تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

المسدس مشروعٌ عراقي

سبتمبر 10, 2022 | 0 تعليقات

حملت في جنبي مسدساً على مدى عشرة أعوام وشاركت في حربين كبريين وانتفاضة آذار في كردستان 1991 لكني لم أقتل أحداً قط…ربما لم أصادف احداً يستحق القتل، أو، ربما أنني لست مجبولاً على أن أصبح قاتلاً!

المسدس مسؤولية كبرى، حمله مسؤولية، وأن شهرته ولم تطلق النار مسؤولية، وإذا أطلقت النار على أحد ولم تصبه، ربما لمجرد تخويفه فهو مسؤولية كبرى وجريمة يعاقب عليها القانون رغم أنه قانون أعمى وهارب في العراق العظيم!، وإن ضبطته السلطات في سيارتك أو في دواليب مكتبك فقد يكون جناية أو جرماً، أما لو أطلقت النار على أحد، فالمصائب سوف تنهال على رأسك، فالقانون النائم سوف ينشط ويتعقبك، رغم أنّ إحصائية غير رسمية تقدر وجود 20 مليون قطعة سلاح غير رسمي في البلد! كما أن أهل وعشيرة من أطلقت عليه النار سوف يتعقبونك، أما لو كان من أطلقت عليه النار حزبياً، فسوف يتخذ الهجوم طابعاً سياسياً، وستضاف إليه بهارات طائفية أو اثنية، وتصبح القضية من اختصاص السلطة التنفيذية والسياسية!

مناسبة هذا الحديث هي أنني مشغول هذا الأيام في تأليف كتاب عن السلاح وما يتفرع عنه، ويخال لي أني أسير في حقل ألغام خطير، فالموانع على كتب السلاح بلا حدود هنا في ألمانيا. وقد حاولت شراء كتب والمشاركة في دوريات مطبوعة أو على النت باللغة الإنكليزية أو الألمانية كمراجع اعتمد عليها في الكتاب، فاكتشفت أنّ تداول الكتب عن الأسلحة الحديثة تحديداً ممنوع ومحرم قانونياً في هذا البلد، وما كانت هذه مفاجأة لي، لأني كنت قد عرفت منذ عام وفودي إلى هذا البلد قبل نحو عقدين من الزمن أنّ بيع السلاح ممنوع تماماً. هذه ألمانيا التي نشأت بعد عام 1945، بعد القضاء على النازية، واعدام قادتها، وتصفية مناهجها، ونبذ مرجعياتها ومطاردة رموزها الاجرامية عبر العالم. ألمانيا الجديدة تحارب علناً وسراً كلما يمكن أن يقوّي النازية من جديد، بل إن القوانين الألمانية تمنع حتى جيش البلد من التسلح بشكل يمكن أن يجعل منه مشروعاً جديداً للعدوان. النازية في ألمانيا قيمة اجتماعية ووعي فكري دفين موجود في نفوس كثيرين، وينتظر فرصة سانحة لتبعث فيه الحياة من جديد، والسلاح هو عامل حاسم لبعث تلكم القيم الخطيرة.

في ثمانينيات القرن العشرين عشتُ عقداً كاملاً مع ثقافة الأسلحة، وكانت تربية الرجال في عراق صدام حسين قائمة على نشر ثقافة السلاح، بل وجعلت من المسدس عشقاً يشيع في نفوس الرجال، وقد تعزز هذا بالقوة القبلية المسيطر عليها من سلطة البعث. ونقل لي أحد المطلعين على خفايا المشهد السياسي، أنّ صداماً ناقش في دائرة ضيقة جداً من المقربين إليه مشروعه لمنح مسدس انتاج عراقي هدية لكل ضابط يصاب في معارك قادسية صدام. المسدس هو نسخة عراقية معدّلة من مسدس بيرتا الإيطالي، عيار 9 مليم، وهناك قصص أخرى حولها، نشرت بعضها في كتابي المثير للجدل “اوبرا اوزيراك”. ذلك المسدس نُقشت عليه عبارة “هدية الرئيس صدام حسين إلى كل من نزف دمه دفاعاً عن وطنه”. وكان مقرراً أن تتوسع هيئة التصنيع العسكري في انتاجه، ليصبح المسدس القياسي لوحدات الجيش، ولكن طلبات الرئاسة على صنع وجبات سريعة منه، كانت تمنع تطبيق خطة نشره في وحدات الجيش، لذا بقي متداولاً بشكل محدود في بعض وحدات الحرس الجمهوري.

وأصرّ صدام حسين على ضرورة الإسراع في تجهيز الضباط الجرحى بهدية مسدس طارق، وبعد نهاية قادسية صدام يمكن تعميمه ليصبح المسدس القياسي لتجهيز الجيش العراقي والحرس الجمهوري، (وكان يأمل أن تنتهي قريباً في مطلع ثمانينيات القرن العشرين). ثم تحدث أحد الموجودين، ويقال إنه كان برزان التكريتي، فيما يصرّ آخرون أن المتحدث كان فاضل البراك (الناصري التكريتي) قبل توليه منصب رئيس المخابرات، مشيراً إلى أن إعطاء كل ضابط جريح مسدساً مع اطلاقاته فيه محاذير امنية، وسيتكاثر السلاح في حوزة عراقيين لم يحسم ولاءهم.

فرد صدام غاضباً: “شلون يعني لم يحسم ولائهم؟ نحن نأمن أن يقود الضابط لواء مدرع أو فصيل مشاة أو رعيل مدفعية، أو رعيل صواريخ، وبيده استخدام تلك الأسلحة الثقيلة المدمرة، ثم نتخوّف ونتردد في منحه مسدس شخصي؟! لقد اختبرنا موقفه من الوطن، ومن السلطة الوطنية، فقد نزف دمه دفاعاً عن الوطن وقيادته…فماذا ننتظر أكثر منه!؟ وبعدين لو أردنا أن نناقش الجوانب التطبيقية العملية لقرار منح كل ضابط جريح مسدساً كهدية، فماذا سنجد؟ ماذا يمكن أن يفعل مسدس وراه 50 طلقة؟ ماذا بوسعه أن يغير من ميزان القوة؟ قيادة العراق العظيم، التي تدير معارك على الجبهة العراقية الإيرانية بأحدث الأسلحة والصواريخ منذ أشهر، هل تخشى من مسدس يملكه رجل عراقي شريف دافع عن وطنه؟ أنا لا أرى مكاناً لهذه المخاوف، وأدركُ أن المتحدث حريص على سلامة وأمن القيادة الوطنية، لكنّي أرى وجهة نظره مبالغة في التخوف، وفيها خذلان لرجال العراق الشجعان. هل نمنح الضابط الجريح سيفاً كما اقترح بعض الرفاق في القيادة؟ ممكن، لكنه أمر غير عملي في حسابي. السيف رمز عربي تاريخي، أما المسدس فتكريم من القيادة للرجال الرجال الذين دافعوا عن وطنهم. وهو سلاح يمكّن هذا البطل من الدفاع عن نفسه لو تعرض لاعتداء مثلاً”.

اختبار قوة رصاصات مسدس طارق، فيديو حديث

انتهت الحكاية التي نُقلت لي قبل 25 سنة عن صدام حسين، وكنت مع الراوي نعيش ظروفاً مدمرة استثنائية القسوة، ولا أدرى مدى صحة القصة، فربما تكون ملفقة، وقد تكون مضافاً إليها، وقد تكون في معرض موضوع آخر ولكنها حوّرت لتناسب حوار المسدسات! لكني سأستفيد منها لأعلق على الوضع العراقي عموماً، ففي تقديري أنّ صدام حسين هو واحد من أكثر زعماء العراق فهماً للشخصية العراقية. وهذا لا يعني أنّه يفهم كل العراقيين بمختلف ثقافاتهم وطبقاتهم، لكنه يفهم السواد الأعظم من رجال العراق ونساءه، وبوسعه بواسطة هذا الفهم، تعبئتهم لقضاياه. صدام حسين رجل من بادية العراق وهذه يعتبرها البعض مثلبة في شخصية الزعيم، ولكن…أليست قيم البادية هي التي حكمت العراق، واليوم تحكمه قيم الريف والقبيلة والمعبد؟؟ صدام يفكر انّ حملة كل تلك المسدسات، سيقفون مدافعين عنه بالروح والدم والرصاص، وهذا ما جرى فعلا في 2003.

عام 2004 تحدثت بشكل مسهب إلى قيادي في الحزب الشيوعي العراقي، كان سجيناً في نقرة السلمان عام 1963 بعد انقلاب رمضان، وسألته بوضوح: “لمَ لم تخرجوا بالسلاح دفاعا عن أنفسكم وعن حزبكم وعن الزعيم عبد الكريم قاسم؟”

فأجابني بنبرة متهكمة حزينة: “بأيّ سلاح نخرج؟ كنت في مقر اللجنة المركزية صباح 8 شباط، وكل السلاح الذي وجدته هو مسدس توتو أو مسدس صوت، لا أتذكر بالضبط…هل اخرج بهذا للتصدي لرشاشات بورسعيد ومسدسات براوننغ ودبابات تي 54 وطائرات ميغ 19 وميغ 17 التي قصفت وزارة الدفاع مقر الزعيم؟ نحن كنا وما زلنا حزب سلام، وكان رفاقنا يسمون أنصار السلام، ورابطة المرأة وما شابه، وهذا تنظيمات سلمية لا تقاتل…البعثيون هجموا علينا بقوة الاشقياء والسلاح، ونحن حاولنا أن نواجههم بالقيم السلمية! فكانت معركة خاسرة خسرنا فيه 10 آلاف شيوعي خسروا حياتهم دفاعاً عن قيم السلام”

أصدّق ما قاله الرجل، كما أصدّق ما يقولوه الناشطون السلميون الذين بذلوا دمهم ويبذلون حياتهم للدفاع عن حراك تشرين وعن العراق الجديد…لكنّ المعادلة فيها خلل. صدام حسين نجح في تعبئة رجال العراق للدفاع عنه، لأنهم يفهم أن الرجل العراقي يعشق السلاح، وحين تهديه سلاحاً، تضمن ولاءه، وتضمن أنّه سوف يستخدم هذا السلاح دفاعاً عنك. أما السلميون، فنواياهم حسنة، وطيبون، لكنهم يريدون تغيير نفسية الفرد العراقي، ابن الريف، وابن البادية وابن المسجد وتكايا الحوزات بالكلمات والدعوات النبيلة، وهذا غير واقعي.

قد يعترض اليساريون والشيوعيون والناشطون والناشطات وهم يعتبرون ثقافة السلاح ترويجاً للعنف جاءت به الولايات المتحدة الأمريكية، وما إلى ذلك، لكنّي ادعوهم لقراءة السلاح كحل من الزاوية التي يراها أغلب رجال العراق ونسائه…عندها سيعرفون لماذا يتكلم أغلب العراقيين والعرب عن “صدام الهيبة”، وطالما انشدوا وما زالوا ينشدون له “صدام حسين يلوك إلنا”، صدام حسين يليق فعلاً بأغلب العراقيين، وهذه ليست دعاية بل اعتراف بقوة خصم لدود مازال يملك قلوب ملايين العراقيين للأسف.

*فصل من مشروع كتاب أعراس السلاح

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

نهود المرأة للرضيع وليست للرجل!

نهود المرأة للرضيع وليست للرجل!

              في ظل غابة القيود والحدود وحدود التحريم المسرف التي تحفّ بالمرأة والتي صارت تعتبرها برمتها "عورة يجب اخفاءها"، ضاعت الحقائق وتداخلت لدى كثير من العقلاء، حتى صاروا يعدون نهود المرأة جزءاً من...

قراءة المزيد
بحثاً عن وطن بديل

بحثاً عن وطن بديل

                  هذه قصة من قصص الزلزال الذي هزّ العراق بعد غزو الكويت، والذي ما زالت ارتداداته قائمة تهز العراق وجواره حتى اليوم. تفاخر صدام حسين ذات يوم بالقول إنّه سيرحل ويترك لكل عراقي قصة يرويها للأجيال. كان محقاً، فقصص الحزن العراقي بلا نهاية.صوت انفجارات قريبة...

قراءة المزيد
علمنا الموروث الغامض

علمنا الموروث الغامض

ليس بوسعي تخيل بقاء علم الثورة العربية على وضعه في العراق رغم أن دخول البرلمان وتخريبه بات ظاهرة عراقية يومية، تتكرر في مناسبة ودون مناسبة، واذا كان أتباع الصدر يستفيدون من نافورات البرلمان للاستحمام، فإنّ ساسة التيار وقياداته سيحولون هذه الصولات إلى انتصارات سياسية،...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.