تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

الأطفال ودينهم…اختيار حر أم موروث عائلي!

فبراير 28, 2022 | 0 تعليقات

يولد الأطفال ويكبرون وفق عقيدة ورثوها عن آبائهم الذين ورثوها بدورهم عن أسلافهم، منذ زمن غير معلوم، وسيمتد حتى أجل غير محدد. إنّه موروث غامض تتناقله الأجيال مثل الاسم الذي يمنح للطفل حال ولادته فيلتصق به إلى أبد، ومثل الوطن الذي يولد فيه فيتحول إلى مصيره الأزلي، ومثل مورث الانتماء الإثني، والهندسة الجينية التي تحدد لون العين ولون الشعر ولون البشرة وشكل العظام وحجم المخ، واستدارة الغدة النخامية وعروق الغدة البنفسجية وما يتعلق بالتكوين البايولوجي برمته.

الإسلام يؤكد أنه جاء ليحرر الشعوب من العبادات الموروثة، ومن أوهام وخرافات ديانات الآباء والاجداد:

بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (الزخرف 22)

وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (23 الزخرف)

لكن ما يجري في العادة، أن أطفال المسلمين يرثون عن أهلهم دينهم، فيولدون مسلمين سنة أو مسلمين شيعة، وهم بذلك على دين أجدادهم، ويعبدون ما عبد اسلافهم الأبعدين. أما نصوص الكتاب المقدس في العهدين القديم والجديد فلم تدعُ الناس إلى تغير دين آبائهم وأجدادهم، لكن في النتيجة المولود لأبوين مسيحيين كاثوليكيين، يولد كاثوليكيا، والمولود لأبوين يهوديين يولد يهودياً…أليس هذا توريثاً للأديان؟

الأخطر من هذا، أنّ المسلم إذا حاول أن يتخلى على هذا الموروث الذي لم يختره، وقرر أن يختار لنفسه ديناً آخر، فإن المسلمين يعتبرونه مرتداً ويحللون قتله:

“وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة: 217).

“إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة:62).

” وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (آل عمران:85)

وهكذا يولد الأطفال عبر العالم وقد ورثوا رغم إرادتهم دين آبائهم وأجدادهم، فهم مسيحيون أو يهود أو مسلمون أو هندوس أو بوذيون أو حتى شيوعيون وماركسيون وبعثيون، وكلهم فيسبوكيون يبشرون بدياناتهم وعقائدهم!

والمرء هنا يتساءل: أين هي حرية العقيدة، وأين هو الإيمان القائم على الدليل والبرهان؟ كيف يعرف المولود تواً الإيمان بالبرهان والدليل؟

وقد خرج البخاري في “صحيحه” (1385)، ومسلم في “صحيحه” (2658)، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قوله: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاء.

أليس هذا جبراً رهين الولادة؟

إذا كان الدين موروثاً، فلماذا الجدل الطويل العريض حول الجبر والتفويض؟

الإنسان في الحقيقة مسيّر مجبور على دينه وجنسه وجيناته ووطنه وملته ولونه وعشرات الأشياء الأخرى. والسؤال الخطير هنا: إذا كان الإنسان مسيراً مجبراً غير مختار، فلماذا يعاقبه الله أو يثيبه؟

وهذه الأسئلة تبدأ منذ ولادة الطفل كما أسلفنا.

معلمة العقيدة البهائية، الأمريكية نانسي لي سيسيلي كشفت في مقال كتبته لموقع Reno Gazette Journal أن المولودين لأبوين بهائيين، وخلافاً لكل أبناء الديانات الأخرى، لا يرثون آلياً دين والديهم، بل يتاح لهم حين يبلغوا سن الخامسة عشرة أن يتعنقوا الديانة البهائية، على أن يرغبوا بذلك ويعلنوه دون ضغط من أحد. ولكن لابد من القول، إن والدي الطفل وقبل بلوغه الخامسة عشرة، يعلمانه أشياء عن البهائية، وعن ديانات أخرى، ليتاح له القرار. الوالدان مسؤولان بشكل مباشر عن السلامة الروحية لأبنائهم، وهكذا يتاح لهم منذ نعومة أظفارهم أن يعرفوا ربهم ويعشقونه إن رغبوا، لاسيما إذا كشف الوالدان عن قدرات الرب وأثره في الحياة المعنوية للناس في سبل الحياة.

كل شاب متاحة له الحرية الكاملة لتقصي إجابات الأسئلة الصعبة حول سبب وجودنا، ونمط حياتنا الذي يجب أن نسلكه، علاوة على الغرائز البشرية الأساسية الدالة على وعي الانسان. كل هذا يساعد الطفل على أن يلمس بنظر عينه وحواسه ووعيه حقائق الأشياء، لا من خلال وعي الآخرين. وتختم المعلمة الأمريكية بالقول: إنّ وعي الإنسان مقدس ولا بد من احترامه”.

هذا الذي ذهبت إليه المعلمة الأمريكية يبدو يوتوبيا في عالم توريث العقيدة، والوصول على هذه اليوتوبيا دونه صعاب، بل دونه دماء تسيل. وعلى كل حال فإنّ محبة الأبوين وثقافتهما وسعة آفاقهما هي التي تعين ديانات بنيهم، وفي هذا كتب سوامي فيدانندا، وهو راهب هندوسي: يتعلق الأمر بمستوى فهم الوالدين للدين، هل هو مجرد طقوس وشعائر يمارسها الأهل أسوة بغيرهم، أم هو عقيدة عميقة يفهما الوالدان شاعرين أنها تؤثر فعلا في حياتهم وحياة من حولهم. فاذا كان الحال هكذا، فإن الأبناء سيأخذون عن أهلهم اخلاقيات وقيماً اجتماعية، وتعاطفاً قلبياً مع من يعانون، علاوة على روح سامية من الإثرة والاستعداد للمساعدة والبذل دون مقابل لكل الكائنات، وهذه بحد ذاتهم سيدلهم على اعتناق الدين الصحيح الذي يجسد هذه القيم، وسيتخذون بأنفسهم القرار الصائب.

ولكن، لو شئنا أن نترك الخيار لأبنائنا، لينتخبوا بأنفسهم الدين الذي يروق لهم، كيف يمكن أن يجري هذا، وما مدى استقلال الطفل وحريته في الاختيار تحت وصاية أهله؟

العثور على “الحقيقة” بشأن الرب والسماء والخلق والكون والحياة الأخرى والماضي القريب والماضي البعيد والثواب والعقاب وتفاحة حواء التي أخرجت آدم وحواء من الجنة، كل هذا مرهون بحرية اختيار الطفل لدينه. ماذا لو انتخب ابنك أن يكون لا دينياً؟ كيف ستتعامل مع خياره؟

ماذا لو قرر أن يصبح مسيحياً رغم أنّه مولود لأبوين مسلمين؟ هل يطبق عليه حد الردة، فيقتل وهو طفل؟

لكن كيف سيكون بوسع الطفل أن يختار دينه بنفسه، إن لم يكن قد تربى على التفكير الحر؟ علينا أن نعلم أطفالنا على التفكير النقدي، والتفكر المنطقي العقلاني البعيد عن العاطفة، بدلاً عن التربية التلقينية بخصوص فكرة الرب الواحد والدين الحنيف…هل هذا متاح للعربي والمسلم في بلده؟

علينا أن نكون محايدين موضوعيين غير أنانيين، ونعرض لأطفالنا حقائق الأشياء دون أن نسقط تصوراتنا عنها عليها، ودون أن نضيف إليها بعداً قدسيا يجعل عقل الطفل يتراجع خائفاً إزاءها. علينا أن نحترم حق الطفل في المعرفة الموضوعية، فكيف يتحقق هذا في مجتمعات تربت على فكرة قداسة الغيبي، وعلى احترام مطلق للميتافيزيق؟

