تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

التعليم الجامعي البعيد يغير وجه العالم

يوليو 31, 2020 | 0 تعليقات

التحولات التكوينية في المجتمع والأعمال تحدث حين تطرأ أحداث غير متوقعة مفاجئة فتجبر المجتمعات على  اعتماد أسلوب تجريبي لفكرة جديدة. خلال الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال، حين ذهب رجال الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحرب عبر المحيطات، اثبتت النسوة في هذا البلد قدرتهن على أداء أعمال الرجال بأفضل وجه. ومثل هذا جرى لمواجهة مشكلة العام 2000 المعروفة اختصارا ب (Y2K)  حيث أن تطبيقات سوفت وير لم تكن تطابق معدات هارد وير على الكومبيوترات، وكان الحل يكمن لدى خبراء الكومبيوتر الهنود، ووجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها مجبرة بسرعة على ايجاد حل لمشكلة الفيزا والعمل للخبراء الهنود، ما أسس لاعتماد الخبرات الهندية عبر العالم في هذا المجال، حتى باتت قيادة شركاتAlphabet, Microsoft, IBM, Adobe اليوم بأيدي مهندسين هنود.

في عصرنا هذا، تجبر جائحة كورونا العالم على اعتماد أسلوب تجريبي للتعليم من بعيد بنطاق واسع وعلى مختلف المستويات وفي أغلب بلدان العالم، وهناك مؤشرات كثيرة تدلّ على أن الأزمة الراهنة ستغير جوانب كثير من حياتنا، والتعليم والتعلم البعيد سيكون حتماً أحد هذه الجوانب، لاسيما أنه انتشر بسرعة وأثبت فاعليته. وكي يصل الجميع إلى معطيات تثبت هذا التوجه لابد من الاهتمام بالأسئلة الثلاثة المتعلقة بالتعليم الجامعة والدراسات العليا:

السؤال الأول: هل يحتاج الطلبة الجامعيون حقاً إلى الدراسة الحضورية لمدة 4 سنوات للحصول على درجتهم الجامعية؟

الإجابة عن هذا السؤال تتطلب معرفة أيّ جزء من نظام الدراسة الحضورية لأربع سنوات يمكن استبداله بنظام التعليم البعيد وتقنياته الرقمية. نظرياً، تتطلب المحاضرات الجامعية قدراً صغيراً من التفاعل الانساني، وهو ما بات يعرف اليوم بعرض الوسائط المتعددة في الصفوف، كي ينظر إليها الطلبة حضورياً. مثل هذا النشاط يمكن أن ينفذه معلم لا جامعي من خلال نظام تعليم Coursera –على سبيل المثال- والذي يشيع الآن ويتعامل معه الطلبة بشكل واسع، حتى قبل أزمة كورونا. فتعليم نظريات فيثاغورس متشابه عبر العالم، ولا يحتاج إلى حضور جامعي لتنفيذه اليوم. ولهذا النوع من الكورسات، فإن منصات التواصل الرقمي يمكنها أن توفر المعلومات لأعداد كبيرة من الطلبة بتكاليف منخفضة، دون التضحية بالفوائد الهامة للتدريس وجهاً لوجه التي يؤمنها الحضور الصفي، نظراً لأن طبيعة المادة لا تتطلب الحضور في هذا المستوى من الكورسات. وقدرة الجامعة على تحرير كوادرها التدريسية من واجبات مثل هذه الكورسات سيوفر على الكليات طاقات عمل أكثر يمكن تخصيصها للبحوث والدروس التي تتطلب حضوراً صفياً متفاعلاً.

وبنفس المستوى، سيجد الطلبة الجامعيون مزيداً من مصادر الدرس في متناولهم خارج صفوف كلياتهم، ما سيختصر مدد حضورهم في الحرم الجامعي ومرافقه. وسيحصلون على كورسات تناسب توقيتاتهم وبأسعار لا تذكر مقارنة بتكاليف الدراسة الجامعية الحضورية. وسيكون بوسعهم انفاق وقت ثمين في الواجبات الجماعية التي يطلبها التدريسيون، والنشاطات والدروس الاختيارية، وفي توجيهات العمل المهني، وفي المكتبات والمختبرات التي تتطلبها نشاطاتهم الجامعية وكلها أمور لا يمكن أنجازها من خلال التعلم من بعيد.

كما أن الجامعات سيكون بوسعها تسهيل شبكات التواصل الاجتماعي الحضوري، والمشاريع الميدانية، ورحلات التعلم الاستكشافية، وكلها فعاليات تتطلب تواصلاً حضورياً وجهاً لوجه. هذا النموذج “الهجين” من التعليم والتعلم لديه الإمكانية لجعل التعليم الجامعي ممكن التكاليف لجميع الناس ( ويخرجه من دائرة النخبة المتمكنة مالياً).

لكن السؤال القائم اليوم في هذا السياق هو، هل يمكننا الانتقال إلى النموذج الهجين في التعلم والتعليم؟ التجربة التي يخوضها العالم ستتيح للجميع إجابة عن هذا السؤال. الطلبة اليوم ليسوا وحدهم من يتلقون التعليم البعيد،  فقد أجبر أساتذتهم اليوم على اعطائهم دروساً من بيوتهم. نفس الطلبة ونفس الأساتذة الذين كانوا يحضرون إلى قاعات الدرس في الكليات لتحقيق العملية التعليمية، يحاولون اليوم البحث عن طرق بديلة لإنجاز المعادلة التعليمية (بطرفيها).

في ضوء التجربة الحالية، على الطلبة والأساتذة والكادر الإداري في الجامعات توثيق أيٍّ من الصفوف يستفيد أكثر من التعليم البعيد، وأيّ منها يتعثر. وعلى الجميع تأمين غرف المحادثة chat rooms تسهل إجراء نقاشات (ديمقراطية) – مع إخفاء اسماء المتحدثين- حول القضايا التقنية، وتصميم الكورسات، وكيفية ايصالها للطلبة، وحول سبل تقييم جهود الطلبة. مثل هذه المعطيات ستوفر قاعدة بيانات لصناع القرار في المستقبل القريب لتكريس ودعم مشروع الصفوف غير الحضورية، أي التعليم من بعيد.

بنية هارد وير سوف تتناقص مشكلاتها

السؤال الثاني: ما هي سبل التطوير المطلوبة في البنية التحتية الرقمية IT infrastructure لجعلها أكثر ملائمة للتعليم أون لاين؟

اليوم تحولت برامج العمل اليومي لكثير من التدريسيين إلى قائمة من مواعيد الاجتماعات الافتراضية، وكل هذا يؤيد ضرورة التصدي لمسائل تتعلق بالسوفت وير والهارد وير قبل الانتقال النهائي إلى نظام التعليم من بعيد. ونحن واثقون من أن تقنيات رقمية من قبيل (حزمة الانترنت المحمولة، السحابة الإلكترونية، الذكاء الصناعي…الخ) يمكن نشرها على مختلف المستويات، لكننا نعلم أيضاً أن هناك المزيد مما يجب عمله.

في جانب الهارد وير، هناك مشكلات سعة النطاق الترددي لوصلة الانترنت، وتفاصيل عدم المساواة الرقمية، وهي قضاياً لابد من التصدي لها. التعليم وجهاً لوجه يميّع كثيراً من الفروق بين الطلبة بهذا الخصوص، فوجدوهم جميعاً في نفس الصف يوفر للجميع فرصة الحصول على المعلومة والتعاطي معها بنفس القدر (بغض النظر عن الفروق الطبقية). أما التعليم اون لاين فيعمّق الانقسام الرقمي. فالطلبة الميسورين يملكون أحدث لابتوبات، وأفضل سعات النطاق الترددي (وصلة انترنت)، ووصلات wifi ثابتة مستقرة، ووسائل استماع ومشاهدة صوتية أكثر تقدماً.

السوفت وير الخاص بالمؤتمرات الصوتية (الهاتفية) قد  يكون بداية جيدة، لكنه لا يؤمن الخدمة بكفاءة لعدد كبير من الطلبة في آن واحد كما يحدث في الصفوف التي تصبح فيها أعداد الطلبة مئات. وحتى في الصفوف التي يبلغ عدد الطبلة فيها 1000، فبوسع التدريسي أن يقدّر مستوى استيعاب الطلبة للمفاهيم التي يعرضها، ويمكنه بالتالي تغيير آليات إلقائه للمحاضرة تبعاً لملاحظاته عن أداء الطلبة.

من جانبهم، بوسع الطلبة في مثل هذه الصفوف ملاحظة كم الأسئلة التي يطرحونها على الاستاذ بما يؤخر عموم الصف. هل توجد تقنيات تتلاءم مع هذه الملامح وتؤمن إجابات لها في عالم التدريس الافتراضي؟ ما هو المطلوب تطويره بهذا الاتجاه؟ على التدريسيين والطلبة تسجيل ملاحظاتهم حول كل ذلك ومناقشته لتجاوز المعوقات الصعبة، وعلى الجميع الكشف عن التقنيات المطلوب تأمينها أو تطويرها بهذا الاتجاه.  

علاوة على كل ذلك، تتطلب الكورسات أون لاين دعماً تعليمياً على الأرض، من قبيل، وجود مصممي مناهج، ومدربين، وحكّام يقيّمون أداء الطلبة واتمامهم للمنهج المقرر. ولابد من الاعتراف هنا أيضاً، أنّ الجامعات بحد ذاتها تعاني من فوراق طبقية رقمية، سوف تظهر واضحة إبان التجربة التعليمية الراهنة. فالجامعات الأهلية رفيعة المستوى، تملك بنية تحتية رقمية IT infrastructure متفوقة، وكادراً كافياً لإدارة هذه البنية بمستوى كل كلية، وهنا يظهر التفاوت بين إمكاناتها وإمكانات جامعات مؤسسات التعليم العامة (الجامعات الحكومية).

السؤال الثالث: ما هي جهود التدريب المطلوبة على مستويي الطبلة والكوادر التدريسية لتسهيل الانتقال إلى التعليم أون لاين على مستويي الاعداد الذهني والسلوكي؟

لا يسود الارتياح بين كل افراد الكادر التدريسي لتجربة الصفوف الافتراضية، وهنا أيضا يوجد تفاوت وانقسام، بين التدريسيين الأكبر عمراً ممن اعتادوا التعليم على السبورة (اللوحة، التختة) والخرائط ووسائل الإيضاح الورقية وأجهزة العرض البسيطة (Projektors) المعروفة بالفانوس السحري في بعض البلدان العربية، وبين التدريسيين الأكثر شباباً ممن يتقنون آليات العالم الرقمي وتقنياته وتطبيقاته. وفيما يدخل الطلبة عبر البلاد (الولايات المتحدة الأمريكية) صفوفهم الافتراضية خلال الأسابيع المقبلة سيلحظون بسهولة أن كثيراً من أعضاء الهيئات التدريسية غير مدربين على تقديم العروض متعددة الوسائط المفعمة بالشروح والهايبر لينكس وعروض الغرافيك المرتبطة بالشروح الفيديوية. على الكليات والجامعات الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية لتوثيق نوع التدريب المطلوب لتحقيق انسيابية التجربة.

الطلبة بدورهم يواجهون عدداً من القضايا في كورسات اون لاين. فالتزامهم بإنجاز كورس معين بموجب التقويم الجامعي سيجبرهم على اتمامه فعلاً بدلاً من التباطؤ في الانجاز والذي يمتد أحياناً إلى الأبد! كما أن وجودهم المستمر اون لاين يشعرهم أنّهم غير منتمين إلى مجموعة أو مرحلة صفّية بعينها، وهو أمر يبعث على الرغبة في التنافس والتفوق في الصفوف الحضورية، فكل ما يتم إنجازه اون لاين يمر دون ملاحظة الآخرين، فالطلبة مشغولون بأداء واجبات متعددة متزامنة، فهم يجيبون على الايميلات، ويتحاورون مع أصدقاء أو زملاء في الدرس أو خارجه عبر الرسائل النصية، ويتحاورون مع التدريسيين، و يجرون عمليات السرفنغ على النِت لجمع معلومات حول الموضوع الذي يعملون عليه، كما أن أغلبهم يبقي على وسائل التواصل الاجتماعي فاعلة ليؤمن مزيداً من الاتصالات، وكل ذلك يشغله عن مراقبة ما فعله زملائه وما حققوه، فيمر الدرس وما فيه كأنّه لحظة سياحة إلكترونية يمارسها الجميع (حتى وهم في فراش نومهم أو في المراحيض)!

الطلبة والتدريسيون يحاولون اليوم التكيّف مع التباعد الاجتماعي اللاحضوري، ويخوضون تجارب تجميع بين الخطأ والصواب للوصول إلى أفضل النهايات. كل ذلك يجري وسط السيمسترات الصفية، والسنة الجامعية تمضي على الجميع كما مضت السنوات الجامعية الأخرى، (لكنّ الصفوف خالية والطلبة والأساتذة يمارسون التواصل التعليمي من بيوتهم)، كما أنّ على الجميع الالتزام بالمقررات والمناهج المفروضة، وتجري مراجعات مستمرة عليه من الطرفين، أما وسائل التقييم، من قبيل الامتحانات والكويزات، فقد تحولت إلى اختبارات الرضوخ الإلكتروني الواقعي بفعل تمكّن الطلبة من الحصول على المعلومات في ثوانٍ عبر الانترنت.

الإدارات الجامعية والهيئات الطلابية تمر اليوم بمرحلة الإعداد، ويجب أن يتيح الجميع الفرصة للكادر التدريسي كي يطوّر أفضل الطرق لعرض الدروس، وبوقت قصير. وعلى الطلبة والكوادر التدريسية وإدارات الجامعات مناقشة التغير الحاصل منذ اليوم الأول لبدء التراسل التعليمي الافتراضي وصولاً إلى اليوم الأخير في العام الدراسي، وهو نقاش سيؤمّن قاعدة بيانات ومعلومات تخدم الدارسين والمدرسين في المستقبل.

انتشار خدمات سوفت وير باسعار مخففة

تجربة عريضة

ظروف جائحة كورونا كشفت عن الهوة السحيقة بين التعليم الجامعي الحضوري وتكاليفه المرتفعة جداً، وبين التعليم الجامعي الافتراضي والذي تنخفض تكاليفه إلى مستويات لا تكاد تذكر مقارنة بالنوع الآخر.

قبل نحو عقدين تنبأ كثير من الخبراء، بأنّ التعليم  الافتراضي (الذي تعرضه الجامعات الحرة وهي جامعات افتراضية) سوف يقتل التعليم الجامعي الحضوري وجهاً لوجه، كما قتلت التقنيات الرقمية وظائف عمال البدالات، ووكالات السفر المكتبية. أما اليوم، فيواجه التعليم الحضوري تحديات الواقع الذي فرضته جائحة كورونا.

التجربة الراهنة قد تبرهن أنّ التعليم الجامعي القائم على إمضاء 4 سنوات حضورية في الحرم الجامعي بات يحتظر. وتدعم هذه النهاية حقيقة الارتفاع المستمر في أجور الدراسة الجامعية عبر العالم والتي جعلت التحصيل الأكاديمي خارج متناول أغلب أسر الطلبة عبر العالم، وكل هذا يدعم حقيقة أن سوق التعليم فوق الثانوي يمر بمرحلة النهاية. كيفية استجابتنا وتوثيقنا وتثبيتنا لحقائق ومعطيات اللحظة الراهنة سيحدد مستوى تسارع تطورات الدراسة الجامعية الافتراضية في مستقبل منظور.  

التجربة الراهنة ستغني الجدل السياسي الجاري في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث وعد بعض الساسة بجعل التعليم الجامعي مجانياً، والحال اليوم أنّ التجربة الجارية قد تثبت أنّ التعليم الجامعي للطالب لن يقوده أو يقود أسرته إلى الإفلاس.

حال أن تهدأ الأزمة القائمة الآن، هل سيكون من الأفضل لجميع الطلبة العودة لصفوفهم والعودة إلى الوضع التعليمي الذي كان سائداً أم أنّ على الجميع العثور على بدائل أفضل؟

*هذا بحث كتبه الخبيران، فيجاي غوفيندآراجان، و آنوب سريفاستافا على موقع Harvard Business Review ونشر يوم 31 آذار/ مارس 2020 في أوج جائحة كورونا.ترجمة ملهم الملائكة

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

بلاد الرافدين أم النهرين أم العراق؟

بلاد الرافدين أم النهرين أم العراق؟

لماذا اسم بلادنا حائر؟ العراق اسم لا يستطيع أحد توثيق تاريخ ظهوره، بل لا يستطيع أحد أن يجزم بمعناه. وبلاد الرافدين لقب تموزي لحق بالعراق منذ 14 تموز 1958، أما بلاد ما بين النهرين، فهي تسمية غربية من القرون الوسطى وزحفت إلى الخرائط الاستعمارية الحديثة. ما مدى صدقية...

قراءة المزيد
بشائر الممرضة الحزينة

بشائر الممرضة الحزينة

     تلقيت رسالة نصية على موبايلي، كان النص قصيراً ومفعماً باللهفة "رجاء لازم أشوفك، قضية حياتية". وكان عليّ أن أرن على رقم الهاتف الذي جاءت منه الرسالة لأفهم المطلوب. بعد رنتين أجابني صوت نسائي يغلب عليه الهمس، قلت لها إنها قد طلبت مقابلتي،...

قراءة المزيد
العراق…اسم بنكهة الجغرافية والتاريخ

العراق…اسم بنكهة الجغرافية والتاريخ

تأملات بنيوية تاريخية ع أروم الابتداء بحرف العين، وهي عينُ بداية "كتاب العين" أول معجم باللغة العربية وضعه الخليل ابن أحمد الفراهيدي، الذي ولد في البصرة بالعراق ومات فيها حيث عاش زاهدًا تاركاً لملاذ الدنيا، ولا ندري هل كان زاهداً لرغبته في التفرغ للبحث والدرس كما هو...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.