن العرض بعد أن اشترى الصناديق مطالباً بأجر باهظ، وبات نيكولا الآن في وضع صعب قد ينتج عنه خسارة كبيرة جداً، لذا هو يفكر أن يرشح له رباح واحدا من خبراء المفاعل الفرنسي ليتولى المهمة مقابل مكفأة مجزية. فسارع رباح عارضاً مساعدته، فأبدى نيكولا استغرابه، متسائلا كيف بوسع موظف إداري المساعدة في فحص وشحن صناديق لمواد مشعه؟ فكشف رباح سالم رباح، أنه مهندس نووي، يعمل على مشاريع العراق النووية مع فرنسا، وكانت تلك المكاشفة “مفاجأة” لنيكولا !

ثم انتقل المشهد إلى مدينة كولونيا غرب ألمانيا الغربية، حيث اصطحب نيكولا صديقه رباح، للقاء ممثلين عن الشركة الألمانية التي باعت الصناديق، وبعد لقاء غذاء، جمع الأربعة، ذهبت المجموعة لفحص الصناديق الموعودة . وأجرى رباح فحصاً على 20 صندوقٍ معدة لنقل المواد المشعة مرتبة في مخزن خارج المدينة،  وأيد سلامتها وكفاءتها للعمل. وانتهى اللقاء بثلاثة آلاف فرنك أخرى دفعها لرباح نقدا صديقه الكنز نيكولا.

أثمر تشابك المصالح بين رباح ونيكولا، في أن يعرّفه نيكولا على تاجر فرنسي ينوي تصدير تقنيات نووية إلى ليبيا. وأعرب التاجر عن رغبته في الاستفادة من خبرة رباح في هذا المجال، فتعجب رباح كيف يمكن أن يستفيد التاجر من هذه الخبرة؟ ورد الرجل أنّه لا يعرف بالضبط شكل المفاعل الذي تريده ليبيا لأنه لم يسبق له التوسط في بيع مفاعل، ويفكر أن يفاتحهم بنموذج محدد كي يكون في موقع العارف المتأكد من عرضه، وبذا يضمن لنفسه نسبة أرباح عالية. وقال لرباح، إنّ النموذج الذي تعده فرنسا للعراق يمكن أن يكون نفس النموذج الذي تطلبه ليبيا. وبالتالي فإنّ قيام رباح بشرح وتوصيف ورسم أجزاء المفاعل العراقي، قد يساعده إلى حد كبير على تقديم نفس المخطط إلى ليبيا وبذا يضمن لهما (رباح والتاجر) ربحا كبيراً.

ذُهل رباح، وجحضت عيناه، وهو يتطلع إلى محادثه، وانتابه شحوب كبير، فقال: أنا مرتبط بعقد عمل مع العراق، والاستخبارات العراقية لو علمت بما أفعله معكم، ستمحو حتى أثري من سجل النفوس في العراق. ونهض متثاقلاً، وهو يمسح عرقاً تخيل أنه يسير من جبهته على وجهه، وقال: آسف جداً، هذا صعب عليّ جدا، أنا لدي عائلة وبيت في الموصل، ولا يمكنني أن أجازف بكل ما بنيته في حياته، بعرض من هذا النوع. وأسرع يغادر المكان مصافحاً نيكولا والرجل الآخر.

ولكن مكتب الموساد في باريس، كانّ مصمماً أن يمضي في الشوط حتى نهايته، فقد أنفقت إسرائيل على مشروع العميل الخارجي رباح سالم رباح مبالغ باهظة، ولا يمكن التراجع في هذه المرحلة. واقترح داني ش. وهو ضابط ارتباط يعمل بين العواصم الأوروبية أن تلجأ الموساد إلى أسلوب التهديد، وهكذا جرى ترتيب لقاء بينه وبين ماري الفرنسية التي قضى معها أحلى ليالٍ، في فندق هيلتون باريس، وقضت ليلة معه، فيما تولت عدة كاميرات التقاط عشرات الصور لهما، وهما في مختلف الأوضاع.

ثم تلقى رباح اتصالاً هاتفياً من مجهول يرغب في لقائه، وإلا أرسل لزوجته ” مديحة” صوراً له وهو في أحضان ماري الفرنسية. أصابه الاتصال برعبٍ شديد، وبات يفكر كيف سيكون الوضع لو عرفت بالأمر زوجته مديحة التكريتي القريبة من أسر المسؤولين العراقيين؟

بعد يومين، جاءه اتصال على رقم هاتف بيته من مجهول آخر، يطالبه بحسم الأمر الليلة الساعة 9 في صالة استقبال فندق هيلتون باريس، ولقاء المجهول وإلا ستصل الصور صباح الغد إلى زوجته في البيت، وذكر المتحدث المجهول له عنوان البيت بالتفصيل !!

شعر رباح فجأة أنه محاصر، فاتصل بصديقه نيكولا، لكنّ هاتفه لا يرد. وتوالت الساعات عليه مثل نصال تطعن ذاكرته، وتصيب كيانه في مواضع لا خلاص منها. في السابعة، عقد العزم أن يرفض طلبهم، معتبرا الأمر كله مجرد دعابة ساذجة لابتزازه.

مع اقتراب الساعة الثامنة، أدرك في داخله أن لا خيار أمامه سوى الرضوخ، بانتظار الخطوة التالية، وقد يمكنه تسوية الوضع بمبلغ مالي، هو يمتلك الآن ثروة مودعة في المصرف، وقد يمكنه ترضية المبتزين بشكل ما. ارتدى ملابسه على عجل وأخبر زوجته أنه ذاهب للقاء عمل في غرب باريس، واكترى سيارة أجرى وذهب إلى موعده المخيف.

دخل صالة استقبال فندق هيلتون باريس، فاحتوته غيمة عطور فاخرة، تتخللها نكهات السكائر والكحوليات وعشرات العطور الأخرى، ودفعه دفء مفاجئ أن يخلع معطفه المطري ويتأبطه، متأملاً وجوه الناس حوله، ومر بصره على رجل في منتصف العمر، يجلس إلى أريكة حمراء فسيحة، وبيده مغلف أسمر اللون، وصحيفة وضعهما في حجره، وما أن التقت عيناهما حتى رفع الرجل يده الحرة ملوحاً بالسلام، فاتجه رباح إليه، واقترب منه، فنهض الرجل ماداً يده بود، ومد رباح يده ببرود بوجه عبوس كئيب، محاولا أن يبدي صرامة قد تضع حداً لموقف لم ير مثله سوى في أفلام السينما.

جلس الرجلان على الأريكة الواسعة، فسارع الغريب بالبدلة الرمادية والشعر المموج المصبوغ بلون بني يقدم نفسه بالقول باللهجة الموصلية العراقية : سليمان قمحي، ضابط ارتباط مكتب الموساد الإسرائيلي في أوروبا.

صعق رباح من صراحة الرجل الغامض، وبهت فاغراً فمه ينتظر منه الخطوة التالية.

قال سليمان: آسف لأني كلمتك على الهاتف بخشونة عصر اليوم، والسبب امتناعك عن الاستجابة، أنا عراقي مثلك، لكني إسرائيلي قادم من الشتات العراقي، ولهذا أقوم بهذا العمل، ولا آمل أن أضرك بأيّ شكل، فنحن في النهاية أولاد وطن واحد.

قال رباح متهكماً: لا تريد أن تضرني، وتريد أن ترسل إلى زوجتي صوراً فاضحة لي (مشيراً إلى الظرف أسمر اللون الذي يحمله سليمان مع الصحيفة).

ضحك سليمان قمحي، متغابياً ومبدياً دهشة مشوبة بالاعتذار وقال باللهجة الموصلية: أوه، أنت واهم يا عيني، اقشع (أنظر)، هذا الزغف (الظرف) فيه تصاوير ماغي (ماري) المليحة. وعرض صوراً لماري لوحدها في أماكن مختلفة وملابس مختلفة، بينها صور في غرف أنيقة وقد تمددت الغانية الجميلة على سرير فسيح أنيق كاشفة عن جسد عارٍ مثير، لا يستره سوى بكيني خيطي أصفر اللون! وسلّمه الرجل الظرف والصور والصحيفة ليتأكد بنفسه من حسن النية!

فهم رباح الرسالة، وفهم سبب الأدب الجم الذي يبديه الضابط الموصلي الإسرائيلي ليقوم بالمهمة، وأدرك في لحظة تجلٍّ كئيبة أنّ الخيارات محدودة أمامه، وعليه أن يتقبل عرضهم بما يشبه الرضا، ولكنه قد يستطيع المناورة ليتنزع منهم مكافآت جمة قد تغير حياته إلى أبد. فقال: طيب ماذا تريدون بالضبط؟

بسيطة يا حبيبي، أنتَ في داخل المشروع النووي العراقي، نريد منك تفاصيل المشروع، ومعلومات عن أجزاءه التي نقلت والتي سوف تنقل إلى بغداد، ومعلومات عن احتمالات إتمام المشروع، وتضاحك الرجل راسماً على وجهه تعبيراً سمحاً وقال: ثق يا عزيزي أننا لسنا بخلاء كما يشيع عنّا وعن أهل الموصل الطيبين الأجاويد، بل سنكون معك بمنتهى الكغم (الكرم).

رد رباح مرعوباً لشدة صراحة الرجل الجالس إزاءه: وماذا يضمن لي أنكم لن تهددوني مرة أخرى بعد أن تحصلوا على ما تريدون؟

لا يا عزيزي، هذا ليس أسلوبنا، ما نغيد (لا نريد) نحرجك وما لِنا مصلحة بذلك

عاد رباح ليسأل: كيف أضمن أنه لن يأتني شخص غيرك ويطالبني بالمزيد وإلا..!!

ضحك سليمان وقال ببرود: لا ضمانات في عالمنا يا عزيزي، نحن لا نريد أن نضرك، بل نسعى فعلا لأن نفيدك.

قال رباح جاداً: أنتم تطلبون مني معلومات عن مشروع بلغت تكاليفه حتى الآن 350 مليون دولار، وأنا لا أعرف بالطبع كل شيء عنه، لكني لو أردت أن أفيدكم، فعليّ أن أهجر زوجتي، وأهجر فكرة العودة إلى العراق، هل تساعدوني حقا لإنجاز هذه الخيارات الصعبة؟

نظر سليمان القمحي بعمق في عين رباح وقال بجد: هل أنت مستعد أن تذهب لتبدأ حياة جديدة بثروة محترمة في مكان آمن بعيداً عن العراق؟

قال رباح: وهل عندي خيار آخر؟

قال سليمان وهو ينهض من مجلسه: أعتبرُ هذا عرضاً منك، سنتصل بك لاحقاً، ولا خوف في الموضوع، أردنا فقط أن نداعبك لنحملك على المجيء ألينا لأنك كنت ممتنعا دائماً!

وغادر سليمان وقد ترك في يد رباح، مجموعة صور لماري هي بحد ذاتها تهمة له إن أخذها إلى بيته.

توقف ر. عن الحديث، ونظر إليّ متمهلاً وقال بهدوء “أعتقد أنّ هذا هو كل ما يتاح لي أن أقوله لكم في هذه المرحلة. أسعدني اللقاء بكم، ويسعدني أكثر أن نلتقي مرة أخرى قد نتحاور فيها بشكل أعمق!

ملهم الملائكة/ فصل من كتاب اوبرا اوزيراك

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

بلاد الرافدين أم النهرين أم العراق؟

بلاد الرافدين أم النهرين أم العراق؟

لماذا اسم بلادنا حائر؟ العراق اسم لا يستطيع أحد توثيق تاريخ ظهوره، بل لا يستطيع أحد أن يجزم بمعناه. وبلاد الرافدين لقب تموزي لحق بالعراق منذ 14 تموز 1958، أما بلاد ما بين النهرين، فهي تسمية غربية من القرون الوسطى وزحفت إلى الخرائط الاستعمارية الحديثة. ما مدى صدقية...

قراءة المزيد
بشائر الممرضة الحزينة

بشائر الممرضة الحزينة

     تلقيت رسالة نصية على موبايلي، كان النص قصيراً ومفعماً باللهفة "رجاء لازم أشوفك، قضية حياتية". وكان عليّ أن أرن على رقم الهاتف الذي جاءت منه الرسالة لأفهم المطلوب. بعد رنتين أجابني صوت نسائي يغلب عليه الهمس، قلت لها إنها قد طلبت مقابلتي،...

قراءة المزيد
العراق…اسم بنكهة الجغرافية والتاريخ

العراق…اسم بنكهة الجغرافية والتاريخ

تأملات بنيوية تاريخية ع أروم الابتداء بحرف العين، وهي عينُ بداية "كتاب العين" أول معجم باللغة العربية وضعه الخليل ابن أحمد الفراهيدي، الذي ولد في البصرة بالعراق ومات فيها حيث عاش زاهدًا تاركاً لملاذ الدنيا، ولا ندري هل كان زاهداً لرغبته في التفرغ للبحث والدرس كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.