تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

إلى شرق البصرة ببركة رياح الخماسين الرملية

يناير 5, 2022 | 0 تعليقات

منتصف تموز 1982 ينقضّ الغبار والقيظ على الإنسان حال اقترابه من مدينة العمارة، ويتكاثف مختلطاً بالرمال وروائح دخان النفط وروائح أخرى جلّها من مزابل تمتد على خواصر المدن حيثما يممت جنوباً. شن الإيرانيون هجوماً كبيراً لاحتلال البصرة، الانسحاب إلى الحدود الدولية لم ينه الحرب، بل فتح صفحة جديدة فيها.

بقينا في الجباسي تحت النخيل، خلفنا شط العرب، وعبر شط العرب تشمخ مداخن محطة الطاقة الحرارية الخمس، ويميننا إلى أمام معمل الورق الكبير، وتلوح نيران مصافي الشعيبة جنوبنا الغربي، وحولنا بساتين النخيل. بساتين خاصة يملكها عراقيون، زرعوها، وينتظرون جنى الزرع، فقامت الحرب ولم تنته. عجلات وشاحنات ودبابات العسكر في كل مكان، وأهل البساتين في حيرة، كيف وماذا يفعلون؟ هل يعاتبون الجيش ويطردونه من أرضهم وهو الذي جاء ليحمي الأرض والعرض من غزو ايراني محتمل (وهكذا كانوا يلمسون فعلاً، فالإيرانيون يقصفونهم بالمدفعية الثقيلة منذ سنتين، وباتوا اليوم يهددون أراضيهم، واحتلوا مناطق من العراق جنوبا)؟

هل يتركون بساتينهم وبيوتهم وأراضيهم ليرحلوا؟ أين يذهبون وهذا هو كل يملكون؟

وهكذا بقوا في بيوتهم وبساتينهم مُكرَهين لا أبطالاً!

كل صباح يخرجون لمعاينة النخيل، وجنى الرطب الذي نضج ونصف الناضج منه، يتسلق كل أفراد العائلة كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء النخيل، وينشغلون بجني حاصله، فيما يتطلع لهم العسكر باندهاش وفضول مقرون بالاستغراب، ماذا يفعلون، والعقلاء يتساءلون مع أنفسهم: ماذا نفعل نحن في أملاك هؤلاء المساكين؟

كل يوم نذهب في استطلاع لمواقع الجيش والمعارك في شرق البصرة، كان اللواء المدرع العاشر منشغلاً بطرد المتسللين شمال بحيرة الأسماك ومنطقة الكثبان الرميلة وسدة السويف، والحقيقة أن العلميات تقدمت نحو 10 كيلومترات شرق سدة السويف، لكن المنطقة خالية من كل شيء، لا قرى ولا بساتين ولا أنهار ولا عوارض، هذا على الأقل ما شاهدته شمال شرق بحيرة الأسماك فيما عرف بعمليات الاستطلاع. الغبار يغطي كل شيء ليل نهار وعلينا أن نضع نظارات واقية خاصة لنستطيع أن نفتح أعيننا في هذا التيه الرملي الصاخب.

كل دقيقة تظهر دبابة ضلت طريقها، وتصطف أمامنا كأنها تريد الدخول في سيارتنا، وكل دقيقة تصادفنا سيارة إسعاف أو شاحنة تقل جنودا أو ما شابه.

وقيل لنا أننا سنأخذ مواقع كتيبة دبابات الحسين الوحدة التابعة للواء المدرع العاشر. لكن القتال كان قائماً، وصولات لهم وجولات لنا، فاين سنجد الكتيبة المذكورة لنأخذ مكانها؟

دامت عمليات الاستطلاع نحو أسبوعين، كان آمر لواءنا الجديد العقيد غانم صالح العزاوي، يخرج منذ الصباح حتى الليل، ونحن نتبعه طيلة اليوم، ولا جديد، فمعارك الدروع لم تهدأ، ودخول لواء مشاة تائهاً في هذا السعير لن يضيف شيئاً. في هذا الوقت، تكامل انتقال الفرقة الثامنة بكل ألويتها ( لواء 22، لواء 23، لواء 418 الذي حل محل اللواء 3 المنحل) من القاطع الأوسط إلى القاطع الجنوبي، واستقر مقر الفرقة وتشكيلاتها ووحداتها في بساتين نخيل الجباسي على طول الضفة الشرقية لشط العرب، وسط أملاك الناس!

بعد اسبوعين، صدر أمر الحركة لعموم الفرقة، بعد أن هدأت العمليات، وكُسر الخرق الإيراني في ذلك القاطع. كان قاطع لوائنا عرضه 4 كيلومتر، وقد توزعت عليه أفواجنا، وكان مقر اللواء بعمق يصل إلى 2 كيلومتر في بعض المناطق عن مقرات الأفواج.

