تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

النشيد التوراتي الذي ألهم الشعراء

ديسمبر 30, 2021 | 0 تعليقات

سِفر تلمودي مختلف على كثير من تفاصيله، بل مختلف حتى حول اسمه الذي يبدو أن الترجمة المجحفة قد غيرته، فتوارثه الناقلون بخطئه ورددوه في المعابد اليهودية والكنائس المسيحية دون روية.

اسم السِفر بالإنكليزية هو The song of Songs، ولو أردنا ترجمة هذا العنوان بدقة فسيكون “نشيد الأناشيد” وقد يترجمه من يقيس كلماته على الفهم الذي أشاعه الرومانسيون في قصائدهم، فيسميه “ترنيمة الترانيم”. الاسم الصحيح هو “نشيد الأَنشاد” بجمع نشيد على غير قياس، وهو كلمة أَنشاد.

هو أحد خمسة أناشيد ترافق أعياد اليهود على مدار العام حسب الموسوعة البريطانية ، وبضمه إلى الأناشيد الأخرى يتكون كتاب “ميغلوت” أي سفر الخروج وهو السفر الأول من التلمود، الذي يؤرخ وقائع خروج بني إسرائيل من أرض مصر.

هذا النشيد هو أحد أقصر أسفار الكتاب المقدس، إذ أنه يحتوي على 177 آية (لو استعرنا الوصف الإسلامي)، وهو مكون من ثمانية أصاحيح. ويقرأه يهود الأشكناز يوم السبت وإبان أيام عيد الفصح، أما يهود السفرديم فيتلونه كل ليلة جمعة. ويطلق عليه بالعبرية نشيد سليمان.

مؤلف النشيد مجهول، وقد ألحق به اسم سليمان لاحقاً كجزء من وصف النشيد، والنشيد برمته عبارة عن مجموعة قصائد حب يتناوب على تلاوتها رجل وامرأة دون توفر وحدة سرد بمعناها العصري. والقصائد تصف حسن وجمال المرأة، ووسامة وفحولة الرجل. وقد فُسر النشيد على أوجه مختلفة، أكثرها شيوعاً مبنية على أنه نص درامي أدبي قائم على التورية. وبين اليهود يميل التفسير الاستعاري إلى اعتبار النشيد تورية تعبر عن حب الرب لملة بني إسرائيل، لدرجة أنّه يضع معهم عقداً مقدساً. أما بين المسيحيين، فيعد السفر وصفاً لعشق المسيح لكنيسته! أما خلال شيوع مفاهيم التصوف في القرون الوسطى، فقد اعتبر النشيد وصفاً للحب بين عيسى المسيح والروح الإنسانية. التناوب في أدوار الرجل والمرأة في تلاوة الأصاحيح يتم عبر حوار غير مترابط منطقياً بانتقالات يعتقد إلى حد بعيد أنها قد أضيفت من قبل كهنة المعابد على مر الزمن.

وهناك تفسير ثالث ينسب النشيد إلى ثقافة طائفة صغيرة، تعرض طقوسها المتصلة بالثقافة الفرعونية والسومرية والآشورية عبر عرض مؤثر لعواطف الرجل والمرأة.

أما التفسير الرابع، فهو الذي حظي بأكبر مساحة قبول وتأييد في عالم المعرفة المعاصرة فيذهب إلى أن نشيد سليمان هو مجموعة قصائد حب كتبت في أزمنة مختلفة، وحظيت بمكانة غامضة بين أسفار العهد القديم رغم خلوها من أيّ دلالة دينية. العواطف التي تعرضها القصائد تمزج الحب الرباني الصوفي بالعشق الحسي الغريزي، وتخلص إلى أن التناغم مع عواطف الرب هو السبب في ظهور الجنس البشري (دون إشارة واضحة صريحة على وجود تلاقح بين الجانبين بأي شكل).

يرى بعض الخبراء أن مرحة تأليف القصائد تتراوح بين القرنين العاشر والثاني قبل الميلاد، ولكن أدلة اللغة تؤيد أحيانا أنّ تاريخ التأليف هو حوالي القرن الثالث قبل الميلاد.

نص نشيد الأناشيد كما نشره موقع الكنيسة المسيحية القبطية الأرثوذكسية: الأنبا تكلا هيمانوت

ولعل الكاتب المصري توفيق الحكيم كان من أوائل الأدباء المعاصرين المهتمين بنشيد الأناشيد وقد أعده بشكل مسرحية هي ترجمة ممتعة وشاعرية لنشيد سليمان كما جاء في التوراة. وقد صدر هذا الكتاب ضمن مشروع دار الشروق لإعادة نشر الأعمال الكاملة لأبى المسرح العربي.

وتناقل الأدباء والشعراء مقاطع من نشيد الأَنشاد في قصائدهم، منذ خمسينيات القرن العشرين وكان الشاعر الراحل حسين مردان (1927- 1972م) في طليعة من اقتنصوا النشيد ووظفوه بقصائدهم، وعلى حد علمي فإنه نشر النشيد عام 1955 في قصيدة من شعر النثر أيضاً مستوحياً موضوعها من النشيد.

كما وظّف النشيد الشاعر الراحل شاذل طاقة (1929- 1974م) في قصيدته “هموم أيّوب”، وبعدهما جاء الشاعر الراحل يوسف الصائغ (1933- 2006م) فنثر النشيد في قصيدة مطولة عنوانها ” انتظريني عند تخوم البحر” ضمن ديوانه الشهير “اعترافات مالك بن الريب”، وكان ذلك أجمل توظيفٍ، وأعلاه قيمة فنيّة، على الرغم من محاولة الصائغ التعتيم على مرجعيّة نصّه الشعري حسب تعبير عبد الرضا علي في مقال نشره بموقع ديوان العرب.

وجاء الشاعر أنسي الحاج فوظف النشيد بعنوانه الأصلي “نشيد الأناشيد” واعده بشكل مزامير نثرية شعرية، أشبه بمزامير داود. ويشير الحاج إلى أنّ هذا النشيد فُسّر للاتّحاد بـيهوه الرب اليهودي.

وسبق للشاعر التونسي محمّد الغزّي أن وظف النشيد في قصيدة وسمها بـ”النشيد”، ناسباً اياها إلى سليمان الحكيم؛ ومشيراً إلى أنّه أنشده في عرسه.

وانفرد الكاتب زاحم جهاد مطر في مقالة نشرها على موقع النور بتسليط الضوء على جوانب خبيئة في نص “نشيد الأناشيد”، مزاوجاً في وصفه بين النص الديني والنص الوجداني:

منذ القدم كان سفر نشيد الإنشاد ضمن الأناشيد القانونية في التوراة وفي القرن الأول الميلادي شككت مدرسة الرابيي شحاتي في قانونيتهِ ولكن الرابي عقيبة بن يوسف قال: (لم يجادل أحد في قانونية سفر نشيد الإنشاد وأن كل العصور لا تستحق اليوم الذي اعطى فيه سفر النشيد لبني اسرائيل، فكل الوحي مقدس ونشيد الأناشيد هو قدس الأقداس!). ويعتمد المسيحيون أسفار التوراة التي قبلها بنو اسرائيل كأشعار قانونية. ثم أن نشيد الأناشيد يصف مباهج الحياة الزوجية ولا ضير في الجنس إذا كان داخل إطار الزوج، فقد خلق الله حواء لآدم بعد أن قال: (ليس جيداً أن يكون آدم لوحده!) ويقول الحكيم (أفرح بامرأة شبابك، يغروك ثدياها في كل وبمهجتها أسكر دائماً) ثم أن رجال الدين اليهود يقولون ايضاً بهذا الصدد إن هذا السفر يشرح علاقة الحب بين الله وشعبه وعلى ضوء هذا التفسير قاموا بتثبيتهِ ضمن أسفار الوحي القانونية المعترف بها وقد قبلت الكنيسة السفر ضمن ما قبلته من الوحي المقدس، وقد رأى اليهود في هذا السفر تاريخ بني اسرائيل من الخروج إلى زمان المسيح وقالوا إن بني اسرائيل هم العروس واسمها (شولميت) وإن الرب هو العريس! وإن اتحاد الشعب مع الرب سيكمل في المسيح!

أما المسيحيون الأولون فقالوا (إن العروس هي الكنيسة والعريس هو المسيح) وقد بلغ اعتزاز الكنيسة بهذا السفر أن قامَ القديس اوريمانوس بتفسيره بعدة مجلدات وحاول أن يجد أو يخترع لكل جملة معنى روحياً. وهناك من اعترض أيضاً على أن سفر نشيد الانشاد يعتبر أدباً مكشوفاً فكيف به يندرج ضمن كتاب مقدس!

انتهى المقتطف مما قاله الكاتب زاحم جهاد مطر. وبه أنهي هذه القراءة عن نشيد الأناشيد، او نشيد الأَنشاد وهو واحد من أجمل النصوص الأدبية في كتاب سماوي.

بون 30.12.2021 / فصل مختصر من كتاب “شيء عن الأديان

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

طيور النقيب عادل

طيور النقيب عادل

كل شيء في النقيب عادل مختلف عن سياقاته، فهو نقيب مشاة لكنه دائم التفاؤل والابتسام، وضباط المشاة والدروع في الحرب هم الأشد كآبة بسبب خطورة وضعهم، وهو موصلي ولكنه منفتح لروح النكتة بعيدا عن جدية الموصليين وتحفظهم، وبقي الاختلاف عنوانه حتى النهاية. حين زرت موقع سرية...

قراءة المزيد
لقاءات على محاور الرازيت والشالتر!

لقاءات على محاور الرازيت والشالتر!

صباح مشمس في بداية شباط 1983، ما إن استيقظنا بعد غفوة الإنذار الصباحي في قاطع كتيبان مخفر زيد، حتى فاجأتنا سرية دبابات عراقية كاملة، بالانفتاح على يسار موضع لوائنا، وممارسة تمارين الهجوم السيار على العدو، رغم أنها كانت ضمن حدود قطعاتنا! في كل وقت، تمثل الدبابات عدواً...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *