تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

بشائر الممرضة الحزينة

أغسطس 1, 2022 | 0 تعليقات

     تلقيت رسالة نصية على موبايلي، كان النص قصيراً ومفعماً باللهفة “رجاء لازم أشوفك، قضية حياتية”. وكان عليّ أن أرن على رقم الهاتف الذي جاءت منه الرسالة لأفهم المطلوب.

بعد رنتين أجابني صوت نسائي يغلب عليه الهمس، قلت لها إنها قد طلبت مقابلتي، وتساءلت منها عن تفاصيل الموضوع فقالت بارتباك:
“أهلا وسهلا أستاذ، آسفة لم أستطع الاتصال بك مباشرة لتوضيح المطلوب لأنّ رصيدي متدني”، ثم أردفت بلهجة يعلوها الحياء “في الحقيقة ليس لدي رصيد في الهاتف وآمل أن تتفهم ذلك”.

أجبتها بعفوية واجبة في هذا المقام “هذا غير مهم يمكن أن أتصل أنا بكم، لكني أريد أن أعرف كيف ومن أين حصلت على هاتفي؟”

أجابت بلغة الهمس، إنها صديقة من لبنان عرفتها منذ سنوات بعيدة، دلتها عليّ وكشفت لها أنّ وظيفتي هي الاصغاء إلى الناس، وأحيانا يصنع إصغائي حلولاً لمشكلاتهم.

قلت لها: وهو كذلك، أين أنتِ الآن وأين تقترحين أن نلتقي ومتى؟

قالت : أنا في بغداد، بيتي في جانب الكرخ، وأفضّل أن نلتقي أمام مدخل مطعم المحطة العالمية بعلاوي الحلة، إذا كان هذا يناسبك؟

لكن هذا مكان لتناول الطعام فحسب، لن نستطيع أن نتحدث؟

أعرف المكان، ولن ندخل اليه، بل سأكون هناك لآخذك إلى مقهى صغير في داخل المحطة، يناسب مثل هذا اللقاء، ولا يعرفه أغلب المسافرين وزوار المحطة.

طيب، كيف سنتعرف إلى بعضنا ونحن لم نلتق سابقاً؟

قالت: سأرتدي معطفا مطرياً ابيض اللون، وبيدي مظلة سوداء
تمام، وأنا سأرتدي معطفاً مطرياً خاكي اللون، وبيدي مظلة سوداء قصيرة.

قالت: ممتاز، هل يمكن أن نلتقي مساء الجمعة المقبلة بعد 3 أيام؟ الساعة السابعة مساء مثلاً؟

وهكذا كان، قبل السابعة بدقائق، ركنت سيارتي في موقف سيارات بمدخل المحطة وحال أن ترجلت منها بدأ المطر ينثّ خفيفاً يهيج رائحة أتربة الأرض الجافة، فدلفت إلى الصالة ذات القبة اللازوردية الجميلة، المكان نظيف والمرمر الذي يفترش الصالة الكبرى من عصر الإنكليز ما زال محتفظاً بجماله ولمعانه، العاملون كلهم بنغال وسريلانكيون ومنشغلون بجد بتنظيف المكان. لمسة رمادية باردة تطغى على كل شيء، إنها سمة المحطات في كل العالم، ولا أدري هل تقاسمني من دعتني للحوار هذا الشعور أم لا. بحثت عن مطعم المحطة، فوجدت أنّ مدخله الرئيسي يقابل مطار المثنى، وله مدخل ثانوي يطل على أرصفة المسافرين.

بناية بيضاء قديمة من الطراز الفيكتوري أعيد تأهيلها حديثاً، وأضيفت لها نوافذ ألمنيوم بدلا عن النوافذ الخشبية القديمة التي بنيت في عشرينيات القرن العشرين، وقد طليت افاريزها باللون الأزرق.

