تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

الفأر الذي صار تمساحاً

يوليو 13, 2023 | 0 تعليقات

هذا بالضبط ما جرى عليه، فقد استيقظ صبيحة يوم 9 نيسان 2003 وهاتفه المحمول الجديد يرن عليه برقم من قطر، فرفع نفسه من رقدته، وأجاب الهاتف وهو مرتبك وأطرافه ترتجف كعادته عند كل مفاجأة، وجاءه صوت ميسون منتجة البرامج في الجزيرة وهي تسأله أن يكون معهم في تغطية مفتوحة على الهواء من الصباح حتى الخامسة مساء مقابل 500 دولار للحديث عن الزلزال الذي أصاب العراق، وقد يتكرر الأمر في الأيام المقبلة. وافق عبد الحسين زودرس حسني دون تردد على العرض الذي كان يحلم به وهو مقيم منذ سنوات في باريس يعمل هنا وهناك في ترجمة الوثائق وما إلى ذلك.

مشكلة عبد الحسين أنّه يخاف من كل شيء ولا يملك ولاءً لشيء محدد، كل ما في عالمه معروض للبيع، خوفه وقلة وفائه ورثها من سنوات حياته المضطربة في العراق في سبعينيات القرن العشرين. ففي عام 1971 حصل على دفتر خدمة عسكرية عشية بلوغه الثامنة عشرة، وبدأت مشكلاته مع تسفير 3 من اعمامه إلى إيران بتهمة التبعية. وطالما عتب على اجداده وقد أطلقوا على ابيه اسم “زودرس” الفارسي، متهما إياهم بالجهل، فالأب قد ولد في زرباطية بالعراق، ومن الغريب أن يسمونه بهذا الاسم الفارسي، لكن جدته طالما ظلت تقول له، إنّ والده قد ولد مبكراً لسبعة أشهر حمل، ولهذا أطلقوا عليه هذا الاسم، وهنا اعتاد عبد الحسين أن يثور ويعربد متسائلاً: “لماذا لم تسمونه سبعاوي، كما يطلق في هذا البلد على من يولدون في الشهر السابع من الحمل؟”

فتجيبه جدته مستاءة بأن هذا اسم يستخدمه العربان وهو غريب على ثقافة الكرد الفيليه، وهنا ينوح دائما عبد الحسين وهو يلعن الساعة التي ولد فيها كردياً فيلياً تطارده لعنة القومية لأنه كردي في العراق، ولعنة التشيع لأنه شيعي في دولة يحكمها السنة، وتهمة التبعية الإيرانية المدمرة التي خربت حياته منذ سنوات حداثته المبكرة.

وحين تخرج من الإعدادية، لم يقبله معهد اعداد المعلمين لأنّ تهمة الشيوعية والانتساب الى اتحاد الطلبة العام تطارده، وهو لا يمتك شهادة الجنسية العراقية، فتوسط للحصول على وظيفة، وهكذا بات عاملاً في الشركة العامة للزيوت النباتية، وانتسب الى كلية الاقتصاد في جامعة مسائية جديدة في العراق، افتتحت توا باسم الجامعة المستنصرية، وصار يتطلع الى مستقبل أفضل.

 لكنّ رياح العراق التي تشرع فيها سفائن البعث لم تجر قط وفق هواه، وسرعان ما تفجر الوضع السياسي بقيام مؤامرة دبرها مدير الأمن المرعب ناظم كزار. المفارقة الكبيرة هنا أن أطراف ما جرى انعكست على بيت عبد الحسين مباشرة، لأنّ أحد أقارب والدته كان موظفا في مكتب ناظم كزار (وهو نفسه الذي توسط لعبد الحسين في التعيين بوظيفته). هذا الموظف جرى اعتقاله، وخضع للتحقيق، وبالتالي باتت كل العائلة موضع شك، فهم كرد فيليه، شيعة، بينهم تبعية إيرانية جرى تسفيرهم عام 1971، علاوة على أنّ أبناء زود ردس الثلاثة شيوعيون.

تسارعت الأحداث واقترب الخطر من عبد الحسين مباشرة حين تكررت زيارات عناصر الأمن والمنظمة الحزبية إلى بيتهم، وجرت اعتقالات جديدة لأشخاص من اسرتهم ومن أقاربهم، وبات الرجل يخشى المبيت في بيته، فصار طريداً يبيت مع زملاء الجامعة في الأقسام الداخلية لجامعة المستنصرية، وحين تطاول الأمر، بات يفكر جدياً في الهجرة بحثاً عن عالم أكثر أماناً.

وبعد وساطات عدة، ورشاوى باهظة، نجح في الحصول على شبه جواز سفر (رغم انه لا يملك شهادة جنسية عراقية)، ثم هاجر ليستقر لدى قريب له في مالطا، ثم نجح في الحصول على فيزة اتاحت له الدخول إلى فرنسا، واستقر فيها.

بكاء مذيع فضائية الجزيرة حزنا على سقوط نظام صدام حسين السريع المدوي

قضى عبد الحسين 30 سنة من عمره متخفيا متسترا يسير بسد الحيطان في فرنسا، لكنه “ياكل ويوصوص” كما يقول الناس، ففي بلده تتعاقب الحروب والمصائب، ويموت الشباب بالجملة على مذابح حروب القائد الضرورة، فيما كان عبد الحسين يعمل ويعيش آمناً، لذا عمل جاداً في أن يحارب صدام، على طريقته المتكتمة، متوارياً تحت اسم “حازم” المستعار، وملثّماً بيشماغ احمر يرتديه حتى في التظاهرات. وفي تسعينات القرن العشرين، حين بدأت الفضائيات تقوى بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي، صار عبد الحسين يعمل مترجماً لمنافذ إعلامية عدة، وحال أن انطلقت فضائية الجزيرة، بات يحلم أن يعمل لهم، وهذا ما جرى له.

بعد 3 عقود من الحرمان والغربة والفقر، ابتسمت الاقدار لعبد الحسين، فقد وضع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش العراق على قائمة دول محور الشر بعد الضربات القاعدية التي طالت الولايات المتحدة الامريكية 11 سبتمبر 2001، ومع بدء عمليات حرية العراق، بات عبد الحسين زبونا للجزيرة، فأعلن تدينه، واعتزاله الشيوعية، وتحول إلى مسلم مؤمن سني، ثم استورد بعد اسقاط نظام صدام حسين عراقية غير محجبة لتكون زوجا له، وسرعان ما حجبها لتناسب ظهوره المستمر على قناة الجزيرة!

ومع سقوط نظام صدام حسن، وتعافي الاقتصاد العراقي، وانفتاح الاعلام والحدود للناس، بات عبد الحسين يتردد بشجاعة على العراق، واشترى خلال عقد بيتين وهو الذي كان لا يملك حتى حفرة في وطن صدام حسين. كما بات ضيفاً حوارياً مفضلا لفضائيات عدة، وكل حديثه كان ترديداً لخطاب قناة الجزيرة، وتمجيدا لمآثر صدام حسين، والجمهورية العراقية وماذا فعلت في حربها ضد الاستعمار؟ بل إنه صار يدافع عن نظام صدام حسين والشعب العراقي المظلوم الذي خضع لحصار اقتصادي ظالم من لدن القوى الغاشمة؟

وتمكن بعد ثلاثين سنة أن يشتري شقة صغيرة في ضاحية بباريس…الحقيقة أن اسقاط صدام حسين فتح أبواب الخير كلها لعبد الحسين وعائلته، وعاد المسفرون منهم إلى وطنهم، واستعادوا املاكهم المصادرة، وبات عبد الحسين يتابع بنشاط محاولاته للحصول على تقاعد مقابل الأشهر التسعة التي عمل فيها كعامل في الشركة العامة للزيوت النباتية عام 1973، وذلك من خلال انضمامه إلى جمعية السجناء السياسيين (رغم أنه لم يسجن في عهد البكر ولا في عهد صدام حتى ليوم واحد، لكن تهمة التبعية افادته في هذا المجال واستطاع ان يضيف اسمه الى قائمة سجناء التسفيرات سيئة الصيت).

الخير الذي أصاب عبد الحسين زودرس حسني وأسرته بإسقاط نظام صدام حسين، ظهر بشكل معكوس على شخصيته وخطابه، فمنذ 9 نيسان 2003، تحول عبد الحسين إلى شخصية معبأة بشدة ضد تطلعات بلده، ومرتدة بشدة عن عقائدها السياسية والدينية والقومية…ثم بات بوقاً يروج للعروبية والإسلام السياسي على طريقة قطر. ومع تقدم عمره واقترابه من الشيخوخة تحول الفأر الخائف المتواري على مدى عقود إلى تمساح مفترس خطير، يقضم دولارات كارتل البترودولار ليل نهار، ويشتم وطنه وأهله وشعبه بلا هوادة.

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

خطأ أنقذ روما

خطأ أنقذ روما

يسيح الكاتب محمد حسين صبيح كبة في تأملاته بشأن روما وتاريخها، معلنا استنتاجاته غير المألوفة بهذا الشأن. يقال في علوم جغرافية معينة أن هناك 7 أرضين و7 سماوات طباقا هي التي يعيش عليها البشر وغير البشر في امر الاختبار الإلهي ما بين النزول على الأرض وقبل الذهاب للجنان أو...

قراءة المزيد
الحوت الأزرق…لعبة خطرة أم ماذا؟

الحوت الأزرق…لعبة خطرة أم ماذا؟

يتأمل الكاتب محمد حسين صبيح كبة فيما يفعله عالم اللعب الإلكترونية، مقارنا ذلك بالأدب الكلاسيكي الذي دئب الشباب على قراءته، ومن هنا فإن موبي ديك والشيخ والبحر تتخذ معاني أخرى في عالم اللعب الإلكترونية. تمهيد: يخبرنا صالح مرسي، وهو نفسه مؤلف رأفت الهجان، في إحدى قصصه...

قراءة المزيد
من عجائب الترجمة وغرائب المترجمين

من عجائب الترجمة وغرائب المترجمين

بقلم محمد حسين صبيح كبة يعلق الكاتب محمد حسين صبيح كبة على مقالين عن كتاب ف. سكوت فيتزجيرالد الروائي الشهير كتبهما محمد عبد الكريم يوسف. بادئ ذي بدء شكرا للكاتب محمد عبد الكريم يوسف على مقالتيه الرائعتين واحدة عن عن الحب والثانية عن الاغتراب في رواية ف. سكوت...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *