تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

الحب الحائر في أغنية كوم أنثر الهيل

أكتوبر 17, 2022 | 0 تعليقات

هذه أغنية تتغزل بالحبيب بطريقة لا منتمية، فنحن نحار فيه، هل هو امرأة أم رجل؟ هل هو صبي أم صبية؟ هل هو شاب أم شابة؟ والحيرة تتفاقم حين يتحدث الشاعر عن كحل العيون الشهل، والرقص على ضفاف الأنهر. تهت مرات في كلمات ذي القصيدة منزوعة الهوية، وتخطيت مرتبكاً بين ألحانها، وأربكني حسين نعمة وهو يذوب بلا رياء في عطاف هذا العشق.

كتب هذه القصيدة ابن الديوانية الشاعر الشيوعي كامل العامري الذي توفي عام 2008 ، ولحنها الموسيقار محسن فرحان لتكون أغنية يؤديها حسين نعمة مطلع سبعينات القرن العشرين…تأمل ثنايا القصيدة يضع المستمع والقارئ في تيه أسئلة ناعمة محببة.

كوم انثر الهيل كوم انثر الهيل

بسجة وليفك لو خطر

يتلالى بعيونه السهر

وينوّر الليل كوم انثر الهيل

*

غرك رموشك بالكحل

يا اسمر يابو عيون الشهل

واشتل سواليفك شتل

قوم انثر الهيل

بجفوف كل طارش يمر

بجروف موجات الفجر

قوم انثر الهيل

**

اركص على متون الجرف

ركص البيادر يا ترف

بلجن يمر بيك الولف

قوم انثر الهيل

يتهاده بدروب الكمر

بعيونه تذكار وصور

من لمعة سهيل

كوم انثر الهيل

***

كل هذه الصور المنسابة مثل ماء يهرب من أسواط الطغاة، ليست صوراً لعشق انثى! أتابع الموج وهو يرسو إلى الشواطئ:

 يلتمس الشاعر بصوت حسين نعمة، القادم من عمق أحلام الجنوب الملوّنة بعسل التمر والمعطرة برائحة الجمار وجريد النخل، يلتمس أو يأمر -حسب مقتضى الشوق والتقارب- فتىً ناعماً مؤنث العطاف طالباً منه أن يقوم -ولعله راقد بدشداشة زبدة تشف عن رشيق قوامه- لينثر الهيل! أخاله فتى محجّل بالحناء يرقص بين جلّاس منعمين يرشفون كؤوس الفرح والشوق، ويتأملون جمالاً نادر المثال لا يتحسسه الجميع، وفعله الأغرب هو نثر الهيل، ولماذا الهيل؟ لسر يتعلق بعطره الشرقي الخارق. فالزعفران والهيل والبخور والبهارات تقتسم أسرار عطور شرقية مغرقة في انتشاء يحفظ قوة الباه. ثم يلتمس الشاعر العاشق منه أن ينثر الهيل في درب حبيبه لو صادف أن مر به وبمجلس النواسيين الثمالى بحسن الفتى المهيّل، أو في درب وليفه، وهي منزلة حائرة بين الحبيب وبين السمير! ويوصيه ألا يخطئ ما يظهر في عيني الخاطر الجميل من سهر مسهّد لم يجلب على سحنته شحوباً ذميماً، بل أضفى عليه شفافية سحرية مذهلة. الأغرب في الوصف، أنّ السهر المتلألئ ينير عتمة الليل…وهكذا يومئ الشاعر العاشق ضمناً إلى حكمة الشاعر الفارسي الفذ عمر الخيام حيث أعلن بلا مخاوف ظلامية:

فما أطالَ النومُ عُمراً

ولا قَصَّرَ في الأعمارِ طولُ السَهَر

* الشوق هنا في بدايته، نجمة يتيمة في متاهة الرغبة. ثم يشتعل الشوق كما توق الروح، فيلتمس العاشق من حبيبه أن يكتحل، وأن يغرق رموشه بالكحل، ولا يتوهم السامع أنّ الحديث عن مؤنث، بل ما زال الشاعر يتغزّل بالمذكر الأسمر أشهل العينين، وهي صفة تلاصق كثير من يوصفون بالخمريين (وصف لدرجة من سمرة البشرة تلازمها دائماً خضرة أو شَهَل العين). ثم يطلب منه أغرب طلب “واشتل سواليفك شتل”!

ولو تابعنا المعنى فالعاشق يطالب حبيبه أن يقلب سوالفه، أو أن يقلب قصصه، أو أن يغرس أكفه في الأرض، رافعاً فخذيه إلى أعلى! (في معجم البيان، شتْل البصل: جعل رأسَه إلى الأرض ورجلَيْه إلى أعلى ثم نزل به كما يُشتل البصلُ!)

 هل يعقل أن العاشق /الشاعر/ الولهان يطلب بهذه الإباحية المبتذلة من حبيبه أن يتخذ وضع المتلقي؟ ماذا لو قلبنا الفعل “واشتل” إلى الفعل “واجدل”، فتكون رغبة الشاعر أن يجدل الحبيب سالفته جدلاً (يجعل الزلف جديلة)، وهذا قريب لمنطق التجمّل الوصفي. ولكنه يقول “سواليفك” ولا يقول سوالفك؟ هل هي ضرورة الشعر ليستقيم الوزن؟ أم أنّ هناك رسالة غامضة للجميل الراقص ناثر الهيل أن “يروي حكاياه اللذيذة مجدولة بنقيع الزعفران المعطر بمباخر اللذة”!؟

ويعود يحثّ حبيبه أن يرقص ناثراً الهيل، بأعطافه طيبة الرائحة ليجعله عيدية في كفّ كل عابر سبيل، لماذا كل عابر سبيل؟ هل يريد أن تسحق صبابة المذكر المستأنث حتى مشاعر عابري السبيل؟ أم يريدهم أن يغترفوا من هيله المتساقط بكرم باذخ على وجوه وأجساد العابرين؟ هل هي دعوة اباحية لتقاسم محاسن ولذائذ الحلو الراقص؟

ويتجاوز العاشق الشاعر خصوصية المتلقين لسيل الهيل النازل من أعطاف الحلو الراقص، ليجعل الهيل هدية لشواطئ كل من يعبر ظلمة الليل صاحياً مسهّداً بالعشق إلى ضياء الفجر. الفتى الجميل ينثر الهيل على جرف الليل وقد تكحّل بنور الصبح، من يضيء لمن؟

ثم نقترب من الأوج حين تسطع ثلاث نجمات في سماء الرغبة، فيأمر حبيبه بلا حياء أن يرقص، ويتهادي على سواعد الجرف، أيّ جرف؟ جرف الليل وهو يستقبل الفجر، أم جرف ساعدي الحبيب وعليهما يرقص المذكّر الناعم “الترف” كما تتمايل بيادر الحنطة، ثم يحثه أن يرقص على ساعديه عسى أن يمر به الولف الحائر بين الحبيب والسمير…الحديث هنا عن راقص الهيل وهو يتيّم عاشقين!؟ ثم لا ينفك الشاعر/ العاشق يحثّ راقصه الجميل على نثر الهيل في طريق الولف هو يتهادى السير في شوارع ينيرها القمر، أم تراه سائراً في طرق قمرية فضية لامعة، وقد بانت في عينيه تذكارات وصور من لمعة سهيل، نجمة الليل التي تسامر العشاق؟

هذه الإشارة الغامضة هل تؤذن بمحطة قد يتخذها الوليف الغامض تحت نور القمر وقد تراقصت الصور في عينه، وساقته الذكرى أن يعيد تجربة الحب العابرة مع ناثر الهيل. تغادرنا الأغنية، وتتراجع القصيدة، لكنّ الأسئلة تبقى تحوم حول الروح بحثاً عن هوية هذا الحبيبة/ الحبيبة؟

*فصل من كتاب رهائن عاصفة الصحراء

خريف 2022

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.