والمرء يتساءل، لماذا لم يستطع حكام العراق منذ 100 سنة أن يبنوا مثل هذه المحطة في جانب الرصافة، ليكون للعاصمة المليونية الكبيرة محطتان، شرقية وغربية؟

شاهدتها من بعيد، سيدة قصيرة القامة، قصيرة الشعر كاشفة في زمن باتت فيه كل نساء هذا الجزء من العالم منقبات ومحجبات بأمر الكهنة، وقد رفعت ياقة معطفها عالياً لتغطي ملامح وجهها من الجانب. تتدلى من كتفها الأيمن حقيبة نسائية زرقاء صغيرة معلقة بسلسلة فضية. اقتربت منها من جهة اليمين، وحين أوشكت أن أصلها التفتت باتجاهي وابتسمت، فحييتها بابتسامة وبجملة ترحيب، ومددت يدي أصافحها دون خشية أن تكون من “المؤمنات” اللاتي لا يصافحن الغرباء. فمدت يدها وصافحتني بأدب وحرارة، وقالت بهدوء بصوت ناعم” بشائر صبيح، لنسر باتجاه جنوب الرصيف، هناك حيث دكات الانتظار التي تستقبل المودعين والمغادرين ومن لف لفهم”.

سرنا صامتين تساقط على رأسينا حبات مطر ناعمة، حتى وصلنا نهاية الرصيف تقريباً، فأشارت كالأطفال إلى بناية مسقفة قديمة معزولة، يتخيلها الزائر مركزاً لسائقي ومفتشي الخطوط، فكل جدرانها زجاجية، وقد طليت بعض ألواحها الزجاجية بألوان بلورية معتمة، بابها من خشب مقطّع بألواح زجاجية. اقتربنا من الباب، وفتحته بنفسها فدلفنا، ليستقبلنا مكان دافئ شديد الالفة كأنه مشهد هارب من فيلم انكليزي خمسيني. على الجدران لوحات خمسينية، وبوسترات لممثلين بينهم همفري بوغارت وكيرك دوغلاس وفيفيان لي. على طاولات المقهى يتوزع بضع جلاس بعضهم في سن الخمسين فأكثر، وآخرون من الشباب، القاسم المشترك بين الجميع هو اللقاءات المختلطة.

في إحدى الزوايا استقر على طاولة عتيقة عالية جهاز غرامفاون قديم قد طلي بوقه الطويل باللون الذهبي وفوهته مزنّرة بحزام قرمزي. اتجهت بشائر إلى مائدة لصق هذه الزاوية، واتخذنا كرسيين فارغين من الكراسي الأربعة التي تؤطر الطاولة الأنيقة العتيقة.

جلسنا بعد أن نضينا عنا معطفينا، كأننا عاشقان وصلا تواً إلى موعدهما الهني. حال أن جلسنا قلت لها: هذا المكان غريب جداً، ما كنت أتخيل علاوي الحلة فيها مقهى بهذا الجمال. رأيت شيئاً شبيهاً بهذا في القاهرة في وسط البلد، اسمه مقهى ريش، وهو مكان للقاء المثقفين وقد اعتاد نجيب محفوظ على زيارته، ولكن في آخر مرة زرته وجدت أن صاحبه قد توفي، وتولته إدارة جديدة، سيئة جداً وتتقن طرد الزبائن!

ابتسمت لملاحظتي وقالت: التعامل هنا ممتاز، قياساً بالمقاهي العراقية الأخرى، فأخلاق القائمين على المكان رفيعة، والزبائن كلهم تقريباً من الطبقة المثقفة. المفارقة هنا، أن مطعم المحطة الكبير الذي التقينا ببابه، يرتاده نوع مخالف لنوع جمهور هذا المقهى…تباين واضح.

نظرت في عينيها العسليتين الصغيرتين، فخال لي أنّ دمعتين صغيرتين معلقتين بأهدابهما وتريدان رمشة عاطفة صغيرة لتساقطا بكاءً على وجنتيها المنتفختين. لم تعد هذه المرأة الجميلة شابة، لكن مسحة جمال وأناقة ما زالت تفيض عليها، رغم أنّ ملابسها لم تكن غالية الثمن، إلا أن التناسق الأنيق يشي بماضٍ بالغ الأناقة وبذوق رفيع.

جاء النادل، فطلبت قهوة مع كرواسان بالجبنة البيضاء، وعرضت لها أن تطلب هي، لكي أكون أنا صاحب الدعوة وأتولى دفع الحساب فيما بعد، فطلبت قهوة وكرواسان سادة.

ذهب النادل، فوضعت هاتفي المحمول على الطاولة، وشغلت تطبيق التسجيل فيه، وقلت لها: تفضلي يا سيدتي أو يا آنستي، فأنا أصغي لك، وكذلك جهاز التسجيل في الهاتف!

ابتسمت بطريقة شاحبة، ثم رنت تختلس النظر إلى هاتفي، وقالت: أنا سيدة، كنت أعمل ممرضة، ثم أحلت نفسي قبل 3 سنوات إلى التقاعد. لا استطيع أن أروي لك كل قصة حياتي، لكني عشت قصة حب كبيرة مع رجل يعشقني حتى الثمالة، ثم تزوجنا، قبل سنوات طويلة. هو يعمل حداد قالب، وكل عمله في بغداد، فلا يغادرها إلى عمل آخر، وهكذا قضينا نحو 25 عاماً لم نفترق فيها ولا ليلة. سافرنا معاً بعد 2008 إلى اسطنبول وإلى تفليسي وإلى عمان وطهران. تلك كانت أجمل ايامنا، رغم وحدتنا المرة ونحن نعيش بلا أطفال. ولشدة تعلقنا ببعض، لم نعرف حتى الآن من هو السبب في عدم الانجاب، هو أم أنا!

وافانا النادل بطلباتنا، فطلبت منه قبل أن يذهب أن يأتي لنا بقدحين من عصير الفواكه، وهو خليط قرأته في قائمتهم، ورغبت أن أجربه، وأوصيته أن يأتي بالطلب بعد ربع ساعة من الآن. حين ذهب، بدأنا نرشف القهوة وقلت لها، هذه طريقتي في مشاغلة النادلين، فأكلفهم بطلب مؤجل كي يكفوا عن زيارتي كل خمس دقائق للسؤال إذا كنت أرغب بشيء آخر أو إن كل شيء تمام.

ردت بابتسامتها الشاحبة، ومدت أصابعها المنتفخة إلى حقيبتها، واخرجت علبة سكائر أجهلها، وقدمت لي سيكارة لأشكرها بإصرار، فاستأذنت إن كنت أسمح لها بالتدخين ولا يضايقني ذلك، اتحت لها ذلك بالإيجاب وفي نفسي  أسئلة كبرى حول مستوى الأدب الجم لهذه السيدة؟

قالت وهي تنظر إلى زجاج النوافذ: أنظر إلى حبات المطر تسيل على زجاج النوافذ، ما أحلى ذلك، مقهى في محطة القطار، في يوم مطير، والمكان هنا أليف رفيق، والجميع منشغلون بعوالمهم الجميلة…مثل هذه اللحظات تذكرني بحبيبي، وتألقت في عينيها مرة أخرى تلك الدموع التي توشك أن تسقط…ثم قالت: وليكتمل المشهد، ها أنّ قطاراً آخر يغادر المحطة إلى وجهة أخرى، لا يهم إلى أين، المهم أنّه يسافر بركابه إلى عالم آخر.

كانت نوافذ المقهى وزجاج الجدران والباب قد كستها أبخرة أنفاس الجلاس من الداخل، فيما تواصل حبات المطر قرعها السيمفوني عليها من الخارج. نفثت بشائر من فمها المدهون بقلم حمرة خفيف دخاناً عطر الرائحة، وشربت قهوتها حتى الثمالة ثم واصلت قصتها.

بدأ عالمي يتكسّر قبل 4 سنوات، فقد أصيبت أمي التي تبلغ من العمر 83 عاماً بجلطة دماغية أعقبها شبه شلل أعاقها عن الحركة. وكانت وحدها في بيت أهلي الكبير، فاضطررت أن أحيل نفسي للتقاعد لأقضي معي نهاراتها، فيما تأتي إحدى الجارات وهي إحدى زميلاتي في مستشفى الكندي لتقضي الليل عندها، تلك الجارة كانت أرملة قضت حروب العراق على زوجها و3 من أبنائها، فلم يبق لها سوى ولد مهاجر، وبنت متزوجة تعيش في الأردن. وكان قضاؤها الليل مع أمي تسلية لها وعزاء عن وحدتها الصعبة.

وفي كل يوم، حين يعود زوجي من عمله، يأتي بسيارته إلى بيت أهلي، ليأخذني معه إلى بيتنا.

ومضى عام، فأصابنا زلزال آخر، فقد سقط زوجي من سقالة البناء في الطابق الخامس لأحد المباني، وانكسر عموده الفقري فبات كسيحاً ضجيع الفراش بشكل دائم، لا يتحرك في جسده سوى الرأس والحواس التي فيه، فهو يسمع ويرى ويتكلم ويتنفس ويتذوق، لكنه لم يعد أكثر من مجرد رأس. لا شيء آخر. ولأني أعشقه، لم أستطع عنه فراقاً، وأمي الهرمة المقعدة لا تحبه ولا تريد لقاءه، فقد بات دوري من جديد ممرضة لأمي الكسيحة ولزوجي الكسيح. كلنا قد بلغنا عتياً من العمر، وكلنا في سن الراحة، لكنني الوحيدة التي يجب أن أكدح وأن أواصل الركض والخدمة كي يستمر الآخرون بالحياة، قل لي بربك ما أنا فاعلة؟

في هذه اللحظة، جاء النادل بكأسين طويلين من عصير الفواكه الذي تشكل في داخلهما بطبقات ملونة مغرية، وحين وضع الكأسين الرشيقين الطويلين، خلت أن نقاطاً براقة تنبض من داخل الطبقة القرمزية في الكأس، فسارعت أسال النادل عن هذا السائل القرمزي الذي تتلألأ فيه حبات فضية براقة مجهولة، فقال باسماً، إنها ثمار فولوكولا، ومصدرها غابات الأمازون في البرازيل، وهي فواكه نادرة، لكننا نحصل عليها بجهودنا.

حين انصرف متأنقاً، باشرنا نرشف من كأسينا الطويلين، وما برحت حائراً في العثور على جواب عن سؤالها، ثم سارعت أكسر حاجز الصمت بالقول: لعلك تحتاجين إلى شخص آخر يعينكم في حياتكم.

أجابت والدمع المشارف على السقوط قد باشر يسيل فعلاً على وجنتيها السمراوين: من أين لي بشخص آخر؟ ليس عندي لا ولد ولا تلد، لا شقيق ولا أخت في هذا البلد، ولا ولد ولا بنت، وما تبقى من أقربائنا لن يشغلوا أنفسهم بمجموعة من المعلولين العاجزين. لم أعد شابة جميلة فأفكر في زواج جديد قد يغير كل الأوضاع… لا أعرف…وبكت تشهق بشدة مؤلمة.

يحدث هذا في وظيفتي دائما، فالاستماع إلى هموم الناس وأسرارهم جوهر عملي كجليس، لكنّ التعاطف معهم ينقلني من حالة الجليس إلى حالة الخل الأليف، وهذا صعب عليّ غالباً.

كفكفت شهيقها المؤلم وعادت تقول: أنا الآن ممرضة متقاعدة أقوم بخدمة معلولين كسيحين، وعليّ أن أقضي العمر معهما في هذه الحالة، أنا اليوم في الرابعة والستين وكذلك زوجي، وأمي قد قاربت التسعين، من يلتفت إلى هذه المجموعة التعيسة العاجزة؟ إلى متى أبقى ممرضة للمعلولين؟ لماذا أصلاً ذهبت إلى التقاعد؟ متى أرى حياتي وماذا تبقى منها؟

