تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

السيد يوسف في فرحة الإفريقيات

ديسمبر 19, 2020 | 0 تعليقات

عشقتُ يوسف حين عرفتُ قصته وقصتي، فقد أسماني أبي السيد عبد الأمير باسمه تيمناً لي بالسعد والسلامة وحسن الخاتمة. وعرفتُ من الآخرين أنى جميلٌ فعلاً مثل يوسف الذي عشقته امرأة العزيز ونساء المدينة، فجرّحن أناملهن بسكاكين الفواكه مرهفات الحد كشفرات الحلاقة لشدة ولههن بحسنه.

نلت كل طيبات السفر والحياة المرفهة والمعرفة لكني بقيت محروماً من المرأة، ولم أعرف هذا الكائن الرقيق السحري إلا من خلال والدتي، وكانت امرأة غائبة عن تربيتي، فقد كان أبي هو المبادر إلى تنشئتي وتربيتي وتعليمي، ومن خلال عمتي التي حفّظتني أجزاء من القرآن، لذا أمعن اغترابي عن النساء في تغذية شوقي وخوفي منهن. كان مجرد جلوسي قرب إحداهن وملامسة أطرافها من وراء حجب الملابس والدثر يشعل في جسدي وروحي حرائق بلا نهاية.

وذات لقاء بمنزل ريفي بقرية في البحرين، التفّت حولي النسوة للتبرك بالنسب الهاشمي كما يفعل الريفيون غالباً، وبتن يقبلن يدي ويتلمسن جسدي وعباءتي بحرارة، فألهب كل ذلك روحي وغدوت حائراً بين الشكر لهنّ والمسح على رؤوسهن ورؤوس صغارهن بأصابعي وبين التملص بجسدي من لمساتهن الباعثة على الغواية…يقول النصارى إنّ المرأة المغرية صنو الشيطان، لكنّ الإسلام لا يقر الرهبانية فلم يستبعد المرأة، أما أنا فكل ذلك لم يكن جزءاً من مشكلاتي بل تركزت جلها في جهلي لما تكون عليه المرأة.

وقد يكون هذا التنائي عن المرأة طبيعياً في مرحلة الطفولة والمراهقة، لكنه بالتأكيد يفوق العادة حين يصل المرء إلى عقده الثالث، لاسيما وأنّ المجتمع يتيح للرجل الزواج بأكثر من امرأة، ولكن ظروفاً قاهرة منعتني عن ذلك، وقد يكون سببها غير مادي، إلا أني لا أستطيع وصفه وليس بوسعي أن أعزوه إلى مسبب بعينه.

وقد يخال البعض أنّ في شكلي خلل يسبب نفور النسوة مني، وهذا يخالف الواقع، فلقد كنت وسيماً، أشقر الشعر، أشهب اللحية، حنطي البشرة، أخضر العينين وهو أمر نادر في بلادنا، وطالما كان سبباً لانجذاب النسوة إليّ.

كبرت في مدينة النجف المقدسة وهناك تلقيت علومي (صورة رمزية)

ولو استبعدت غياب المرأة المضني، فقد تركت ثلاثة أشياء بصمات رائعة في حياتي، هي الثقافة والنسب العلوي ومولدي رابعاً بعد ثلاث بنات. المولد بعد البنات حسم كثيراً من القضايا لصالحي، فقد ورثت عن والدي موقعه الحوزوي الرفيع، ما مهد لي الدخول إلى عالم المعممين الوعر وتسلق سلم مراتب العلم والدرس بسرعة، فدرست المقدمات والسطوح في حوزة الكوفة بالنجف خلال 5 سنوات مختصراً إلى النصف سنوات درس وتحصيل قد تصل بالبعض إلى عشرات. ثم درست البحث الخارج وهو ما يعادل الدراسات العليا الجامعية في النظم التعليمية المدنية.

علاوة على ذلك قرأت كثيراً من كتب الفقه وعلم الكلام واللغة، وختمت القرآن 10 مرات بقراءات مفسرة، وحفظت أجزاء منه، وتعلمت الإنكليزية بشكل مقبول ومثلها الفارسية، علاوة على العربية قبل أن أبلغ من العمر ثلاثين عاماً، كما سافرتُ كثيراً بحكم عملي كمبلّغ، وهكذا تفتحت أمامي آفاق كبرى للمعرفة والحياة. علاوة على ذلك فقد كان نسبي الهاشمي عاملاً مساعداً بشدة في نجاحي، إذ أينما توجهت يخاطبني المؤمنون بلقب سيد ويجلّون عمامتي السوداء ويهتمون بجد بما أقول.

وحين بلغت التاسعة شرع أبي في تحفيظي القرآن، ولما حلت عطلة الصيف في الحوزة، أرسلني إلى بيت عمتي في ريف عين التمر بكربلاء لتقوم العلوية بتول بتحفيظي سور من القرآن حسب نهجها الذي نجح مع شقيقاتي، حتى أن اختي الكبرى سكينة حفظت كل القرآن وهي في سن الخامسة عشرة، نتيجة زياراتها الصيفية المتكررة لبيت عمتي بتول. وهنا لابد من الإشارة إلى أنّ عمتي بتول كانت مدرّسة في الحوزة النسوية بكربلاء والتي كان مقرها بجوار ضريح الإمام الحسين في عام 1965 بمحلة باب الطاق وقد أطلق عليها اسم مدرسة حافظات القرآن الكريم.

صيف ذلك العام الذي قضيته في بيت عمتي بتول غدا محطةً هامة في حياتي، فقد حفظت خلال 3 أشهر نصف القرآن، وكان لي قصة لابد أن أمر بها هنا قبل أن أنسى، فقد كبرت بذاكرة قوية، لكنّي بت أنسى كثيرا من تفاصيل مراحل حياتي.

لم اعرف المرأة سوى في أمي وفي عمتي الشاحبة بتول

القصة جرت حين كنت أحفظ سورة يوسف، فقد استعصت عليّ معانٍ في بعض الآيات، ومنها قوله “إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ”، فهذه الآية تشرح واقع حالي، أبي يحبني أكثر من أخواتي الثلاث، ويقدمني عليهن في كل شيء، هل تكون أخواتي عصبة ضدي كما كان إخوة يوسف، حيث قالوا” اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ”؟ هل يعني هذا أن أخواتي، سكينة وهاجر ونور الهدى سيتفقن على قتلي؟

بهذا السؤال توقفت عمتي بتول عن التحفيظ، ونظرت في وجهي بعمق وهي تسأل: ماذا يجعلك تتحدث بهذا الشكل؟ هل يوجد في بيت أخي عبد الأمير نسوة قاتلات؟

عمتي بتول كانت دائماً تبدو مخيفة بالنسبة لي، فهي نحيفة شديدة البياض تكتسي بالسواد مذ عرفتها، وعمرها يفوق عمر أبي بأكثر من عشر سنوات، تعيش في بيت جدي بعد أن رحل عنه الجميع، وقد عادت إليه بعد وفاة زوجها، وزواج أبنائها وبناتها الست.  تتنقل عمتي بتول بهدوء كأنها شبح يسري في غرف البيت الكبير التي يعمها الظلام باكراً، فالبيت قديم عالي السقوف يتوسط بستان نخيل كثيف، لذا تغشاه الظلال وتغيب عنه الشمس باكراً حتى في أوج الصيف.

وأثناء تحفيظي القرآن، كنّا نجلس دائماً في صالة الضيوف، وهي قاعة شاسعة الحجم تزين واجهتها المطلة على البستان نافذة كبيرة جداً، تمتد من الجدار الأيمن حتى الجدار الأيسر، وعليها مشبك حديدي، يتكون من معينات حديدة، تتوسطها نجوم خماسية لتجمع كل 4 معينات في نقطة واحدة. سعف شجر النخيل يهتز فوق النافذة صيفاً وشتاء، ليطلق صوتاً مخيفاً كأنه همس الجن، رغم أني لم أسمع هذا الهمس، لكن طالما خيل لي أن حفيف سعف النخيل على نافذة بيت جدي يطلق همس الجن الذي كان أبي يصف به كل صوت خافت يتناهى لسمعه.

أشد ما كان يخيفني في بيت جدي هو غرفة المسجد التي كانت عمتي بتول تتعبد وتتهجد فيها، فقد كان الحاجة إلى التبول توقظني أحياناً في جوف الليل فأذهب إلى المرحاض، وحين أمر بتلك الغرفة، كنتُ اشهد عمتي متربعة في وسطها وقد ارتدت عباءة رقيقة مزهّرة من قماش يدعى ململ وجلست تكلم أشباحاً وتبتهل لهم وتناشدهم الظهور سريعاً قبل الفجر، وقد أحاطت بها من أركان الغرف المعتمة الأربعة شمعدانات تنير المكان، فهي لم تكن تحب أن تنير المسجد سوى بنور الشمع. وقد سألتها مرة لمَ تفعل ذلك، وبوسعها أن توقد أنوار الغرفة وتخلص من مشقة ايقاد الشموع وتنظيف مساقط دموعها، ودخانها الذي يلوث الجدران أحياناً، فأجابت أنّ النار في المسجد تحميه من ميون الجن ومؤامرات الأبالسة. وحين سألت أبي عن حقيقة ذلك، ضحك وعلّق مجيباً: استعذ بالله من الأبالسة والجن، فهو الحامي، أما النار فهي لعبة الشيطان الكبير!

وعادت عمتي تقول إن القرآن نفسه نفى مقتل يوسف حين اقترح بعض أخوته: “قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ”، لذا فمن غير المعقول أن شقيقات يوسف الجميل ابن أخيها، سوف يتفقن على قتله، وإن حصل اتفاق فسوف ينحو نفس منحى فعل أخوة يوسف!

البئر شكل دائما رعبا لي، وخاصة أن يوسف الصديق له قصة مع البئر

تفاقم رعبي لكلامها وصارت الأخيلة تأخذني كل ليلة إلى بيتنا في النجف، فتتراءى لي شقيقاتي الثلاث وهنّ يقدني عنوة إلى الجنينة المهجورة خلف البيت، ثم يدخلن بي إلى قنِّ الدجاج الكبير الذي تتوسطه شجرة زيتون عملاقة، ثم يفتحن فوهة البئر الجاف الواقع تحتها ويدفعنني بالقوة حتى يلقين بي إلى جوفه المظلم الرهيب. وقرأت عمتي باقي القصة المهولة بصوتها المرتجف وقد أرخت ملاءتها البيضاء الرقيقة على وجهها فتدلت فوق المصحف في يديها، فتحولت خشيتي إلى كابوس باللونين الأسود والأبيض: 

“قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ، قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ، فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ، وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ، قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ، وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ”.

هاهن شقيقاتي، يجتمعن عليّ ويغرقني في ظلمة البئر، وليس بوسع أبي ان ينقذني. أليس من حقي أن أخشى النساء، وهنّ سفيرات الشر وحاملات مشاعل الفتنة؟

ولم أستطع قط أن أفهم حقيقة السيارة التي وردت في الآية “وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ”؟؟ لماذا هي سيارة، وأي نوع من السيارات في ذلك الزمان؟ ورغم أنّ عمتي شرحت لي أنّ السيارة هو وصف البدو السائرين في الصحراء، إلا أنّ عقلي الصغير أبى أن يقبل شرحها، وربط كل ذلك بسيارة سوداء تستقلها شقيقاتي هرباً من مكان جريمتهن بعد أن قذفن بي في جوف الجب.

نمت تلك الليلة بعد أن حفظت تلكم الآيات، ثم أيقظني ابن عمي الأصغر الذي يكبرني بثلاثة أعوام، بعد أن جاء بما ابتاعه من سوق النجف وبينه اللحم، حيث لم تكن عمتي تحب لحم القرية المتهالك العتيق، وهكذا كان أبناء اعمامي يتناوبون التبضع لها كل يوم أو كل يومين. حين أيقظني حسنين كانت الساعة قد شارفت على العاشرة صباحاً، واكتسى وجهه بسمات الخوف فقال وهو يهزني برفق: يوسف، يا يوسُف…أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لماذا تحدق بي هكذا؟ هل أنت نائمٌ أم صاحٍ؟ عيناك مفتحتان مثل عيون سمك في قاع الواحة، ومع ذلك فحواسك قد ذهبت بالمنام!

نهضت مرعوباً وقد أخرجني صوت حسنين من جوف البئر المظلم البارد، فاغتسلت وخرجت معه نلعب ونلهو بدراجته التي لا يقبل أبي أن يبتاع لي مثلها. ثم اقترح عليّ أن نذهب معاً إلى خلف البساتين ليريني شيئاً لم أر مثله طول عمري، فاستأذنت من عمتي، ورافقته على دراجته، حتى خرجنا إلى حافات القرية، حيث لا بيوت، وحيث البساتين تمتد بلا نهاية.

عمتي تسري في البيت مثل شبح (صورة رمزية)

هناك، جال بي حسنين، في أرض عتيقة النخلات، تغشاها ظلال غامضة، ورائحة السبخ تعم بقايا أكواخ وصرائف مهدّمة فيها، حتى وصلنا إلى فسحة من رمال تتوسط جذوع النخل والبرتقال. وسط الفسحة قطعة مربعة من صفيح يؤطرها جريد النخل وقد اسودّ لونه، وقال لي بعد أن ترجلنا: انتظر هنا معي وتأمّل غطاء الصفيح، سترى عجباً لم تشهد مثله!

مساحة الصفيحة وإطارها تبلغ نحو مترين مربعين، وحين تعالى آذان الظهر من مسجد القرية، بدأت الصفيحة تهتز بشكل غريب، قال حسنين: لا تخف، ولا تغمض عينيك، أنظر للصفيحة فحسب!

ومع انتهاء الأذان شرع الماء يفور من العين ويتدفق منحّياً الغطاء، ولبثت أتأمل تلك المعجزة، فصار الماء يتلون بلون أحمر قريب من لون الدم، وهالني كل ذلك، فانتابني الخوف وصرت ارتجف، حتى أمسك حسنين بذراعي وسحبني لنقترب من العين التي أحاط بفوهتها الماء الأحمر، وقال: سبحان الله هذا تجسيد للآية “حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ”، ربما نحن مقبلون على طوفان جديد يبدأ من هذه العين العجيبة.

ثم هدأ الماء بعد نحو نصف ساعة، وصار يتناقص حتى سكن، فتحرك حسنين يعيد الغطاء للعين الهادئة.

حين عدنا إلى بيت جدي، أجلستني عمتي في صالة الضيوف، وشرعت تحفّظني ما تبقى من سورة يوسف، وقرأت بخشوع:

“وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ، وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ”. هل فهمتَ الآيات؟

كنت مشغولاً باستعراض ما شهدته في العين الغريبة، وانتظر مرعوباً طوفاناً جديداً يغرق الديار ويجتاح الأمم فلم انتبه لسؤالها، وقالت بصوت معاتب: يوسف، أين أنت؟ هل شغلك حسنين بأمر جديد؟

حفظت اختي القرآن في وقت قصير (صورة رمزية من عزاء حسيني)

وتنبهت لقولها، فأجبتها بابتسامة أني اشعر بالتعب اليوم، وربما كنت معلولاً واحتاج أن أنام، فجاءت لي بدثار ووسادة، وتركتني أنام في صالة الضيوف، وما برح حفيف السعف على نافذة الغرفة يفاقم اغترابي.

وحين غفوت، أغرقني الماء في حلم كئيب تتراكض فيه ظلال وأشباح وتقاطعه نجوم بيض وسعف يهتز بشدة، حتى أفقت وقد غمر العرق جسدي فكان الغروب قد حل، وشعرت باكتئاب وأنا أرقب أعمدة من نور الشمس تنطبع على جدار الغرفة المقابل للنافذة. هذ النور الشتوي يخيفني ويشعرني بالحزن دائماً، ولا أحبه قط.

عصاني النوم في تلك الليلة، ولا أذكر كيف غفوت، لكن لم يطل الأمر حتى ايقظتني عمتي وهي ترتدي ملالتها البيضاء، وعلى وجهها ملامح شبح، وقادتني بسرعة إلى خارج البيت، كنت أركض معها وفي قدمي نعلا المنزل الاسفنجيان، والشوك يخزّ قدميّ ونحن نقطع البراري، وحين أسألها إلى أين تأخذني في هذا الليل البهيم، تجيبني وهي لا تنظر صوبي: اننا ذاهبان إلى عين هود، وما كنت أعرف أين تلك العين، حتى وصلنا إلى خرائب تغمرها ظلم كالحات، وبقينا نسير بين الخرائب وأصوات الغربان والبهائم تقاطع صمت ليلنا، وحين وصلنا إلى فسحة من الأرض وسط الجدران المهدمة، كانت تلك نفس العين التي زرتها مع حسنين، وما إن شارفنا المنطقة حتى فارت العين وغمر الماء الخرائب وحاصرنا في ثوانٍ، وقالت عمتي: تعال لنقرأ سورة يوسف، إنّه واجبك لهذا اليوم؟ عرقت والماء يطوقني، وقالت اقرأ يا يوسف، واجبك اليوم أن تتم سورة يوسف الذي تتشرف بحمل اسمه…وهممت أن أقرأ، فدب الماء يغمر قدمي، وصار الوحل يمتصني إلى جوف الأرض، ثم اختفت عمتي بتول، وبقي الوحل يجرفني إلى حافة عين هود، وانفتحت العين عن جوف معتم يغلي فيه ماء أحمر كالدم، بل لعله دم يفور في جوف شيطان صامت، وما برح الدم أن ابتلعني، فتهاويت إلى جوف العين ساقطاً لهاوية لا قعر لها، ثم حاولت أن اتشبث بقدمي أينما كان، لأقطع السقوط السريع نحو الهاوية، فتعلقت بشيء لا أدركه، ربما هي نصف قطعة آجر ناتئة في جدار العين، وكأنّ العين باتت جبّاً مرصوف الجدران، وتعلقت أصابعي بالجدار فلم أعد أهوي إلى الجوف المعتم، وصرت اسمع أصواتاً تناديني من بعيد، وصوت أبي يكلمني وصوت أمي، وشقيقاتي يمسكن بذراعي ليقذفن بي إلى جوف الجب، كان الناس حولي يرتدون أكفانا بيض، ويتجولون بهدوء وفي أيديهم يحملون أشياء لا أعرف كنهها. أقدامهم في صنادل بيض، وتسير على قاع أخضر ناعم شاسع.

اعتذر لأني أسرفت في سرد هذه القصة، وهي بضع من ذكريات طفولتي في المدن المقدسة، لكن ما أردت أن أقوله لكم لا علاقة له بكل هذا، ولا أدري لماذا تتشوش افكاري في بعض الأحيان، ويحدث هذا غالباً حين أكون في حضور النساء.

وعليّ هنا أن اشرح لكم كيف قررت الحوزة ايفادي للتبليغ في قرية كفر حونة بمنطقة جزين جنوب لبنان، لكنّ تفاصيل كل هذا لا تحضر ذاكرتي، لاسيما أنّ المهمة قد ألغيت بسبب المعارك في المنطقة.

وحين بات عمري 30 سنة جاءني ايفاد من جامعة قم في إيران للتبليغ لمدة نصف عام قابلة للتجديد في جمهورية غينيا أقصى غرب القارة السمراء، فرزمت عدتي وسافرت عبر مطارات ومحطات صعبة حتى وصلت الى مدينة ديابي بمنطقة فوتاجالون الواقعة على نهر السينغال في شمال شرق البلد حيث استقر بي الحال في بيت ملحق بأحد المساجد، ووفرت لي بلدية المدينة سيارة مع سائق وحارسين للسفر إلى القرى المحيطة بالمدينة لأداء صلاة الجمعة وإحياء مراسم شهر محرّم ورمضان.

ذهبت لإحياء مراسم عاشوراء في غينيا واقمت عزاء للنساء

رحلتُ إلى إفريقيا وأنا ما زلت عازباً، وقد شجع هذا القائمين على هيئة الايفاد على قبولي، ولكن لابد من القول إنّ من النادر في العالم الإسلامي بلوغ الرجل الثلاثين من العمر دون اقترانه بامرأة، فالنكاح سنة إسلامية محببة، ومع ذلك فإنّ وصولي إلى هذا الوضع ما برح يتباعد، المرأة تثير فيّ مشاعر محببة ما بقيت بعيدة عني، فمتى اقتربت، تبدلت تلك المشاعر إلى خوف وخشية.

وأرشدني أحد الأصدقاء إلى كتاب “أخبار النساء” فوجدتُ أكثر من كتاب بهذا المعنى، وحولها جدل كبير، لكنّي قرأتُها كلها، وعرفت أسرار هذه المخلوقات الغريبة، فقد عرفت مثلاً ما وصفوه ب “نمط الحب الجاهلي” حيث كان أسفل جسد المرأة لزوجها وأعلاه لعشيقها، كما عرفت “نمط الحب البدوي” الذي يُعَدُّ العاشق الحسّي وفقه طالب وِلْد، وتعرفت على “نمط الحب العذري” الذي يمكن للعاشق وفقه أن يتزوج لكنه يظل مخلصاً لمن أحب حتى لو تزوّج أيضاً. وكشف الكتاب بجرأة أخص تفاصيل حريم الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، ناهيك عن بعض الصحابة والتابعين. وتعلمت منه إلى حد كبير كيف أتقي شر النساء وكيف اتجنب غوايتهن.

وحال أن وطأت قدمي أرض غينيا، بدأتُ جولاتي بمساجد وتكايا مدينة ديابي والقرى التي حولها وقد ضعف هاجس خشيتي من النساء، حتى كاد يختفي. وذات يوم جاءتني دعوة من مجلس ” ألماميات” بمنطقة فوتا الشمالية القريبة، وكشفت الدعوة أنّ عليّ إحياء عدة جلسات عزاء في مسجد المدينة، كما أن عليّ إحياء جلسة عزاء في محضر نسوي، وهذه شعيرة لم أمارسها من قبل. وللتوضيح فإنّ منطقة فوتا هي إحدى إمارات غرب أفريقيا وكان اسمها “دولة الإمامية” (أو “ألماميات” كما يسميها السكان) وقد قامت نتيجة للهجرات الكبيرة للفولان إثر سقوط إمبراطورية ماسينا التي شغلت منطقة جمهورية مالي حالياً. وقد تلا تلك الهجرة حملات تبليغ شيعية كبيرة من العصر الفاطمي حوّلت ديانة سكان المنطقة إلى التشيع. وكان عليّ أن اتحرك على النساء وهنّ أمهات اليوم أو أمهات المستقبل، ومن النساء يرث الأبناء غالباً دياناتهم.

وزرت في ليالي الرابع والخامس والسادس من محرم مساجد في المدينة ولفت نظري حجم الحضور الكبير لمحيي المراسم.

وفي الليلة السابعة زرت مسجد فوتا لإحياء أول عزاء نسوي فيها، فهالني أنّ عدد الحاضرات يتجاوز 500 معزّية، وفي عيونهنّ قرأتُ شوقاً لمعرفة ما عندنا لاسيما أنهنّ يعرفن من العربية نسبة لا بأس بها تعلمنها في المدارس والتكايا القادرية المنتشرة بكثرة في تلك الربوع، وهكذا هو الحال في إفريقيا دائماً، فالناس تواقون لكل جديد في الإسلام خاصة.

عرّفتهن بعاشوراء وواقعتها بشكل تاريخي دون أن أوغل في النحيب والبكاء، فهن يجهلن ذلك، ثم كشفت لهنّ أنّ هذه هي ليلة أبي الفضل العباس وتلوت عليهنّ مقطعاً من زيارة العباس قلت فيه: “أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة” وأخذت صفة الوفاء لأبين لهنّ كيف أن العباس، وهو غير معصوم وليس إماما قد فدى الحسين بروحه، ورفض الأمان الذي عرض عليه يوم التاسع ويوم العاشر، حتى وصفت لهنّ قطع يده حيث قال متحدياً: “والله لو قطعتم يميني إني أحامي أبداً عن ديني”، وحاولت أن انتزع دموعهن من مآقيها بلا جدوى فهنّ يجهلن تلك الحكايات، لكنّي لمحت في عيونهن شوقاً ولهفة عزوتها للوهلة الأولى إلى رغبتهن في التعلم.

وبانتهاء مراسم التعزية، نهضن جميعاً، وتزاحمن حولي وهنّ يرددن بحياء: “مرهبا سيد يوسف، مرهبا سيد يوسف”…ثم تقدمت إحداهن وهي شابة رشيقة مليحة لا يتجاوز عمرها عشرين عاماً، وقبلت يدي بعد أن ضعت بين شفتيها وبين جلدي، جزءاً من فوطتها الملونة، ثم قالت بعربية لا بأس بها:

– سيد يوسف كريم النسب، هل سمعت بالآية الكريمة “فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ”…نحن نراك مَلكاً كريماً، وحاشا أن تكون بشراً، فكن ضيفاً على مائدة عشاءنا الليلة، وقد جاءت كل واحدة من بيتها بقدر فيه من طعام أهلها أو من طبخها.

تقدمت إحداهن وهي شابة رشيقة مليحة لا يتجاوز عمرها عشرين عاماً، وقبلت يدي بعد أن ضعت بين شفتيها وبين جلدي، جزءاً من فوطتها الملونة (صورة رمزية)

وسحبتني الصبية المليحة من ذراعي وهي تنظر في وجهي بعمق عينيها الخضراوين، وهي تقبّل ظاهر كفها تيمناً بملامستها لي، والبنات والنسوة حولها قد ضج المكان بصريخهن المكبوت كأنه نواح، إلا أن أعينهن وشفاههن كانت تردد كلمات التبرك والتقرّب وليس كلمات الحزن وصرخات العزاء. جمع النسوة ذاك، قلب ليلة العباس إلى عرس حقيقي، والعباس استشهد ولم يعرف عنه أنه قد لمس المرأة…هل قصدن ذلك، أم أن في الأمر شيئاً لم أفهمه؟

خارج المسجد، امتد سماط طعام إفريقي بسيط لمسافة تبدو لا نهاية لها، أغلبه من نتاج الأرض، موز ومانجو وفواكه لم أر مثلها، وبامياء مسلوقة وعرانيص ذرة وخيار كبير وصغير وقرع من كل الأنواع بعضه نيء وبعضه مطبوخ، وكمأة وفطر مطبوخ، وطماطم من مختلف الألوان والحجوم، وصحون من الأرز بيضاء وحمراء وصفراء، إلا أنّ الغائب عن السماط العاشورائي الإفريقي كان اللحم بأنواعه والسمك والدجاج.

وأجلسنني في صدر السماط، ثم جلسن تباعاً على امتداده، وحين شرعنا بتناول الطعام، ما برحن يتبادلن الأماكن، فالبعيدات يقتربن مني، ويأخذن مكان القريبات، وهكذا حتى انتهينا من أدامنا، فنهضت لاغتسل، ونهضن جميعهن على عجل، ثم قادتني القريبات منهن إلى مكان خلف صف من الأشجار، واقتربن بي من بقعة مظلمة، ثم أمسكن بذراعي، وكشفن عن فوهة بئرٍ وصرن يسحبنني إلى فوهة البئر، وفيما اجتاحني رعب ليلة سقوطي في عين هود قبل أكثر من عقدين، صارت أصابعهن تعبث بجسدي، وتمزّق عباءتي وجبتي، وتمسك بخناقي بشدة، وهن لا يفلتن ذراعي، وصرت استغيث وما من مغيث، والنسوة القاسيات يسحلن جسدي على الأرض نحو فوهة البئر، عيونهن يتطاير منها شرر الشهوة، وأصابعهن تقبض بشدة على كل أجزاء جسدي، حتى خلت أنه لم تبق من جسدي مساحة لا يلمسها أنمل امرأة… وبلغن بي فوهة الجب، فدفعن بي لأسقط عميقاً في عتمة جدران كساها الاسمنت، ولا شيء يتلقف جسدي الهابط إلى هاوية لا قعر لها، هل هي النهاية، هل أغرق في هذا البئر أم سينقذني مَلك يظهر فجأة، أم سألمس القاع لأمكث فيه حتى يمر بالجب سيارة ينتشلوني منه كما جرى مع يوسف الصديق؟

تزاحمت النسوة حول يوسف بعد اتمامه العزاء (صورة رمزية)

ولم ينته كل هذا، حتى لامست قدماي قاعاً أملساً أحمر اللون بلون الدماء، ورأيت الملائكة يتشحون بالبياض وهم يتراكضون في الأرجاء بلا هودة، وأصوات عالية تصم الأذان تهز أرجاء المكان، هل وصلت قاع البئر؟ لا فأنا أواصل السقوط في هاوية البئر، لكني أراهم يتحركون خارج جسدي وخارج عالمي، وهم منهمكون في البحث عن أشياء لا أعرف كنهها. بين الأصوات اسمع أذانا، ففاض الماء وغمرني، ولم يختف الملائكة، الماء يختلط برائحة الظلمة، والعتمة تردد صوت الأذان، كأنه طوفان عين هود، يجتحني في غربة افريقيا. عيون النسوة الخضراوات تصطادني على جدران البئر فيما يتصل سقوطي في العتمة بلا هوادة.

ودون أن أقف، وفي ظلمات مريبة، خاطبني صوت غريب: سيد يوسف ألا تريد أن تنجو من الهاوية، ألا تريد أن نخرجك من البئر؟

تلفتُّ علّني أعرف مصدر الصوت، فلم أر سوى جدران بيضاء تعلوها قضبان مشبكة تحتجز خلفها نوافذ عالية، كانت الشمس تتسلل من بين القضبان، إلا أنّ عتمة البئر ما برحت تلفني، والأصوات والعيون الخضر تجتاحني، كنت انتظر سيارة البدو لتنقذني، إلا أني لمحت عمتي بتول بين الوجوه وهي تنظر نحوي بشحوب الموتى، ولمحت عيون أبي، وفوطة أمي، وخاطبتني الفوطة وهي تهتز قائلة: عد إلى بيتك يا يوسف فقد أعددنا لك عروساً.

عاش سيد يوسف مشكلة مزمنة مع النساء

وهالني أن تتحدث فوطة أمي المتربة عن عروس ستعد لي مرة أخرى نهاية معتمة في جب لا قرار له، هالني أنّهم يريدون انقاذي من الجب ليلقوا بي في تهلكة النسوة من جديد.

   “قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ، قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ”، وقضيت في الجب سنوات طوال، وما زلت فيه، غيلان النساء تصارعني ليل نهار، والأرضية الملساء الحمراء لا تفارق قدمي العاريتين، ورغم ذلك يتصل سقوطي وهمس الجن يجتاح أيامي وليالي عمري المتهاوي.

ملهم الملائكة / شتاء 2020 – عام كورونا

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *