تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

التعليم العقيم في زمن الثقافة الرقمية

أغسطس 11, 2020 | 0 تعليقات

في أغلب بلدان العالم العربي، يبحث خريجو الدامعات عن وظيفة حكومية حال تخرجهم، وفي العراق لا يسأل الناس المتخرج من جامعة عن عمله، بل يسألونه: “هل تعينت؟”، بمعنى هل انخرطت في سلك الخدمة الحكومية؟ وهذا تسطيح متدنٍ لمفهوم العمل ينزع عن القطاع الخاص كل ميزاته. الكلام عن التوظيف سببه انسداد آفاق العمل الحر في ظروف تغير اشكال التعليم التي تجتاح العالم.

استوقفتني تجربة مدارس المتميزين وتجربة معهد الدراسات النغمية ومعاهد السياحة والفندقة في العراق بعد أن رأيت تجربة ألمانيا في المدارس وطرق التدريس، ففي هذا البلد توجد خمسة أنواع من المدارس الثانوية، يمكن للتلميذ الذي أنهى دراسته الابتدائية الانضمام الى إحداها.

والقرار ليس خاضعا لإرادة ذوي التلميذ (من نسميهم احتقارا للطفل باعتباره “الجاهل”: أولياء أمره!)، بل هو خاضع لاعتبارات الذكاء ومستوى الأداء التي تقررها تقاريره وشهاداته في المدرسة الابتدائية، كما يقررها القرب الجغرافي لبيت التلميذ من المدرسة.

وتحتوي أغلب المدارس على نسب محددة (كوتا) مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة من التلامذة، ونسب أخرى محجوزة لأبناء المهاجرين وأبناء الألمان من أصول غير جرمانية. وهكذا تُلزم المدارس بسداد هذه الكوتا، ثم تقبل باقي التلاميذ على الأسس التي ذكرناها (والعدد الإجمالي لا يمكن أن يتجاوز 130 طالباً في السنة في المدرسة الواحدة مهما كانت الظروف).

لا توجد مدرسة تعد كوادر متخصصة في تصليح أي شيء

في مدارس المتميزين العراقية، يختلف الأمر، ويتحول الى مزاد يعرض فيه أولياء أمور التلاميذ مستوى قدراتهم على تعيين مدرسين خصوصيين لأبنائهم لتحفيظهم عن ظهر غيب مناهج الدرس العقيمة.

والحقيقة أنّ تجربة مدراس المتميزين بحد ذاتها هي إقرار واعتراف صريح بأن مستوى الدراسة في 97 % من المدارس متدن وغير مجد.

ولا بأس أن يذهب بعض أبناء العراق الى مدراس المتميزين ليتأهلوا لمستويات درس خاصة، ولكن لابد أن يُنظر بجدية الى ما يجري تدريسه في هذه المدارس، فالطلبة يشكون مثلا أنهم لا يستطيعون التمتع بأي عطلة في مدارس المتميزين بسبب ضغط المناهج النظرية. كما أنهم ملزمون بحفظ كتب كاملة عن ظهر قلب لإتقان مواد علمية ما عادت تواكب متطلبات العصر، ولا توجد ساعات للدراسة اللاصفية، ولا توجد دروس عن الحياة، ولا دروس عن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة باعتبارها مرتكز بناء الأسرة التي تقوم عليها مجتمعاتنا، فوق هذا فإن الساعات المخصصة لعلوم الكومبيوتر وبرمجياته قليلة جدا.

أين مدارس الحياة؟

وفي مقابل مدراس النخبة (المتميزين) لا توجد مدرسة في العراق تُعد باعة للأسواق العامة والخاصة، كما لا توجد مدرسة تُعد عمال ميكانيك، أو عمال كهرباء، أو عمال لحام وحدادة ونجارة وصيرفة وبناء وتبريد وتسليك وحفر ومد المجاري. ولا توجد مدرسة تخرّج طباخين وقصابين ونادلين ونادلات. ولا توجد مدرسة تخرّج عمالاً زراعيين، ولا توجد مدرسة لإعداد الحلاقين والحلاقات، والخياطين والخياطات، كما لا توجد مدرسة لإعداد الموسيقيين، والمصورين، ومصلحي المولدات والثلاجات والمبردات وألوف الواوات الأخرى، باختصار، لا توجد مدارس لتعليم الحياة في بلدنا.

وأكاد أسمع من قارئ للمقال اعتراضات وأسئلة عن مدارس الصناعة الزارعة والمدارس المهنية المنتشرة في العراق، وللأمانة أقول: هذه ليس مدارس، بل مؤسسات لتخريج الفاشلين، كما هو حال أكثر من 60 % من جامعاتنا ومعاهدنا.

شيء من الحقائق بالمناسبة

وعلى ذكر الدراسة وإعداد كوادر لكافة الاختصاصات، فقد أطلقت مؤسسة خاصة في هولندا، مؤخرا مشروعا لإنشاء معهد يعد الكوادر المتخصصة في مجال العمل الجنسي (وهو تعبير اعتمدته الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية لوصف الإتجار الاختياري بالجسد وما يتبعه)، ويشمل ذلك باعة الهوى (من الجنسين)، وأبطال الأفلام الإباحية من الجنسين، ومخرجين ومصورين لإنتاج هذه الأفلام ولإنتاج مجلات وصور البورنو (صناعة البورنو تدر سنويا على مستوى العالم 14 مليار دولار). فيما تدرّ تجارة الجنس على مستوى هولندا سنويا 800 مليون دولار أمريكي على البلد، يذهب نحو 240 مليون دولار منها ضرائب للدولة، أليست هذه الموارد بحاجة الى رعاية والى مدارس؟ كل هذا ليس بغريب رغم أنّ البعض سيحتج على مقولتي ويعتبرها ترويجا لما يعرف عندنا ب” الدعارة”، ولكن الهروب من حقائق الحياة لن يغير تلك الحقائق، والقول إنّ التعليم عندنا متقدم ومواكب للعصر لن يغير حقيقة انهياره وغياب أية آفاق مجدية له وللخريجي.

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد
أنا وصديقي والحقائب

أنا وصديقي والحقائب

عرفته على نزال في تنس الطاولة بإعدادية الجمهورية في بغداد، كان في الصف الخامس علمي، وأنا في الصف الرابع العام، ثم اكتشفنا أننا نسكن في نفس المنطقة في زمن كانت تتشكل فيه الطبقة الوسطى في العراق وتمد جذورها في عمق تراب البلد أملاً في أن تصبح صانعة شخصية الوطن، كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.