استلمنا القاطع وليس فيه أكثر من خنادق شقية، وخنادق أعرض قليلا مغطاة بالصفيح المضلع، مبعثرة في شبه مربع غير محدود الزوايا. وانشغل الجميع خلال اليومين الأولين في بناء مقر لواء هو في الحقيقة ساتر مربع الشكل، تحتل واجهته الشرقية المواجهة للعدو سرية مغاوير اللواء، فيما تتوزع على باقي السواتر الثلاثة سريتا الهندسة والمقر والمخابرة.

في أركان الساتر المربع توزعت مدافع مقاومة طائرات من عيار 157، روسية الصنع، كانت بطرية كاملة يقودها م أول فيصل تستقر في المكان لمقاومة الدبابات خوفاً من حدوث خرق، لأنّ أسلحة مقاتلة الدروع لم تكن كافية، والأرض سهلة العبور بالنسبة للدبابات.

بين مدفع ومدفع وزعت رشاشات 14.5 ملم ديمتروف مقاومة طائرات الروسية. كان الخرق متوقعا في أي لحظة، وبذلت كل الأسلحة لتأمين كل شيء.

في الليلة الثانية، بلغنا باحتمال حصول تسلل للعدو، لأنّ مفارز الهندسة لم تنجز حقول الألغام والأسلاك الشائكة لحماية القطعات الساترة ولتعويق تقدم القطعات المهاجمة، وهكذا قضينا ليالٍ طوال ندور على نقاط الحراسة، ونمد الأسلاك لتأمين المواصلات، وتحولنا نحن ضباط المخابرة، نقيب عماد، م أول خلف، وأنا إلى ضباط مشاة نؤمن لمقر اللواء دوريات وتفتيش ليلي، علاوة على واجبات المخابرة!

ذات ليلة عاصفة متربة، كنت أفتش النقاط، وأطوف على نقاط الحراسة في السواتر، فلفت انتباهي ضوء ينبعث من ملجأ في قلب مقر اللواء، اتجهت من مكاني قرب الساتر في الظلام الحالك الذي تشرخه عواصف رملية ساحقة إلى مصدر الضوء، ماراً بكثبان تراكمت عليها الرمال، فتعثرتُ بشيء في الأرض، وخفت أن يكون قذيفة لم تنفجر، أنرت مصباحي الصغير (تورج قلم شاع استخدامه بين العسكر آنذاك) فإذا هي ساق إنسان، كشفت عنها رياح الخماسين الرميلة، نظرت جيداً، فاذا بها ساق جندي إيراني (بدلته يميل لونها إلى الخاكي المخضر الفاقع)، وبجانبها التف شيء في جسده الممزق، أمعنت النظر في التراكم اللحمي الحديدي الذي يرقد أمامي في مهب رياح صحارى البصرة، فإذا هي بقية قذيفة دبابة من رمية مباشرة، أصابت جسده في مكان ما وقطعت رجله، وطارت بها لتصطدم وتستقر مع الرجل في كدس عتاد نصف مدفون!

المنظر مخيف ومقزز، فالعتاد الذي كشفت عنه الرياح قد ينفجر بأي عجلة أو شخص يرتطم به. وكان علي في ذلك الليل البهيم، أن أجلب جنوداً بمجارفهم، يصنعوا حول كدس العتاد ساتراً مرتفعاً، ويرفعوا عليه خرقة حمراء تمنع الآخرين من الاقتراب، حتى يحين الصبح وتتولى سرية الهندسة التعامل مع الموضوع.

حين انتهى واجب الدورية في الساعة الرابعة صباحاً، كانت حفرة الرمل التي يسقفها الصفيح المضلع (جينكو) هي ملجأي الوحيد، إذ لا وقت عندنا لنبني ملاجئنا، فالعدو قد يستأنف هجومه في أي لحظة، وحين نمت، بقيت مؤرقا والرمال ترسف على وجهي وفي فمي من كل جانب، وصورة الساق المقطوعة لا تفارقني.

ملهم الملائكة/ فصل من كتاب حين مشينا للحرب

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

طيور النقيب عادل

طيور النقيب عادل

كل شيء في النقيب عادل مختلف عن سياقاته، فهو نقيب مشاة لكنه دائم التفاؤل والابتسام، وضباط المشاة والدروع في الحرب هم الأشد كآبة بسبب خطورة وضعهم، وهو موصلي ولكنه منفتح لروح النكتة بعيدا عن جدية الموصليين وتحفظهم، وبقي الاختلاف عنوانه حتى النهاية. حين زرت موقع سرية...

قراءة المزيد
لقاءات على محاور الرازيت والشالتر!

لقاءات على محاور الرازيت والشالتر!

صباح مشمس في بداية شباط 1983، ما إن استيقظنا بعد غفوة الإنذار الصباحي في قاطع كتيبان مخفر زيد، حتى فاجأتنا سرية دبابات عراقية كاملة، بالانفتاح على يسار موضع لوائنا، وممارسة تمارين الهجوم السيار على العدو، رغم أنها كانت ضمن حدود قطعاتنا! في كل وقت، تمثل الدبابات عدواً...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *