تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

حربٌ على الكلاب

مايو 24, 2021 | 0 تعليقات

الحرب شر كُلُها، فهي تقتل الإنسان وتشرّده وتفرّق الأسر، وتهدم الحواضر وتمسخ التاريخ أحياناً، وغالباً هي حرب على كل شيء حي، فلا ينجو منها حيوان أو نبات وتبتلى بها حتى الحشرات والفطريات والمكروبات. وهكذا كانت حرب العراق وإيران.

من أصعب مهام مفارز تصليح الخطوط السلكية، تلك التي تتم ليلاً، حيث أن القطعات تتحرك بدون أنوار، والدبابات مثلاً لا تميز الناس إلا بمستوى نظر زلفها الزجاجية المسلحة (منافذ موشورية صغيرة تؤمن للجندي داخل الدبابة أن ينظر إلى أمام وإلى خلف، وهي لا تغطي مساحة نظر الزوايا والأطراف، لذا يقال إنّ الدبابة عمياء). الأسوأ من ذلك، أن المفارز تتقرب عادة من خلف القطعات وليس من أمامها، لذا تشتبه نقاط الحراسة والمراصد الخلفية أحياناً بوجود تسلل معادي، ويبلغ الخوف ببعض الجنود حد أنهم يطلقون النار على الاشباح التي يرونها خلفهم دون تحذير أو طلب استسلام كما تنص تدابير الحراسة والمراباة الليلية.

وتجنبا لإشكالات من هذا النوع، نبلّغ هاتفياً الوحدات التي ننوي التقرب من خلفها ليلاً، قبل ساعة أو أكثر من انطلاق المفرزة، ونفهمهم أنّ مفرزة من 3 أو 5 جنود تتقرب منهم، وعليهم تبليغ الحراس. لكنّ هذا بدوره، يفشل أحيانا، إذ لا يبلغ الشخص المكلف بالتبليغ نقاط الحراسة، أو يتبدل الحرس المبلغ بحارس آخر لا علم له بالأمر وتحصل المفاجأة غير المنتظرة: قطعاتنا تطلق على جنودنا النار !!

ولكن ما حدث ذات ليلة مطيرة باردة في شهر كانون الأول 1980، جاء غير متوقعاً إطلاقاً. فبعد أن أدامت إحدى مفارزنا خطوط الهاتف مع قرية السترة (المرابية على طريق امداد القطعات في حوض سربل زهاب) عادت إلى مقرنا قرابة الساعة الواحدة ليلاً وأثناء اقترابها من خلف مقر اللواء في قرية تبه رش، هاجمها قطيع كلاب متوحش جائع، واضطر أفراد المفرزة إلى إطلاق النار على الكلاب، فأطلق العدو قنبرة تنوير لتكشف المنطقة، واضطر عناصر المفرزة إلى الانبطاح على الأرض كي لا يراهم العدو القريب جداً. فعادت الكلاب تهاجمهم وتنبحهم، فأطلق العدو قنبرة تنوير مرة أخرى، وهو يشك في الأمر، ما أجبر المفرزة على الاستمرار بالكمون، واستمرت الكلاب تنبح. خرجت من ملجأي الوسخ، اتطلع إلى المشهد المضحك المبكي، وسألت عامل البدالة إن كانت مفرزتنا هي المستهدفة، فأكد لي صحة ظنوني، وبقيت اتأمل المشهد والكلاب المسعورة التي ستسبب كارثة لمفارزنا.

هاتف ميدان روسي تاي 67

وأطلق العدو قنبرة تنوير ثالثة، أتبعها بعد دقيقة بقنبرتي هاون 60 ملم سقطتا ليس بعيداً عن جنود المفرزة. خرج مقدم اللواء على صوت القصف والنباح والرمي، وسألني عما يجري فرويت له القصة، وقال مكتئباً: هذا يعني أن العدو قريب لدرجة أنه سمع صوت الكلاب، وصوت طلقات البندقية! لا بد من القضاء على هذه الكلاب، إنها خطر على مقر اللواء وعلى جنودكم.

بسبب القصف خافت وابتعدت الكلاب، وبعد نحو نصف ساعة، عاد جنود المفرزة وقد نال منهم الإرهاق وابلغوني بقصة الكلاب وضرورة القضاء عليها.

بعد ظهر اليوم التالي، تجمع قطيع الكلاب نفسه أمام المدخل الرئيسي العابر من قنطرة غابة “سهامي” المؤدية إلى تقاطع الطرق الذي يفضي إلينا وإلى وحداتنا، مع وصول سيارة الأرزاق إلى مقرنا. واتصل بي مقدم اللواء، مؤكداً ضرورة القضاء عليها في هذه المناسبة قبل حلول الظلام، لكنّه نبهني إلى ضرورة التريث حتى ينتهي توزيع الأرزاق، ويعود الجميع إلى ملاجئهم، وترحل حافلة الأرزاق عن مقرنا!

بعد ساعة ونصف، خرجتُ لهم ببندقية، ورافقني الصديق الراحل الدكتور جنان، طبيب اللواء وكان موصلياً. كانت الساعة تقترب من الرابعة بعد الظهر، والجو بارد، والسماء صافية، فيما بردت الشمس، حتى عاد نورها كأنه رياح ثلجية تسفح الوجه.

بدأت أطلق النار على الكلاب المسكينة، لم يكن أمامي خيار آخر، فأما أرواحنا وأرواح جنودنا، وأما حياة الكلاب النابحة المسعورة. وقتلت ثلاثة منها، فيما أصيب كلبان آخران في فخذيهما، فجريا إلى الغابة وهما ينبحان متألمين.

تحريت مع دكتور جنان الكلاب القتيلة، فوجدت اصاباتها في الرأس، ثم عدنا إلى مقرنا، وبقيت واقفاً معه أمام ملجأ البدالة المحصن، ونحن نراقب غروباً جميلاً يودع الوادي الخصيب. وانهالت علينا فجأة 3 قذائف، تلتها بعد دقائق قذيفتا هاون 120 ملم “يتعلم المقاتل أن يميز القنابل واتجاهها من أصوات انطلاقها، ومن صفيرها، والقنبلة التي تقتلك تصلك غالباً قبل صوتها، فلا تسمعها وأنت قتيل”.

مشكلات مفارز مد وتصليح الخطوط السلكية في الميدان

ثم ساد هدوء مريب، لنحو ربع ساعة تلاه سقوط 3 قنابر أخرى…وتعالى صراخ من أحد الخنادق داخل قريتنا. انقطع القصف هنيهة، فركضنا إلى مصدر الصراخ. قذيفة هاون 120 ملم سقطت على حافة ملجأ محصن، فقتلت نائب عريف جاسم فرعون، الذين كان محتمياً عند مدخل الملجأ تحت خشبة غليظة من خشب السكة الحديد، وقد ارتفعت الخشبة الثقيلة نتيجة عصف القنبلة، وعادت وسقطت بثقلها ومسمارها المعدني الكبير على رأس الانضباط  جاسم فقتلته على الفور. فيما أصابت شظية من القنبلة، العريف المخابر هادي الحلاوي، وهو أحد منتسبي رعيل، في قدمه، فبدأ يصرخ مستغيثاً.

المصيبة الأكبر، أنّه لا توجد سيارة في مقر اللواء في تلك اللحظة، وكان إخلاء الجريح تحدٍ صعب للغاية، حدث ولا حرج عن إخلاء القتيل، فلم أجد بداً أن أخرج دراجة المعتمد النارية بنفسي محاولاً اخلاء هادي بها، لكن المعتمد جاءني راكضاً، يدافع عن دراجته وشجاعته وقال لي أنّه سيخلي الجريح بنفسه، وهكذا جلس المعتمد، وخلفه جلس العريف الجريح هادي، وتحركا إلى مفرزة الميدان المتقدمة، التي تبعد عنا نحو 5 كيلومترات.

وهكذا دفعنا ثمن قتل الكلاب النابحة، قتيلاً وجريحاً، وكانت ليلة رهيبة لف فيها الجميع حزن لا حدود له.   

ملهم الملائكة

                         

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

بدائع “الفعّال” في لغة العرب

بدائع “الفعّال” في لغة العرب

الاشتقاق إحدى أهم ميزات اللغة العربية، وعلى وزن "فعّال" يشتق العرب آلاف أسماء الفاعل التي يفيد كثير منها أسماء مهن وصنائع. وفي سورة البروح جاءت الآية "فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" بمعنى أن الرب يفعل كلما يريد، دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره سارٍ ومطاع،...

قراءة المزيد
طاقة عزمي الصفار الإيجابية

طاقة عزمي الصفار الإيجابية

عامٌ جديد حلّ في ربوع الرافدين، مناطق البلاد الانيقة احتفلت بالمناسبة التي يشتمها الشيوخ والسادة على المنابر، فيما يذهب أولادهم وبناتهم خلسة أو علناً لحضور حفلاتها. لكن بعيداً عن هذا الفرح بثياب راعيه بابا نويل الملتحي الظريف والمكلل بالقلوب الحمراء، وبعيداً عن الحلم،...

قراءة المزيد
مشويات رباب على مفرق درب الأحباب*

مشويات رباب على مفرق درب الأحباب*

رباب قُتل أبوها في حروب العراق التي لا تنتهي، وقُتلت أمها بانفجار عبوة إسلامية ناسفة، وتشرّد وضاع أقاربها الأباعد في أرجاء البلد السنية والشيعية والكردية، وهي لا تملك اليوم إلا أختاً تزوجت وسكنت مدينة خرنابات، وأختاً أخرى ترملت وتعيش بمدينة مندلي مع أبنائها. وعلى مفرق...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.