تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

حقائق المدرسة والبيت عارية في عصر العولمة

سبتمبر 23, 2020 | 0 تعليقات

في أغلب المجتمعات، يحاول الناس أن يتعاملوا مع الموروث المعرفي باعتباره خيراً مما عندهم ومما سيأتي تأسيساً على مبدأ أنّ “ليس بالإمكان أحسن مما كان”، والحقيقة أنّها كذبة مريحة تداولها الناس في عصر الإقطاع والنظريات الميتافيزيقية ساعين من خلالها الى الإيحاء للناس أنّ سلطة الحاكم سماوية أزلية لم ولن تتغير. مثل هذه الحقائق المريحة الموروثة بات موضع شكوك الجميع في عصر العولمة.

علمونا مثلا أنّ الإنسان يجب أن ينظف أسنانه ثلاث مرات في اليوم، وكبرنا لنعرف أن ذلك يقضي على صلابة الأسنان ويؤدي إلى تكسرها وتفتتها ويزيل لمعانها الطبيعي لأنه يمحو طبقة المينا ” السيراميك” التي تكسوها.

وعلمونا أنّ “21 آذار عيد الشجرة “، ويجب أن نحتفي به ونزرع شجرة، وفي البيوت كانوا يسمونه دورة السنة، ويعملون له صينية منوعات تتضمن حامض حلو و(…) الجريدي وسمسمية وإبريق بدائي الصنع وشموع وحنّة وأغصان ياس وبيض مسلوق ملون وراديو البيت “ينعر” كل اليوم بالأغاني.

أكاذيب مريحة جميلة

كان ذلك جميلا يفيض عذوبة ومحبة، لكننا كبرنا لنعرف أنّ كل ذلك هو محاولة لطمس عيد ” نوروز” الزرادشتي الوثني، وهي محاولة سنية شيعية مسيحية يهودية سعت إلى تفتيت الموروث الفارسي/ الكردي للدول الأخمينية واللخمية وأخراها الساسانية الذي وسم ثقافة المنطقة وميراثها الشعبي. ثم تحول ذلك الى محاولة قومية لطمس ثقافة الأكراد التي هي امتداد للثقافة الزرادشتية.

علمونا أنّ “فلسطين هي قضيتنا المركزية” وحياتنا وقف لتحريرها، فكبرنا ووجدنا نصف الفلسطينيين يعيشون بجنسية إسرائيلية وهم ممثلون في الكنيست بنواب، وينطبق عليهم كل ما ينطبق على الفرد اليهودي الإسرائيلي، ولهم كل حقوقه ويتمتعون بمستوى معيشة يضاهي مستوى معيشة الفرد الأوروبي، وعرفنا أنّ كل الحديث عن التحرير كان محاولة لخلق سبب يُبقي البلدان في حالة طوارئ بسبب الحرب المحتملة مع ” العدو الصهيوني الغاشم” كما دأبت بياناتهم على القول. وكبرنا لنجد أن العالم العربي يسير حثيثاً لمصالحة ثابتة مع الدولة العبرية، وأن المشكلة في الحقيقة محصورة بين الإسرائيليين وبين الفلسطينيين، وفزعة العرب ما هي إلا فزعة عشائر!

علمونا أنّ ” الجيش سور للوطن”، وهو رمز لفخرنا وعزتنا وكرامتنا، فكبرنا لنجد جيشنا يعيش على تاريخ طويل من قتل الشعب ومكوناته، وهو ليس أكثر من سور لحماية الحاكم، ومصنع لانقلابات دموية ومكان لتشغيل الفاشلين والقتلة ومنحهم أعلى المراتب وجعلهم من أعيان المجتمع. ولم يفلح قط في حماية الوطن حتى لمرة واحدة. جيش اليوم لم يعد يجرؤ دخول مناطق تسيطر عليها قبائل عراقية فكيف سيدافع عن الوطن ويصير له سوراً؟

هل الجيوش فعلاً سور للأوطان الجهل والتخلف أم هي سور للحكام؟

علمونا أنّ البقشيش في المطعم والمشرب والفندق مستحب لأنه دلالة على كرم المعطي، وكبرنا لنرى البقشيش يصبح واجباً ثقيلا لا يقوم العامل دونه بوظيفته، ولا يقوم الموظف بوظفيته دون بقشيش من نوع آخر.

العمل شرف

علمونا أنّ “العمل شرف”، وكبرنا لنجد العاملين فقراء معوزين والعاطلين الفاشلين هم المقدمون ولهم السبق الأعلى في كل شيء.

علمونا أنّ ” الدولة ترعى حقوق الناس”، وكبرنا لنجد الدولة ترعى حقوق المتجاوزين، وتدعم من هو أقوى ومن يمتلك المال والسلاح والرجال، أما حال الشريف الأمين فإلى تراجع وانهيار، حتى لم يعد له مكان في شبه الوطن الباقي.

علمونا أنّ الله واحد يلمّ الناس والكون والمخلوقات، وكبرنا لنجد أنّ لكل قوم إلههم وهم لهم عابدون، فالله إله المسلمين، والمسيحيون لهم الرب، واليهود لهم يهوه، والوثنيون لهم آلهتهم.

علمونا أنّ الإنسان يجب أن يبرّ والديه، ويهيء لهما حياة كريمة، ومدفنا آمناً محترماً. وكبرنا لنجد الآباء يدفنون أبناءهم وأحفادهم الذين أحرقتهم الحروب، والدولة تدفن أبناءها بالجملة وهم أحياء حرصا على أن لاينافسوها على السلطان.

علمونا أنّ “مصفى بيجي” هو الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، وأنّ “مصرف الرافدين “هو الأغنى من نوعه في المنطقة، وأنّ “طريق محمد القاسم السريع ” هو الأكبر من نوعه في العالم، وأنّ احتياطي النفط العراقي هو الأكبر في المنطقة، وأنّ نفطنا هو الأجود بين نفوط العالم وأنّ كل الخير في بلدنا أرض الرافدين، وكبرنا لنجد ذلك كله “نكتة ” لم نعد نجرؤ أن نقولها حتى لأنفسنا خشية الفضيحة.

هل العرب محور الكون؟

علمونا أنّ العرب هم محور الكون الذي تدور حوله الأمم كالكواكب التي تحوم حول الشمس، وهم صناع المجد، وقادة النصر وخير أمم الأرض، وكبرنا لنجد ذلك وهما ما بعده وهم تكذّبه وقائع الأيام ومواقع الدول العربية بين الأمم.

علمونا أنّ الناس يجب أن يمشوا على أرصفة شوارع المدن، وكبرنا لنجد البسطيات والمواد الكهربائية والسيارات هي التي تحتل الأرصفة وعلينا أن نمشي في الشوارع غير مبالين بالسيارات الزاعقة المسرعة، فنحن أبطال شجعان لا نخشى الموت.

علمونا أنّ العهد الملكي هوالعهد البائد المقبور لأنه كان يبيع العراق للإنكليز الغزاة المحتلين، وكبرنا لنجد أنّ العهد الملكي هو عصر الديمقراطية الوحيد في تاريخ البلد، ولو تركوه يتطور طبيعياً لصار حال البلد مثل حال إمارات وممالك النفط رخاء وأمناً وسلاماً.

علمونا أنّ المدارس تبني مستقبل البلد، وتصنع بناة الغد الأفضل، وكبرنا لنجد مدارسنا ليست أكثر من كتاتيب تروج لعلوم الأولين البائدة المندثرة، وتنشر وتعمّق المقولة السيئة “ليس بالإمكان أحسن مما كان”. قد ينزعج الجمهوريون واليساريون والاسلاميون والقوميون والبعثيون من كلامي، لكني أقول ما عندي وأنا في منتصف عقدي السادس من عمري، وقد أدركت أن كل ما تعلمناه كان وهماً للأسف.

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

الفرق بين هادي وعبد الهادي

الفرق بين هادي وعبد الهادي

إبنة هادي البغدادي متزوجة من نجل ثري في الفلوجة، والفلوجة في طريقها لتحارب كل العالم. أخرجها هادي من المدينة ساعات قبل دخول داعش اليها، وجاء بها الى بيته في بغداد إلا أنّه يخاف أن تطاله كوارث ستحيق بزوجها وأهله، كما أنّه قلق على طفل في رحمها قد يولد يتيماً.   هذه...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *