تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

الجبهة هادئة وكارثة في بغداد!

ديسمبر 4, 2021 | 0 تعليقات

كل أيام الحرب هي انتظار لأسبوع الإجازة الدورية البائس كل شهر، وحين حلت إجازتي في حزيران 1981، كان وادي سربل زهاب ما زالت تدب فيه خضرة الربيع، واستغرقت رحلتي من  موضعي في جبهة الحرب حتى بيتي في بغداد ساعتين ونصف. المفاجأة كانت في بغداد.

بعد نحو عام لم تعد الحرب هجمات بلا انقطاع، بل استقرت قطعاتنا وقطعات العدو في مواضع دفاعية متقابلة، وباتت وسائل الإعلام الغربية تتحدث عن “استراتيجيات حرب الأنفاق في الحرب العالمية الأولى” التي تبناها طرفا الحرب، كما تراجع الاهتمام الإعلامي بها، باستثناء راديو مونت كارلو الذي كان يصوغ أحياناً اخباراً مثيرة لكنها لا تغير واقع الحرب ومفردات أيامها.

وهكذا، أمسينا نقضي أيامنا في الجبهة الهادئة في لعب الورق، واقترح طبيب اللواء د. طاهر (اسم رمزي) أن نلعب الورق بمقامرة حقيقية، ففي الحرب لا يخشى المرء سوى أن يفقد حياته، وهذه لن يخسرها بلعبة قمار، فكان شعاره “نقامر اليوم، لنموت غداً” محل تندر جميع الضباط لكنه في النهاية فاز بالجولة، وسادت بينا أجواء المقامرة بلعبة بلاك جاك (واحد وعشرين) السريعة الكريهة.

وحين حلت إجازتي، كنت قد خسرت في مقامراتي السخيفة، 30 دينارا من راتبي البالغ 160 دينارا، وكان الدينار حينها يعادل 3 دولار. وحين وصلت بغداد، تخيلت أن المبلغ الذي معي سيحيي كل أيامي بالأفراح والسكر والتجوال في فنادق وكازينوهات وحانات العاصمة.

ودعاني صديقي عادل، خبير برامج الكومبيوتر الذي يعمل في “المركز القومي للحاسبات الإلكترونية” وهو الكومبيوتر الوحيد في العراق حينها، دعاني وزوجته أنا وصديقتي خ. للعشاء في كافية أنيق بفندق شيراتون الجديد في بغداد.

العاصمة غارقة في أفراحها وأضوائها والحياة أكثر من طبيعية، ولا يرى المرء مظاهر تسلح أو آليات عسكرية في شوارع بغداد، بل يجري كل شيء بهدوء وأناقة. كانت الحرب قضية الضباط والجنود العالقين في خنادقهم الموحلة الوسخة وملاجئهم الساخنة العفنة على جبهات الحرب، أما أهل العراق وخاصة سكان العاصمة فلهم عالمهم الذي بات أكثر انفتاحا وتمدناً. وحين جلسنا في صالة كافتيريا اسبانية بفندق شيراتون بساحة الجندي المجهول في منطقة بستان كبة بشارع السعدون، نسيت تماما أني وصلت يوم أمس من جبهة الحرب، ونسيت كل قصصها، وانهمكت أقرع الانخاب مع أطراف حفلنا الصغير، ونحن نتجاذب أحاديث مزركشة بالفرح وعبث الشباب.

ومع تطاول الجلسة، انهمكت صديقتي وزوجة صديقي في حوار نسائي يخص الموظفات في دوائر الدولة، فيما انشغلتُ بالحدث مع صديقي عادل، وهو يسألني عن أوضاع الحرب، حتى فاجأني بسؤاله: وكيف استقبلت القطعات العراقية خبر الغارة؟

تصورت أنه يتحدث عن غارات إيران الجوية الوهمية التي تنتهي غالباً بإلقاء الطائرات المغيرة حمولاتها من القنابل والصواريخ بعيداً عن أهدافها، بسبب افتقارهم لمعلومات استخبارية دقيقة حول الأهداف العراقية التي يغيرون عليها، فسارعت أجيبه “يا صديقي إنها غارات للدعاية فحسب، طيرانهم فقير ضعيف، وطائراتهم تفتقر إلى مواد احتياطية وإطارات، وأغلب قنابلهم تنقصها صمامات تسليح، لذا فإن ما يعلنونه عن قيام سلاحهم الجوي بغارات ناجحة على أهداف عراقية مهمة هو ليس أكثر من دعاية رخيصة يخاطبون بها شعوبهم المتذمرة تماما من تطاول مدة الحرب وعبثيتها!

سارع عادل يطفئ سيجارته في منفضة الكريستال الخضراء الأنيقة أمامنا ويتجرع كأسه من الويسكي سراعاً، وهو يقاطعني بالقول هامساً ” لا لا ، أنا أتكلم عن الغارة الإسرائيلية”!

صعقني كلامه فسارعت أتساءل: هل قامت إسرائيل بغارة جوية على العراق؟

نظر إلي بذهول، وقال “من حقكم أن لا تعلموا بخبرها فالحرب تشغلكم عن كل شيء، لكن الحقيقة أن اسرائيل شنت غارة جوية على المنشآت النووية العراقية في بغداد، وقد أحسسنا بالغارة لحظة وقوعها، فقد تشوش البث التلفزيوني والاذاعي العراقي لبضع دقائق، كما تعطلت أجهزة الهاتف والخطوط، وشعر أغلب البغداديين بأنّ شيئا جسيماً يحدث في العاصمة، ثم توالت أصوات الانفجارات من جهة جنوب بغداد، جسر ديالى وما حولها، وخمنّت أنا شخصياً أنها غارة على مفاعل تموز النووي في التويثة، وحسبتها غارة إيرانية ولكن اتضح فيما بعد أنها غارة إسرائيلية.

ثم قرّب عادل رأسه مني وبدأ يتحدث همساً “الحكومة لم تعلن في اليوم الأول أي شيء، لكن بياناً صدر في اليوم الثاني عن مجلس قيادة الثورة، تلاه ايضاح من القيادة العسكرية جاء فيه… لحظة واحدة، عندي نسخة جريدة الثورة التي نشرت البيان يوم 9 حزيران، ومد يده إلى حقيبة سامسونايت يدوية سوداء باذخة، ترافقه حيثما ذهب، وأخرج منها عدداً من صحيفة الثورة واعطاني لأقرأ فيها فقرة قد أحاطها بالأقواس بقلمه وجاء فيها:

 “يوم أمس الأول، الساعة 1837، قام عدد من الطائرات المعادية بالإغارة على مدينة بغداد، وعلى المنشآت النووية. وعلى الفور، أصبح واضحاً لدينا، أن تلك الطائرات، كانت صهيونية. وقد كشفتها أجهزة الرادار العراقية، وأجهزة الرادار في القطْر الأردني الشقيق، وبخاصة عند عودتها إلى الأرض المحتلة. آثرنا عدم الاستعجال في الإعلان عن الغارة، لاستكمال كل المعلومات الفنية عنها. وفي الوقت الذي كان يُعَدّ فيه بيان مجلس قيادة الثورة، عصر أمس، أعلن العدو الصهيوني مسؤوليته عن الغارة، فانكشفت الحقيقة كاملة.”

صعقت حقا لسماع هذه القصة، وسألته هامساً إن كان يحتمل حصول تسرب اشعاعي سيؤثر على حياة البغداديين، فأجاب هامساً: أستبعد حصول ذلك، وربما لم يكن المفاعل محقوناً بالوقود النووي حينها، على كل حال لم تعلن السلطات حصول تسرب شعاعي.

وأدركت المرأتان اللتان أخذهما حديث الوظيفة أننا نتحدث في أمر خطير، فتدخلت صديقتي خ. وهي تعلق: دخلتما في عالم الأسرار، يعني أن حواركما يدور حول النسوان، والا لماذا تتهامسان!؟

ضحك الجمع، وأدركت من جانبي أنهما ترومان تغيير مسار الحديث، ليكون مناسباً لجو البهجة الذي نجالسه، وللتقليل من مخاطر الحديث السياسي في مكان عام مثل هذا، فسارعت اقترح عليهما أن نقوم خلال إجازتي هذه بسفرة إلى بحيرة الحبانية، حيث أن منشآتها السياحية جميلة ويشيد الجميع بأجوائها، وهكذا انتقل الحديث إلى تفاصيل المتع التي تمتد وتنتشر بسرعة في الحياة العراقية، وهو موضوع آمن، يمكن للمرء أن يثرثر بشأنه ما شاء حتى إذا تعته السكر!

 ملهم الملائكة / فصل من كتاب حين مشينا للحرب                           ***

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.