تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

الكاميرات الرقمية – ضربة قاضية لفن التصوير

سبتمبر 2, 2020 | 0 تعليقات

تطور الكاميرات في الهواتف الذكية جعل كل من عنده هاتفاً ذكياً مصوراً، وباتت مليارات الصور تتراشق عبر وسائل التواصل الاجتماعي. مطلع الألفية الثالثة كان المصورون يضعون صوراً على مواقعهم برسم البيع، اليوم لا ينظر المصورون أنفسهم إلى تلك الصور. الصورة مهمة في لحظة معينة لكن مليارات الصور الأخرى لا تعني شيئا قط.

وفرة الكاميرات الراقية في الهواتف الذكية وانتشارها بين مليارات الناس جعل الناتج الوفير من مليارات الكاميرات عديم القيمة عديم الثمن. وبوسع المرء في أيّ وقت أن يذهب إلى الانترنت، ويبحث عبر مكائن البحث عن Photos free download  وستظهر له مئات ألوف الصور في مئات المواضيع معروضة مجاناً على النت، وبوسع الراغبين أن يستخدمونها ويعيدون نشرها كيفما شاءوا، حتى دون شرط الإشارة إلى حقوق المصور في أحيان كثيرة.

اللحظة تصنع صورة وليس العكس

صورة الرجل الساقط من أعلى برجي التجارة لحظة الهجوم الإرهابي عليهما، هي صورة لا تقدر بثمن، ولكن ألوف الصور التي التقطت معها لم تعد تهم أي انسان في العالم. المراهقون مولعون اليوم بجنون بالتصوير بهواتفهم الذكية عبر سنابتشات والتطبيقات الأخرى، ويتفننون في صناعة وإخراج تلك الصور وإضافة رتوش إليها، لكنّ هذه الملايين  المتدفقة من الصور لا تعني شيئاً لأي إنسان سوى المراهقين الأصدقاء أنفسهم، ويتلاشى اهتمامهم بها بعد أسابيع بسبب الصور الجديدة التي يلتقطونها.

الكاميرات الهاتفية تصور كل شيء وهي دائما معنا في كل مكان

الناس عبر العالم، يلتقطون مئات الصور أينما ذهبوا، بل باتوا يصورون أنفسهم بسيلفي حتى وهم يقضون حاجتهم في المراحيض. والمصيبة الأكبر أنّ هذا الكم الهائل من التفاهات ينشر ويتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويحصد لايك او إحدى أخواتها، ثم يختفي.

مقابل ذلك، فإنّ وجود شخص ما في لحظة معينة في مكانٍ ما تمكّنه من تصوير حدث معين أو فاجعة ما ونشرها، يجعل صورته منتقاة وتستقطب اهتمام وإعجاب الناس بأرقام مشاهدة مليونية كان لا يجرؤ حتى أن يحلم بها أعظم المصورين الفوتوغرافيين قبل 40 سنة، ومع ذلك لا يفكر أحد في أن يشتري منه حقوق هذه الصورة. حتى مواقع الأخبار تتعامل مع مئات آلاف الصور المجانية بمجرد حصول موافقة مصورها على نشرها.

التصوير الفوتوغرافي فنّ يندثر

وماتت تقريباً وظيفة المصور الفوتوغرافي الصحفي، فالصحفيون يلتقطون صور مقالاتهم وتحقيقاتهم الميدانية بأنفسهم وبعدسات هواتفهم المحمولة. المصور الصحفي يعمل اليوم حصرياً لوكالات الأنباء ونتاجه الجميل معرّض للمساومة مع وفرة البدائل التي يلتقطها الناس في كل مكان.

وسارعت شبكة نيتفليكس إلى أنتاج مسلسل تلفزيوني حول شاب عاطل عن العمل يتحول إلى مصور جرائم في لوس انجيليس، وينتج فيديوهات لقنوات التلفزة الشهيرة فيحقق نجاحاً هائلاً. المسلسل اسمه Crawler Night وانتج عام 2014 ويلخص بشكل ما القضية التي نتحدث عنها، وخلاصتها أنّ التصوير لم يعد فناً ولم يعد مهنة. المهنة اليوم هي اصطياد الأحداث التي تصنع الصور، وهذا جزء أساس من العمل الصحفي.

الشباب يخزنون عشرات ألوف الصور على Cloud أو على Google Drive ، وبعد اشهر أو سنوات يجدون مكان الخزن قد تضخم، فيسارعون إلى محو كل الصور التي طالما اعتبروها مهمة جداً. ولنتأمل نحن أنفسنا الصور التي نخزنها، سواء الورقية المطبوعة منها الملصقة في ألبومات صور الأسرة، أم الرقمية المخزونة في حافظات خاصة أو على أجهزة الكومبيوتر والهواتف الذكية الشخصية. في زحمة الحياة اليومية، هل نملك وقتاً حقاً لتأملها، أو التمتع بها؟ المراهقون لديهم مقياسهم، هنا، فبمحض أن تخرب علاقاتهم بمن التقطوا معهم صوراً يسارعون إلى محوها، فينتهي ذلك الماضي المعتقل في لحظات إلى أبد.

البالغون، حين يعودون بعد سنوات إلى الصور التي وثّقت رحلاتهم وحفلاتهم ولقاءاتهم وزياراتهم، وأيام مرضهم وأيام نجاحهم، سيجدون أمامهم خزيناً كبيراً جداً من الصور لا يملكون الوقت لتصفحه، وبمرور الزمن سيدركون أن كل واحد من تلك الاحداث يستحق 3 أو 5 صور لا أكثر، وبالتالي سيسارعون إلى محو الصور الباقية وأعدادها بالألوف.

هناك صور خارقة تسجل لحظات استثنائية تهزّ الناس عند عرضها، وهذه الصور غالباً قد التقطها مصورون محترفون، وباتت في عصرنا الرقمي هذا صوراً ضائعة في الزحام.

الكاميرات المحمولة بالطائرات المسيرة غيرت افاق التصوير وجعلته في متناول الجميع

الصورة بضاعة بائرة لا يشتريها أحد

مواقع المصورين المحترفين تعرض اليوم ألوف الصور بأسعار عالية، ويعمد المصور إلى الفوتو شوب وفنون الترتيش الفوتوغرافي الرقمية التي باتت في متناول الجميع مجاناً على النت، ليُنتج صوراً خارقة الجمال، لكنها مصنوعة، وهذا يلقي ظلالاً على صدقيتها. وبعد سنوات، لا يتمكن المصور المحترف أن يبيع أيّاً من صوره التي أنفق جهداً ووقتاً ومالاً لإنتاجها، فيضطر إلى إتلافها أو عرضها مجاناً على النت مع وضع حقوق النشر باسمه عليها .

التقنيات الحديثة ومنها SD cards التي تخزن الصور، بوسعها أن تخزن ألوف اللقطات، لذا يُسرف الناس في التقاط الصور، دون عناية باللقطة والزاوية والظل والضوء، فيكون الناتج خزين هائل من صور تافهة لا ينظر إليها حتى من التقطها، وينتهي بها الأمر إلى المسح أو الضياع مع SD cards المخزونة عليه.

لنتذكر الآن الأفلام الفوتوغرافية التي كانت تخزن 14، 24، 36 وصولاً إلى 72 صورة كحد أعلى، فهذا يعني أن من يلتقط صورة يجب أن يعتني بها متحسّباً لحجم الفيلم الذي عنده، وفي مرحلة التحميض والتجفيف والطباعة سيكون بوسعه الانتخاب بين مجموعة صغيرة دفع ثمناً لها (ثمن الفيلم أولاً، وثمن التحميض والتجفيف والطباعة ثانياً)، وكل هذا يعني أنّ المصور هنا لا يملك مساحة مناورة واسعة، وعليه العناية بالصور.

في عصر التصوير الفيلمي، كان المصور لا يرى نتاجه حتى ينتهي الفيلم ويذهب إلى مختبر التحميض والطباعة، فتظهر عشرات الصور ونصفها فيه أخطاء أو ظلال أو تحرك الأشخاص داخل الصورة، ما يسقطها من حساب الصور الجيدة. أما اليوم، فتلتقط المراهقة صوراً لعلبة الكولا التافهة الموضوعة على رحلتها في المدرسة، وتصورها من عشرات الزوايا، وبعد يومين، ترى الموضوع تافهاً فتمحو الصور من ذاكرة الهاتف الذكي.

هذا الوضع، يدفع المرء للسؤال، ماذا لو طبعت الصور الرقمية التي عندي؟ ألن تخلد تلك اللحظات الجميلة في ألبومات صور العائلة؟ شخصياً فعلت ذلك، وأنفقت بعض المال والوقت للذهاب إلى أجهزة الطباعة الحديثة في المحلات، وطباعة الصور التي أحب لتخليد لحظات بعينها في حياتي، وخزنها مطبوعة بحجوم بوستكارد قياسي كامل في ألبومات صور.

ما زال التصوير بالأبيض والأسود يستقطب اهتمام البعض

الصورة المطبوعة ذات قيمة والصورة الرقمية بلا قيمة

خلال 10 سنوات تجمّع في مكتبتي 30 ألبوماً مفعمة بالصور في مختلف الأماكن. وكلما التأم شمل العائلة، نمضي في جولة سياحية في بعض تلكم الألبومات، ونفعل ذلك حين يزورنا الأقرباء والأصدقاء. لكني وبعد مرور عقد لم أعد أجد في نفسي حماساً لتكرار ذلك والمضي فيه قدماً، فالعمل يحاصرني ومسؤوليات التأليف والأسرة لا تتيح لي أن أمارس هذا الترف.

واكتشفت منتصف عام 2018 أنّ بوسعي أن آتي بالطابعة الورقية الرقمية إلى بيتي، فثمنها ليس باهضاً، وبذلك سيكون بوسعي أن أطبع ما شئت من الصور لتأملها، لكنّ قرب مكائن الطباعة من منزلي ورخص ثمن الطباعة النسبي، منعني عن تنفيذ هذه النزوة المترفة.

هذا الوضع نبهني إلى حقيقة مهمة جداً، فالصور المطبوعة تتحول إلى شيء حقيقي ملموس، وهي معرضة للتلف بتقادم الزمن، لذا لابد من العناية بحفظها وعرضها، وهكذا ازدحمت جدران بيتي بعشرات الصور المختارة معروضة في إطارات واجهاتها من زجاج وأغلبها صور لأفراد عائلتي الصغيرة وعائلتي من جهة الأب والأم علاوة على صور من عائلة زوجتي . مقابل ذلك، لدي درايف حفظ فيه أكثر من 10 آلاف صورة، لا وقت لدي للنظر إليها وتقييمها، واعتقد أنها ستبقى مخزونة هناك، وتضاف إليها مئات أو الوف أخرى، ولن يتاح لأحد النظر فيها. الصور الرقمية حتى لو كانت جميلة أنيقة معبّرة تبقى صوراً افتراضية وهذا يجعلها صوراً لا قيمة لها، وهي مفارقة تتعلق بالكم وليس بالنوع.

ما قيمة لايك يضعها لك أحد الأصدقاء في العالم الافتراضي وهو يعيش بعيداً عنك بمسافة قد تصل إلى 10 آلاف كيلومتر، وماذا تشكل صورك الشخصية في ذاكرته؟

التصوير بالهاتف المحمول بات فناً

الكاميرات الاحترافية – ترف لا معنى له!

السؤال الأخطر الآن هو: لماذا أشتري كاميرا كانون وملحقاتها وعدساتها الإضافية مع ثري بود ثمين ثقيل الوزن وتفاصيل أخرى ليصل مجموع انفاقي نحو 5 آلاف يورو، إذا كان بوسع كاميرا هاتفي المحمول أن تنتج أجمل الصور؟

من خبرتي الصحفية تعلمت أن اصطحاب الكاميرات الاحترافية ثقيلة الوزن، كبيرة الحجم، باهظة الثمن إلى أماكن الحدث يعرّض المصور إلى مخاطر كبرى، كما أن اغلب الناس يهابون تلك الأجهزة وزوماتها الطويلة غريبة الشكل ويرفضون التصور بها.

في مناطق الحروب، يُستهدف الصحفي لمجرد أنه يحمل كاميرا قيمتها 5 آلاف دولار، فالمقاتلون ليسوا أثرياء، ولا يحصلون على راتب يزيد عن 500 دولار في الشهر مقابل وقوفهم خلف البنادق ليقتلوا أشخاصاً لا يعرفونهم غالباً، فلم يمتنعون عن تسليب كاميرا هذا الصحفي الفضولي الثري، وبيعها بأي ثمن كغنيمة حرب؟

وحين ذهبت إلى أهوار العراق ومناطق الواحات والأهرام وأسواق القاهرة في مصر، وشواطئ بيروت الجميلة، وعشرات الأماكن الأخرى في آسيا وأوروبا كان اصطحاب الكاميرا الاحترافية واستخدامها في اللنشات والزوارق والحافلات صعباً بسبب الحركة المستمرة، فيما استطاعت كاميرا هاتفي المحمول أن تحقق لي أجمل الصور التي ارفقتها مع ريبرورتاجات والبومات صور انجزتها في تلك الزيارات.

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

الحدود السيّارة – جليد إيطاليا والنمسا وسويسرا*

الحدود السيّارة – جليد إيطاليا والنمسا وسويسرا*

لقرون عدة، كان الجليد بضاعة إستراتيجية. وليس من السهل نسيان النقل والحصاد الذي اعتمد على الجليد لقرون متطاولة لدعم الصناعة الدولية، وكان واسطة مغرية لمجهزين ومصدرين عدة، في طليعتهم أوروبيا النرويج. كما لعب الجليد المخزون دوراً حاسماً في تأمين مصادر المياه وحفظ الطعام...

قراءة المزيد
أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.