الفكرة التي ترسخت في الإسلام متناقلة عن قول منسوب للرسول بأنّ” ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء. ثم يقول أبو هريرة “فطرة الله التي فطر الناس عليها”. وهذه الفطرة هي الإسلام كما قال ابن حجر نقلًا عن ابن عبد البر، وهذا الحديث صريح في أن كل مولود يولد مسلماً، فإذا كان أبواه غير مسلمين، فإن أطاعهما فيما يدعوانه إليه من يهودية أو نصرانية أو مجوسية خرج عن الفطرة إلى ما يدعوانه إليه ويربيانه عليه، وإن هداه الله إلى الإسلام، فهو مسلم باقٍ على الفطرة التي فطره الله عليها”… هذه الفكرة تبدو قانوناً ارسى قواعد الحياة في المجتمعات الإسلامية، ولكنّ التوجه نحو حرية الاختيار الحقيقية، يوجب مفارقة هذا التوجه، وعملياً يعني هذا أن الطفل يولد غير مؤمن، ثم تجري “هدايته” فينتخب إحدى ديانات التوحيد ويعتنقها، ويجري هذا دائماً بموجب المحيط الديني الايماني الذي يفرضه عليه أبواه أولاً، ثم المجتمع ثانياً.

عملياً، يبدو تلقين الأطفال على اعتناق دين الإباء، عملاً روتينياً يجري دون بذل جهد يذكر، أما عرض الطفل على فكرة كل الأديان، وعلى العقيدة اللادينية في نفس الوقت، فيبدو تحدياً تشوبه الصعاب، وتحف به المخاطر، وكأنه رحلة كلكامش في البحث عن سر الخلود.

ولا ننسى هنا، أن ايمان الطفل واعتناقه للعقيدة اليهودية مثلاً، سيحتم عليه الزواج من أبناء الديانة يهودية حصراً، ويصح الأمر على باقي ديانات التوحيد وغير التوحيد، إذا لا تبيح الديانة الأيزيدية الزواج من خارج الطائفة، وهكذا، تتمدد حالة الحصار الفكري العقائدي لتصبح، حالة حصار مجتمعي، يصادر حرية الافراد في حق انتخاب شركاء تمددهم البايولوجي المحتمل. وهذا لعمري منتهى الاستعباد.

تتعمق هذه المشكلة في ظل انتشار عقيدة تكثير السواد وجمع الاتباع وتعبئة المريدين التي يقوم بها لا شعورياً أغلب الآباء، مدفوعين بفكرة الاستقواء بالكثرة، وبطغيان الأغلبية التي تحرك التركيب الثيوقراطي للمجتمعات.

لكن معتنقي ديانات التوحيد، يشككون بشدة في جدوى السماح للأطفال في اختيار دينهم، ومن بين هؤلاء كتب برايان سميث راعي كنيسة المسيحي المختار على موقع RGJ :

يقدم يسوع قلبه النابض للأطفال، منتقدا أتباعه ورعيته لمنعهم الأطفال من الوصول إليه، بهذا الخصوص نحن لا نتيح للأطفال تناول كل ما يرغبون به من طعام، ولا نسمح لهم أن يلعبوا في الطرقات، وبنفس الاتجاه، يتحتم علينا أن نوجههم للطريق القويم فيما يتعلق بتطورهم الروحي. ففي الآية 22:6 من كتاب جينيسيس يقول:

“ابدأوا بتعليم الأطفال طريقهم القويم الذي يجب أن يسلكوا، حتى إذا ما بلغوا الرشد لن يغادروه”. علينا أن نوجه الطفل مثلما نوجه القوس فيتخذ السهم ويتم الطريق نحو الهدف دون تدخلنا. علينا أن ندرب الطفل، ثم نتركه ليقرر بنفسه، فنحن نعلم مدى صعوبة اتخاذ القرار بالنسبة للأطفال”. انتهى ما كتبه برايان سميث.

أما الشيخ عبد الرحمن ناصر البراك هو عالم دين سعودي فيقول في هذا الخصوص:

قال تعالى: “َأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” (الروم:30). وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال: “كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه” (متفق عليه).

والصّواب أنّ المراد بالفطرة: ملّة الإسلام، كما في الحديث الذي رواه مسلم عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- قال: قال الله تعالى: “خلقتُ عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطينُ عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يُشركوا بي ما لم أنزّل به سلطاناً” (البحر الزخار:8/419).

ومعنى أنّ المولود يولد على ملّة الإسلام: أنّه يولد مستعدًا في تكوينه إذا تفتح عقله وعرض عليه الإسلام، وضدّه أن يُؤْثِرَ الإسلام على ضدّه، ويختار الإسلام ديناً، ما لم يمنعه مِن ذلك مانع كالهوى أو التعصب، فاتباع الهوى يحمل على إيثار الباطل لنيل حظ من الحظوظ من رئاسة أو مال، والتعصب يحمل على اتباع الآباء والكبراء ولو كانوا على غير هدى، قال تعالى: “بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ” (الزخرف:22)، وقال تعالى عن الأتباع من أهل النار: “وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا” (الأحزاب:67).

ويمضي إلى القول:

ثم يجب أن يُعلم أن من غيّرت فطرته عن الإسلام لا يعاقب بذنب غيره، وإنما يعاقب إذا بلغته دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام فأعرض عنها، ولم يقبلها إباءً واستكبارًا وتعصبًا لدين آبائه وأهل بلده، لأنه قد قامت عليه الحجة بدعوة الرسول، ومن قامت عليه الحجة الرسالية وأصرّ على كفره استحق العذاب، قال تعالى: “وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا” (الإسراء:15).

أما اليهودية، وهي أصل ديانات التوحيد، فلا تكشف أحكام كهنتها عن تشدد بيّن بشأن عقيدة الطفل المولود لأبوين يهوديين، لا سيما أنّ إسرائيل وهي الدولة العبرية الوحيدة في العالم، تراعي الحقوق المدنية للمواطنين بسبب التوع الاثني والديني الكبير في هذا البلد، ورغم عدم وجود دستور مكتوب واضح يحدد دين الطفل، إلا أنّ موقع برل المكرس للتعريف بالديانة اليهودية يذهب إلى التالي:

“من يغادرون اليهودية ليعتنقوا ديانة أخرى، فتصبح ديانتهم الجديدة سمتهم الدائمة، يفعلون هذا خلسة، وغالبا في فترات الأزمات، حيث تكون “الهداية” لديانات أخرى (هي الحل لإنقاذ أرواح الناس، كما جرى في الهولوكوست إبان العهد النازي).

وفي صميم الديانة اليهودية، توجد تعابير مختلفة لوصف ما يتعبر نظرياً غير قائم، أي لوصف الانسان الذي غادر الديانة اليهودية إلى ديانة أخرى. واليهودية تقارن غالباً بالمسيحية وبالإسلام، لكنّها في الحقيقة لا تناسب وصف “اختيار” ينتخبه الأفراد ليكون “ديناً” لهم. اليهودية نظرياً، دين لا يمكن الدخول فيها، ولا يمكن مغادرتها، كما انّه ليس بوسع العبري الإسرائيلي أن يغير قوميته، أو اثنيته.

وبالمقارنة مع الأديان الأخرى، فإنّ وصف من “غادر” اليهودية هو قضية معقدة مقارنة بحال الأديان الأخرى، لأنّ كون المرء يهودياً لا يرتبط بممارساته، ولا بإيمانه وعقيدته، بل يرتبط بولادته ونسبه، وقد يغادر المرء أيمانه وعقيدته، لكنه سيبقى منتسبا لليهودية بنسبه”.

ومعنى هذا أن اليهودية مسألة قدرية، فمن ولد بملامح افريقية، سيبقى إفريقي المظهر حتى لو حمل جنسية أوروبية، ومن ولد بملاح صينية سيبقى كذلك بغض النظر عن جنسيته التي يحملها ولغته عقيدته. وكون اليهودية، حسب تفسيرهم، ولادية موروثة، فإنّ الطفل لا يستطيع أن يغير دينه وعقيدته. وهذا لعمري منتهى التشدد، وغاية الانكار لحرية اختيار المخلوق لإيمانه وعقيدته. وبناء على هذا الفهم فإنّ اليهودية ديانة قائمة على الجبر، ولا تفويض فيها. وقد يكون هذا سبب وصف اليهود لأنفسهم “شعب الله المختار”، فطفلهم المولود حديثاً شاء أم أبى سيكون يهودياً ويبقى حتى مماته يهودياً.

ولكنّ العالم يتغير، وطبقا لآخر إحصاء جرى في ألمانيا عام 2021، على سبيل المثال، فإنّ القسم الأكبر من الألمان يرون أن ليس للدين أي أهمية في حياتهم، ولا يلعب أي دور في صنع قراراتهم، ورسم مستقبلهم، وباتت نسبة من يؤمنون بدور الدين في حياتهم لا تتجاوز 33 بالمائة من سكان البلد البالغ عددهم أكثر من 82 مليون نسمة، حسب تقرير نشره موقع DW الألمانية . وهكذا فإنّ أطفال أولئك غير المنتمين إلى أي دين، سيرثون غالباً عن أهلهم مبدأ اللادينية، وقد يعتنقونه مدى الحياة، أو يغيرونه لاحقاً بحرية اختيارهم.

ويصدق مثل هذا على الأمريكيين، حيث كشفت دراسة نشرت عام 2020 أنّ 23 بالمائة من سكان الولايات المتحدة الأمريكية البالغ عددهم أكثر من 328 مليون نسمة لا يعتنقون أي ديانة، وهكذا فإنّ ربع مواليد الأمريكيين سيرثون عن والديهم عدم الانتماء لأي دين.

وما زلنا نتحدث في عالم ديانات التوحيد الثلاثة، ولو ذهبنا إلى البوذيه والهندوسيه والكونفوشيه وهي ديانات يعتنقها أكثر من 3 مليارات إنسان، فمن الصعب تتبع مبدأ حرية اختيار الطفل لدينه بعد بلوغه لعدم توفر معطيات واقعية دقيقة عن هذه القضية.

ملهم الملائكة/ فصل من كتاب شيء عن الأديان

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

الحدود السيّارة – جليد إيطاليا والنمسا وسويسرا*

الحدود السيّارة – جليد إيطاليا والنمسا وسويسرا*

لقرون عدة، كان الجليد بضاعة إستراتيجية. وليس من السهل نسيان النقل والحصاد الذي اعتمد على الجليد لقرون متطاولة لدعم الصناعة الدولية، وكان واسطة مغرية لمجهزين ومصدرين عدة، في طليعتهم أوروبيا النرويج. كما لعب الجليد المخزون دوراً حاسماً في تأمين مصادر المياه وحفظ الطعام...

قراءة المزيد
أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف "تعبيريو راينلاند"، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن...

قراءة المزيد
أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

أسطورة تفوق العسكرية الألمانية  

ما زال السواد الأعظم من العالم العربي ينظر إلى ألمانيا باحترام واجلال بسبب هتلر!؟ فيما يرى سائر العالم أنّ أدولف هتلر هو النقطة السوداء التي تشوه وجه ألمانيا، ولولاه، ولولا ممارساته العنصرية الوحشية، وحملاته الدموية على الإنسان والعقل والحرية، لكانت جمهورية ألمانيا...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.