تغيرت الأغنية في جهاز تسجيل المقهى، وصارت نجاة تغني أنا بعشق البحر، فسارعت افتح موضوع حوار آخر ينسيها هذا الهم المرعب، فصرت أسألها عن هذا المقهى الأصيل الجميل وكيف وجدته، فنظرت إلي بعينين انهكتهما عشرات السنين من خدمة المرضى والجرحى في العراق المحارب، ثم مسحت دمعها بظاهر كفها الصغيرة المكتنزة، وقالت: هذا المكان عرفته مع زوجي، كنا في أيام الجمعة، قبل سنين طويلة، نأتي إلى هنا بعد أن نكون قد شهدنا فيلماً مختاراً في سينما الزوراء في الساعة الواحدة بعد الظهر، وتناولنا الغذاء بعدها في المتنزه الكبير، حيث كنت أطبخ لنا أشياء بسيطة، ثم نقضي الأمسية في هذا المقهى، لنعود إلى البيت الصغير في ساعة متأخرة ونحب بعضنا وننام بانتظار يوم جديد بأمل من نوع آخر. فعلنا هذا سنوات طويلة. كان هذا المقهى في البداية مجرد كشك جرائد صغير، يبيع القهوة والسندويتشات لركاب القطار وللمودعين والمستقبلين في المحطة. ثم طوّره صاحبة حتى بات بهذا الشكل الجميل.

 سكتت برهة وهي تنظر في عيني، ثم قالت وهي تبتهل: حتى هذه المتعة الصغيرة لم يعد بوسعنا الحصول عليها. آتي إلى هنا أحياناً لوحدي، لكنّ هذا كئيب وحزين جداً، ويزيد لوعتي وعذابي.

سكتت تنظر في حبات المطر الملتصقة بزجاج المقهى، وانصرفتُ اتطلع في البوسترات الجميلة وأرشف من كأس العصير الأنيق. ثم بادرت تسألني: هل تملك حلاً يعفيني من هذا العذاب الأبدي؟ أفكر كثيراً في الانتحار، لكن…لكن الشمس ما زالت جميلة ومن المؤسف ان أغادرها إلى ظلمة القبر، ثم لو رحلت باكرأ هكذا من سيبقى لهذين المقعدين؟ أتدري كيف أقضي أيامي؟ هناك العم راضي وهو جارنا وسائق حافلة صغيرة، يوصلني كل صباح لبيت أمي كي ألبث إلى جانبها، ثم يلتقطني من بيتها مع حلول الظلام حين ينتهي من عمله المضني ويعود بي إلى هنا، فأجد البيت في أسوأ حال، رغم انّ لنا جاراً هو صديق زوجي، يقضي معه بضع ساعات كل يوم، إلا أن رجلين في البيت يزيد البيت وسخا وخراباً ولا يفيد الزوجة في شيء.

وهكذا أقضي أول كل ليلة في التنظيف والطبخ لليوم التالي، حيث اقسّم ما طبخته بين أمي وزوجي وبيني وبين العم راضي وجارنا الذي يزور زوجي كل يوم. هل تتخيل أي حياة مقرفة أعيشها؟

تشهق مع نفسها بصمت، وقد بدأ جسدها الممتلئ الواهن يهتز لشدة النحيب. أنقّل بصري بينها وبين الجدران، بحثاً عن جملة أواسيها بها، ثم أربّت بهدوء على كفها الأسمر الصغير الممتلئ مثل أكف الأطفال، وأقول لها: الحب يلغي كل الاعتبارات، وما دمت تحبين هؤلاء فأنت تنسين هذه المرارة.

شهقت بالدمع ونظرت إليّ وبين أسنانها المتراكبة على بعضها بلا نظام أسئلة وقالت: إلى متى؟ إنها نهاية العمر، متى سأرتاح إذا، أي حياة هذه التي قضيتها؟

قضيت ما تبقى من اللقاء في تهدئة خواطر السيدة بشائر، ودفعت حساب المقهى الجميل وشكرتها لأنها عرّفتني بهذا المكان الرائع في قلب بغداد القبيح.

وحين غادرنا، أوصيتها أن تكتب لي كلما شعرت بحاجة للحديث، فإذا كنت موجوداً في بغداد فسوف أوافيها. وافترقنا بوداع معطّر برائحة بغداد بعد المطر.

*فصل من كتاب الجليس

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.