تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

جعفر اليتيم يروي قصته في البلاط الهاشمي

يناير 5, 2021 | 0 تعليقات

رغم مرور عقود متخمة بالانقلابات والحروب إثر ما جرى صبيحة 14 تموز 1958 في العراق، ما زالت تطفو إلى السطح قصص منسية تكشف أسرار تلك الليلة، وما جرى للعائلة المالكة الهاشمية، وكيف تشتت الناجون من مذبحة قصر الرحاب بين البلدان. جعفر بامرني أحد أولئك الناجين يروي للعالم نسخته من القصة. 

التقيت جعفر بامرني وهو في العقد السابع من عمره في فيلته الأنيقة الفخمة المتربعة وسط خمسة آلاف متر مربع خضراء مطلة على خاصرة نهر الراين، في إحدى ثناياه في اوبرفنتر بغرب ألمانيا. 

كل قطعة أثاث ولوحة وتمثال ومزهرية وكتاب وسجادة وأيقونة وقارورة تروي قصة ذوق رفيع انتقاها من بقاع الأرض كافة. حول البيت يقيم أبناء وبنات الرجل المهاجر من زوجته الالمانية. رائحة المال تطغى على مذاق الأيام الصعبة التي عاشها يتيم القصر الهاشمي، وأحد الشهود الأحياء القلائل على نهاية تاريخ سلالة ملوك العراق.

*متى وكيف دخلت قصور ملوك العراق؟

تعرفت على العائلة المالكة حين كان عمري 7 سنين، في عام 1954. فقد توفي أبي حين كنت في الثالثة من عمري، ثم توفيت أمي وأنا في السابعة، فأودعني أحد معارفي إلى العائلة المالكي وهي تزور مصيف سرسنك، جنوب دهوك. ولابد من القول هنا، إنّ والدي كان ضابط شرطة واجبه في المصيف ويتعلق برعاية أملاك العائلة المالكة في المصيف. (وتذكر الأميرة بديعة في مذكراتها أنّ الملك فيصل الثاني هو الذي بنى قصراً له في سرسنك التي تحولت بسبب القصر إلى مصيف، ولابد من الإشارة هنا إلى أن صدام حسين هو الآخر قد بنى قصراً في شمال سرسنك اسمه قصر أنشكي، لكن لا صلة له بالقصر الملكي).

ومضى جعفر اليتيم إلى القول “في السابعة من عمري عُهد بي إلى العائلة المالكة لتربيتي، فقد كنت وحيداً لا أملك شيئاً في العالم، والعائلة المالكة تعرفني باعتباري ابن الضابط الذي يعمل في قصرهم بسرسنك. ولابد من القول، إنّه كانت لي أخت واحدة تكبرني قليلاً، لكن لم يكن بوسعها أن تفعل لي شيئاً. باختصار، آنذاك كنت انتقل بين بيوت الأقرباء، إذ لم يكن باستطاعتي المكوث في بيوت أهل كردستان الذين كانوا في الغالب فقراء. وعندما أوصلني أحد أقربائي إلى القصر، وأخبر ساكنيه بأني ابن المرحوم زبير حسين المسؤول عن أملاكهم في سرسنك، رحبت العائلة بوجودي بينها، ثم أخذتني الملكة الراحلة نفيسة والأميرة عابدية (وتلفظ وتكتب أحيانا عبدية) – رحمهما الله- بطائرة خاصة من مطار بامرني العسكري إلى قصر الرحاب في بغداد، وبقيت عندهم نحو 3 أشهر، وهي أشهر الصيف، ثم ضموني إلى مدرسة داخلية في بيروت – اسمها سانت جورج – حيث بقيت فيها إلى حد العطلة الصيفية لعام 1958، وكنت أزور بغداد في عطلة نهاية كل اسبوع.

أما أشهر الصيف التي اعقبت، حيث تبدأ العطل المدرسية، فقد كنت أقضيها مع سمو الملكة نفيسة رحمها الله في اسطنبول، أو عند أقربائي في كردستان.

يعيش جعفر بامرني في قصر منيف على ضفاف نهر الراين في ألمانيا

*ماذا عن ليلة 14 تموز 1958؟

في هذه الليلة الغاشمة، كان مخططاً أن أذهب برفقة الملكة نفيسة والأميرة عابدية إلى اسطنبول، ولكن شاء القدر أن أسافر إلى بيروت قبل ليلة من هذا التاريخ، لعدم رغبتي بزيارة اسطنبول ذلك العام لسبب عدم وجود اطفال بعمري يمكن أن ألعب معهم هناك، فقررت العودة إلى مدرستي في بيروت يوم الـثالث عشر من تموز/ يوليو الساعة 8.30 مساء. وحين وصلت بيروت، أخبرني الموظف المسؤول في السفارة العراقية أنّ انقلاباً عسكرياً وقع في العراق، وأنّ العائلة المالكة قد أبيدت بالكامل.

*كم استمرت معرفتك بالملك اليافع القتيل فيصل الثاني؟

استمرت معرفتي به من عمر سبع أعوام حتى بلغتُ عمر 11 عاماً تقريباً، وكان شاباً رائعاً وبسيطاً إلى أبعد الحدود، ولابد أن أقول هنا، إن حياة الملك والوصي عبد الإله والملكة والأميرات كانت بسيطة إلى حد لا يتصوره العقل، وممكن أن أقول لك هنا إن حياة أي من كبار رجال الأعمال العراقيين آنذاك، كان مستواها أفضل بكثير من مستوى حياة العائلة المالكة البسيط.

*صف لي قصر الرحاب، والبعض يقول إنه كان بيتًا بسيطًا بسبع حجرات؟

سبع حجرات هي غرف نوم العائلة المالكة في الطابق الثاني من القصر، لكن الطوابق الأول والثالث والرابع ضمت مزيداً من الغرف. هو لم يكن قصراً بمفهومنا المعاصر الآن، بل كان بيتاً كبيراً مترهلاً قديماً. وأتذكر بوضوح وجود تصليحات مستمرة فيه، وكانت بلاطات الأرض (الكاشي) تطلى سنوياً باللون الأحمر، لأنهم لم يملكوا ما يكفي لاستبدالها. وأذكر أيضاً أن التدفئة المركزية الموجودة في “الكوريدور” في مدخل غرف الأميرات وغرفة الملكة نفيسة كانت عاطلة دائماً عن العمل، ولم يجر تصليحها أبداً، بسبب تكاليف التعمير العالية.

ومن جملة ما أذكر من تفاصيل الحياة هناك، كان يوجد شخص نسميه “مسوكجي” أي المتبضع المسؤول عن تموين القصر، واسمه اسماعيل حقي، وكان يستلم يومياً من الأميرة عابدية 11 دينارا (10 باوند استرليني تقريباً آنذاك) لتغطية نفقات تموين القصر اليومي. وتخيل هذا المبلغ الزهيد لتغطية نفقات القصر وساكنيه ومرافقيهم وحرسهم وطباخيهم وخدمهم وأصدقائهم وضيوفهم، وهولا يمكن اعتباره بذخاً أو إسرافاً بأيّ شكل.

*مع من كنت تعيش في القصر، من كان يرعاك وسط كل أولئك الأميرات والأمراء؟

لم يكن هناك عدد كبير من الأمراء والأميرات كما تتصور، من سكنوا في قصر الرحاب هم، الأمير عبد الإله الوصي وهو قصره في الأساس، لأن قصر الزهور بعد وفاة الملك غازي والملك عالية صار مخصصاً للزيارات الرسمية وللسينما في حديقته. من سكنوا قصر الرحاب هم الملك فيصل الثاني، والأمير عبد الإله وزجته هيام الحبيب، والملكة نفيسة جدة الملك، والأميرة عابدية، وجميعهم يسكنون في نفس الطابق، وكانت علاقتهم بالعالم الخارجي محدودة جداً. وكان يزورهم الملك حسين والأمير زيد والملك الحسن والأمير محمد شقيق الملك حسين الذي يدرس في الكلية العسكرية ببغداد ويسكن إحدى غرف القصر في الطابق الثالث. ومن كان يعتني بي بشكل مباشر هي الأميرة عابدية، والملكة نفيسة بشكل غير مباشر خاصة رغم أن عمرها تجاوز السبعين آنذاك، ولم تكن هناك تربية محدودة بالطريقة العصرية التي نعرفها الآن، فقد كنت طفلاً في القصر، والجميع يهتمون بي. وكانت هناك 3 سيدات يعملن بالقصر، إحداهن تدعى مديحة، والثانية رازقية، والثالثة تدعى ماري وهي آشورية، وكن يتلقين الأوامر من الأميرة عابدية ويعتنين بي وبغرفتي، ولم تكن هناك رعاية خاصة تمنح لي، بل كنت حراً في القصر.

*هل كان في القصر أطفال غيرك؟

كان هناك أطفال الاميرة بديعة، عبد الله ومحمد وقد كانا بعمري تقريباً، ويزورون القصر احياناً، كما كان هناك أطفال العوائل الصديقة ولا أذكرهم بالتفصيل. أصدقائي الحقيقيون كانوا في مدرستي الداخلية ببيروت.

يروي جعفر يتيم القصر الملكي أن الحياة في قصر الرحاب كانت ابسط من حياة كثير من الأغنياء عبر العالم

*هذه الأسرة التي حكمت العراق والحجاز والأردن، كيف كانت تعيش؟

الحياة في القصر كانت بسيطة جداً، ولم يتجاوز عدد الخادمات فيه 3، وهن اللواتي ذكرتهن آنفاً، إضافة إلى سواقين، أحدهم كنا نسميه أحمد الصغير، والآخر أحمد الكبير. كما أذكر عمران طه المسؤول عني وقد كان سائق الملكة نفيسة، وهو من كان يذهب ويجيء بي، ويشتري لي الملابس والأشياء. كما كان هناك حسن المصري المسؤول عن الخدم والطباخين وعن تذوق الأكل، وهو كان في الحقيقة سفرجياً. أما الطباخ فكان تركياً ومساعدوه عراقيون، وأذكر واحداً منهم فحسب.

كما كانت في حديقة القصر حديقة حيوانات، المسؤول عنها اسمه شاكر. وبعيداً عن القصر، بنحو 100 متر عند المدخل الأمامي من جهة جسر الخر كان مقر الحرس، وبجنبه كراجات (مرائب) السيارات، وفوق الكراجات كان يقيم بعض الهنود الذين يهتمون بغسل الملابس وكيها. وأقول لك بصراحة، إذا شئنا أن نقارن، فأنا شخصياً أعيش الآن أحسن من الملك وعائلته بكثير، وقلت لك إن حياة ابسط أمير من الدرجة الثالثة في الشرق الاوسط أكثر ترفاً وبذخاً بكثير من حياة العائلة المالكة في العراق.

وأشير هنا إلى أن الدولة كانت قد خصصت ميزانية للقصر لكنها كانت متواضعة، والعائلة المالكة كانت تعيش من مداخيل أملاكها. ولا أستطيع أن ادخل في التفاصيل لأني كنت طفلاً صغيراً، لكن ومن خلال ذكرياتي، أدرك أن حياتهم كانت بسيطة. سياراتهم بالطبع كانت من الدولة، والدولة كانت تدفع رواتب الخدم والسواقين وكلهم من الجيش.

أتذكر هنا الأميرة بديعة وزوجها الشريف حسين ونجليها الأمير عبد الله والأمير محمد، ثم ولدت الأمير علي، وبيتها كان في شارع الأميرات بالمنصور (ومن هنا جاءت تسمية الشارع)، وكانت تقضي أوقات فراغها في قصر الرحاب، وهي تعيش اليوم في لندن مع عائلتها، وهي وابنها الأمير علي ما زالا على قيد الحياة.

*كيف تصرفت في بيروت بعد أن عرفت بما جرى للعائلة المالكة في 14 تموز 1958؟ ماذا فعلت؟

حين ذهبت إلى المدرسة من المطار، استقبلتني مديرة المدرسة والراهبات الأخريات (فهي مدرسة كاثوليكية) فرحبن بي وحاولن تهدئتي وقد كنت أبكي من أثر الصدمة التي أخبرني بها السيد سمير أحد العاملين في السفارة آنذاك. وبقيت في المدرسة نحو شهر أو شهرين حتى انتهاء إجازة الصيف، حيث كانت تكاليف المدرسة مدفوعة حتى نهاية العطلة الصيفية. واخبرتني ادارة المدرسة أن عليّ ان أغادر لأنّ أحداً لم يعد يدفع رسوم الدراسة. فأخبرت الموظف المختص في السفارة والذي كان لطيفاً، فأعطاني ما تبقى من المبالغ التي اودعتها الملكة نفيسة والأميرة عابدية لحسابي عندهم. ثم سحب مني جواز السفر الدبلوماسي، واعطاني جواز سفر عراقي عادي، ثم سافرت بالحافلة من بيروت إلى دمشق، ومنها إلى بغداد وبدأت رحلة حياتي التعيسة.

*آنذاك وأنت في الحادية عشرة من عمرك، عدت إلى بلد لا تعرف فيه أي أحد، أوصلتك سيارة “النيرن” إلى كراج العلاوي، كيف ومن أين بدأت وما هي الخطوة الأولى؟

عند وصولي كانت الساعة نحو السابعة مساء، ولم أكن أعرف أين أتجه، فلا أخبار عندي عن أي من معارفي، وحاولت أن أجد فندقاً، وبالفعل عثرت على ما يمكن أن يكون كذلك (وكان اشبه بزريبة!)، وسألت رجلاً كبير السن يقوم بإدارة الفندق عن غرفة أقيم فيها. وبدأ يتساءل كيف لطفل في الحادية عشرة من العمر أن يسكن لوحده في فندق؟ وحاولت أن أبرر له بأسباب كاذبة سبب اقامتي في فندق، اذ لم أكن أجرؤ في ذلك التاريخ – أواخر سبتمبر أو أوائل اكتوبر/ تشرين الأول 1958- أن أعترف له باني أنتمي إلى القصر الملكي، فالجو العام كان معبأ ضد الفكرة (والحديث عن العهد البائد يجري على كل لسان). وأعطاني الرجل غرفة صغيرة لوحدي، وحاولت أن أبحث عن عمل، وكانوا آنذاك يبنون مدينة الضباط في اليرموك، وبدأت أعمل في البناء معهم، ثم اشتغلت في شركة امدادات كهربائية، وأعطوني مطرقة كبيرة أعمل بها ثقوباً في الجدران. ثم انتقلت إلى غسل الصحون في أحد المطاعم، ثم عملت بائعاً لألعاب صغيرة في عربة بالشارع.

وأذكر هنا واقعة مؤلمة حدثت لي، حيث زرت بيت حسن المصري وهو الوحيد الذي أعرفه في تلك المرحلة، كنت فقط أريد أن اتحدث إلى شخص أعرفه وأسلّم عليه، فطرقت باب بيته، وفتح لي الشباك الصغير في الباب، ولم يكلمني أو يرد علي، بل جاء بربع دينار، ورماه لي من فتحة الباب، ثم سكّر الباب، فطرقت الباب مرة أخرى، ورميت بوجهه الورقة النقدية. الرجل قد تنكر لي، مع أنّه كان يهتم بي ويحملني ويدللني. الوحيد الذي اهتم بي في تلك المرحلة كان عمران طه الذي مرّ ذكره، حيث كنت أذهب للمبيت في بيته في بعض الأحيان، ثم غادر إلى إيران ومنها ذهب إلى لندن حيث استقر للعمل مع الأميرة بديعة في لندن.

فجأة وجد جعفر بامرني الصغير ربيب القصر الملكي في العراق نفسه وحيدا في بلد تتصاعد فيه مشاعر العداء للعائلة المالكة

*ماذا عن دراستك، هل عدت للدراسة في بيروت أو في مكان آخر؟

لم يكن ممكناً أن أعود إلى بيروت لأني لم أكن أملك مالاً للدراسة الخاصة، لكن أحد أقاربي سجلني في تلك المرحلة في مدرسة الأيتام بالكاظمية، والتي كانت اسمها سابقاً “معهد الملك فيصل النموذجي”، وكانت تقع إلى جانب ثانوية الكميت، وبالقرب من مصنع المعكرونة في الكاظمية، وبقيت فيها حتى عام 1961، ولم يقبلوا مستوى دراستي في بيروت، بل وضعوني في الصف الثالث الابتدائي. كانت مدرسة أيتام داخلية رائعة جداً، ومقسّمة إلى قسم للسكن، وآخر للدراسة، وفيها قسم دراسة مهنية، وكان المعلمون جميعهم من السيدات، باستثناء معلم الدين، ومعلم المهنية فكانوا رجالاً. وقد غيّروا اسمها بعد الانقلاب الأسود إلى اسم “مدرسة الأيتام النموذجية”.

قريبي الذي سجل اسمي في تلك المدرسة، أخبر المديرة والمعلمات عن قصتي، وبطريقة أو بأخرى وصلت القصة إلى التلاميذ، وقد ضربني التلاميذ في البداية مراراً باعتباري من قصر العائلة المالكة (التي باتت تعرف بالعهد البائد)، ثم تحول الأمر بمرور الزمن إلى وضع طبيعي، وتعودوا على وجودي بينهم وتعودت عليهم وتعايشنا مع بعض. وفي الحقيقة تركت تلك المرحلة ذكريات جميلة في نفسي. كانت المدرسة تضم نحو 120 تلميذاً، إضافة إلى المعلمات والمربيات.

 عام 1961 غادرت مدرسة الأيتام، وسكنت في فندق بالعبخانة “زريبة أخرى” في غرفة فوق السطح مساحتها متران في مترين، وكانت باردة مثلجة شتاء وساخنة جداً في الصيف، وسجلت نفسي في مدرسة ابن الجوزي المسائية المطلة على شارع الشيخ عمر (بمواجهة مرآب النهضة حاليا)، وكنت أعمل لدى بقال. كان يسلمني كل يوم قائمة اشتريها من علاوي المخضرات. لم أكن املك سوى زوج جوارب واحد، وقميصين، وطقم ملابس داخلية وسروال. وكنت أعمل مع البقال حتى الساعة الـرابعة بعد الظهر، ثم أذهب إلى المدرسة المسائية، وأعود إلى الفندق في العاشرة ليلا.

*كنت في الثالثة عشرة من العمر، هل استعدت علاقاتك بالعائلات الميسورة التي كانت ترتبط بصلات مصاهرة وصداقة مع العائلة المالكة، آل الاستربادي، آل الخضيري، وغيرهم؟

ليس بعد الانقلاب، آل الاستربادي كانوا متهمين بإخفاء نوري السعيد، والبقية لم يتجاسروا على اعلان صلتهم بالعائلة المالكة. من تبقى من العائلة المالكة واستطعت أن أديم بها الصلة هي الأميرة هيام الحبيب زوجة الأمير عبد الإله الوصي على العرش، وهي لم تُقتل بل أصيبت برصاصة في ساقها صبيحة الانقلاب الأسود. كنت أزورها في بيتها وتأخذني إلى بيت والدها محمد الحبيب الواقع في شارع الأميرات بالمنصور أمام “الريسز” (ميدان سباق الخيل).

أما الأميرة بديعة، فكانت تمر بوضع صعب، ولم أعرف عنها سوى أنها غادرت العراق بعد أن لجأت إلى السفارة السعودية، وهو ما عرفته من عمران طه. في تلك المرحلة كانت العائلة المالكة توصف بالعهد البائد، والخونة والعملاء. ولعبت إذاعة صوت العرب من القاهرة في عهد عبد الناصر دوراً هاماً في التحريض على العائلة المالكة وتسويد صورتها. وكان الشارع معبئاً ضد العائلة المالكة. الشعب العراقي كان بسيطاً ونجحت إذاعة صوت العرب والتلفزيون العراقي في تعبئته بسهولة ضد العائلة المالكة. ويمكن مقارنة الأجواء التي سيطر عليها التوجه الشيوعي والقومي بعد سقوط العهد الملكي بأجواء فرنسا بعد الثورة الفرنسية، والمصادفة أنّ كلا الحدثين وقعا يوم 14 تموز.

قصر الرحاب، حيث ابيدت العائلة المالكة في العراق عام 1958

*ماذا عن أعمامك في كردستان، ألم تزرهم في تلك المرحلة؟

كان لي أقارب في بغداد من أعمامي في منطقة كمب سارة ببغداد الجديدة حين كنت في مدرسة الايتام. وهم اعتقدوا في البداية أني قتلت، لاسيما وأن مصادر ووثائق كثيرة أكدت خبر مقتلي مع العائلة المالكة، وأذكر أن كتاب “اسرار مقتل العائلة المالكة في العراق” للمؤرخ فالح حنظل قد أكد خبر مقتلي مع العائلة المالكة صبيحة يوم 14 تموز 1958 وكل أقاربي اعتقدوا بمقتلي، بل إنهم أرسلوا من يبحث عن جثتي في القصر وما حوله بعد فجر الانقلاب. وقد زرت أولئك الأقارب غالباً في أيام الجمعات حيث تعطل مدرسة الأيتام، ويذهب التلاميذ لزيارة أقاربهم.

*أنت الذي نشأت في كنف العائلة المالكة، كيف لم تفكر أن تتصل بمن بقي منهم في الأردن والحجاز بعد أن تيسّرت لك السبل لذلك؟

الأميرة الوحيدة التي كنت أزورها هي الأميرة هيام الحبيب، وكنت أزورها في بيتها دائماً. الأميرة الوحيدة التي نجت من مذبحة فجر 14 تموز 1958 هي الأميرة بديعة، خالة الملك فيصل الثاني، وأخت الوصي وقد كانت تتنقل من بلد إلى آخر، ولم أكن أعرف السبيل إلى لقائها، لأني لم أكن أملك جواز سفر أو نقوداً تؤمنّ سفري. كان ذلك عصراً آخر، ولم تكن هناك اتصالات سهلة كالآن. والأميرة بديعة كانت دائبة التنقل بين البلدان. أنا كنت طفلاً، ولم يكن يخطر في بالي أن اذهب إلى الأردن مثلا لأعرّف نفسي إلى الملك الحسين. بل بقيت في العراق، وغادرته في عام 1964 إلى المانيا.

وفي عام 1970 اتصلت بالسفارة الأردنية في ألمانيا وحاولت أن أصل الى عنوان عمران طه الذي كان مقيماً في لندن، وفعلاً وصلت له، ولكن لم يتسن لي أن اتصل بالأميرة بديعة. بصراحة لم أكن أسعى إلى أن أقدم نفسي لها باعتباري محتاجاً، ولم أرد أن أنزل قدري لهذا الغرض، وكنت أكتفي بإيصال سلامي لهم.

الحقيقة أن عدم استقرار العراق سياسياً، وتنقل المتبقين من العائلة المالكة باستمرار منعني من الاتصال بهم. فوق ذلك، لم أكن قط مهتماً بالسياسة. وحتى الشريف علي بن حسين لم يكن له أي دور في السياسة إلا بعد أن تشكلت المعارضة العراقية واجتمعت في لندن وواشنطن في تسعينات القرن العشرين، وحاولت أطراف عدة إخراجه من عزلته السياسية تحت تسمية الملكية الدستورية، فخاض معترك السياسة تحت هذا الوصف.

*كيف ومتى غادرت العراق؟

غادرت العراق في المرة الاولى عام 1963، برحلة على الموتور سايكل من ماركة بي اس أي، وقد اشتريته من مخلفات الجيش الانكليزي في العراق، وقد بدأت رحلتي مع بعض الأصدقاء إلى إيران، ثم افغانستان، ثم باكستان، ثم سيام (تايلند اليوم). بعد تلك الرحلة قمت برحلة أخرى على الدراجة النارية إلى أوروبا لأستقر فيها حتى اليوم.

في الرحلة الأولى، عدت إلى بغداد بعد أن عطلت دراجتي في مدينة بون بألمانيا، وقد عدت لأداء امتحان البكالوريا، لكني وصلت متأخرا. ثم قررت أن أسافر إلى الكويت، لأن الاعتقاد السائد آنذاك كان هو أن كل من يذهب إلى الكويت يصبح مليونيراً. لكنّ موظفي الحدود العراقيين منعوني من العبور إلى الكويت لاقتراب عمري من سن الخدمة الإلزامية.

جعفر بامرني عام 1963

ثم نجحت في عام 1964 وعبرت إلى الكويت، ومنها غادرت بالطائرة إلى دمشق، ومنها إلى بيروت التي سكنتها بعض الوقت، وعملت في مطعم، ثم غادرت إلى سوريا، ومنها براً إلى تركيا، وتنقلت بسفر الأوتوستوب من تركيا إلى بلغاريا واليونان والنمسا وألمانيا، ثم ذهبت إلى هولندا لدراسة طب الأسنان. طبعاً جرى هذا بعد أن أجتزت امتحان الثانوية العامة في السفارة العراقية في الكويت التي بقيت فيها عاماً حتى بداية عام 1966.

السنون الأولى في حياتي بأوروبا كانت صعبة جداً، بل أنني نمت في صندوق تلفون بمحطة قطار بون لمدة 3 ليال، ثم سكنت في بيت للكنيسة، وعملت في غسل السيارات وغسل الصحون، حتى وجدت لي عملاً، ثم خضت عدة دورات دراسية في جامعة بون، وكنت أعمل في الليل وأدرس في النهار، تماماً عكس ما كنت عليه في بغداد قبل مغادرتي العراق. ثم عثرت على عمل في السفارة السعودية بعاصمة ألمانيا الغربية (قبل سقوط جدار برلين) “بون”، وبعدها اتخذت حياتي منحى آخر.

حاور ه ملهم الملائكة

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *