تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

إثيوبيا – مشاهدة لفيلم إفرام والحمل

مارس 19, 2021 | 0 تعليقات

لا مشاهد عارية، ولا هواتف موبايل أنيقة، ولا كومبيوترات لوحية، ولا أجهزة تلفاز فسيحة تليق بالقصور، فكل ما يملكه افرام البالغ من العمر تسعة أعوام هو حمَل غبي بني اللون، يركض وراءه وهو يثغو يروم العلف من طفل لا يملك في العالم سوى ذكرى أمه التي رحلت لسبب مجهول وأبيه الكاثوليكي المهاجر خلف رغيف خبز.

هكذا ينقلك فيلم “إفرام والحمل” أول فيلم اثيوبي عالمي يعرض في مهرجان كان السينمائي الدولي، الى عالم ليس فيه بهجة لكنه لا يخلو من الانسانية،  ضمن مبادرات افلام يوروماتيك الدولية. شارك في انتاجه كل من اثيوبيا ، ألمانيا، فرنسا، النرويج وقطر وانتج وعرض عام 2015 في كل هذه الدول مدبلجا للغاتها.

عام مَحِل مر بإبراهيم الأب الشاب (لعب دوره اندرياس محمد)، السماء شحت ولم تجُد بمطرها على الأرض، فبقيت عطشى بلا زرع ولا تروي أي ضرع، ومع هذه المحنة رحلت زوجته اليافعة فقرر أن يرحل عن الأرض اليباب، وحين أعلن لأبنه افرام ( ومثل دوره إمره) عزمه، تمسّك الأبن بذكرى أمه الحبيبة التي لم نرها، فأصرّ أن يبقى حيث هو، لكن لا حياة حيث يغيب الماء، ويُعلن الأب حتمية الرحلة القادمة إلى مجهول آخر، فيصر الأبن على ضرورة أن يرافقه حمله البني اللحوح (شوني).

حافلة متهالكة بلا هوية تنقلهما ضمن مواكب اليائسين الفقراء الذين شتتهم الجفاف ولم تلتفت السماء لتوسلاتهم، فرحلوا بحثا عن سماء قد تجود بالغيث عليهم.

بيت قريبه ليس خيرا من بيته، كوخ من بقايا الصفيح وبقايا ألواح الخشب، يغطيه علف مجهول، وتنيره شمعة تنوس بلا هدف. الجدة الوقورة العاجزة عن الحركة بسبب الروماتيزم تقنع ابنها بقبول إفرام وحَمَله أوشي كي يذهب الأب بحثا عن رغيف خبز وشربة ماء.

منذ الصباح الأول، يحاول سليمان الأب أن يضع إفرام في مسار حياته، فبيته يضمه وأمه وزوجته وابنته اليافعة المراهقة وابنته الأصغر العاجزة عن الحركة والتي لا تكبر لشدة جوعها. وحين لاذ بهم هذا الصغير استبشر الرجل به خيرا عسى أن يعينه في عمل الحقل. لكن إفرام لا يتقن ذلك، هو يتقن ما تعلمه من أمه: الطبخ بما تيسر، والعقل الراجح الذي يجعله يتخذ قرارات صائبة وإرادة الحياة.


في النهاية، يصر صاحب البيت بعد أن يأس من محاولة تعليم افرام على بيع الحَمَل ويعيش الطفل ضياعاً مطلقا، فهو وحده في بيت غريب، بأرض عدوة ولا يملك سوى جزمة صفراء قديمة أكبر من قدميه ونصف سروال لا يعلم متى يتمزق وبقية سترة من رجل صغير الحجم تركها في مكان ما على الأرض فآلت إلى الصغير إفرام بعينيه الناعستين وبدنه الذي ذبل من الجوع والعطش والحرمان. ويريد منه هذا الرجل أن يبيع كل بقية حياته: الحمل البني الغبي ! يعتلي جبلا قريبا علّه يقيه غائلة كيد الأب، فيجد حقل ذرة، يأخذ عرنوصاً منها فيطعم (شوني) الحمل، يأكل الحَمل فتأخذه نشوة الشبع فيثغو بصوت عالٍ، وما يبرح أن يأتي حارس حقل الذرة وقد تدلت من كتفه نسخة من بندقية بلا هوية، ويهدد الحارس الصبي وحمله بعد أن يسأله أين يسكن، ويحذره من العودة إلى الجبل، فهذه مملكته التي يحرسها ولا يسمح لأحد أن يقترب منها. وهكذا يغادر لإفرام والحمل المكان وقد فقدا آخر ملاذ يمكن ان يقيهما من كيد الاب.

المراهقة سيون ابنة صاحب الكوخ هي الأخرى تشكل أزمةً للأسرة الكاثوليكية، فهي قد جازت السابعة عشرة من العمر ولم يأت أحد لخطبتها، والعائلة المسيحية الفقيرة ما برحت تتضرع للسماء أن تمنّ عليهم بعريس يأخذ سيون ويخفف العبء عنهم، ولكن لا أمل.

سيون يمنعها كبرياؤها ومعرفتها أن تستسلم لضغط العائلة. يحاول إفرام أن يقترب منها وهي تقرأ الصحف الغامضة وتتقن فناً لا يفقه منه شيئاً، لكنه يعرف انّ القراءة تمنحها امتيازا فوق كل من حولها، فالمعرفة سلاح، ولكنه في أثيوبيا الجائعة العطشى سلاحٌ غير مجد.

عزب (سيون) ترفضه باحتقار، فلا شيء عنده يلفت نظرها، ويبقى لوحده مع الهم، حتى يراها ذات ظهيرة في سوق القرية وهل تجلس مع رجل في قمرة شاحنة. رأته فثارت أعصابها ونزلت إليه تعنفه وتسأله لماذا نأى عن البيت كل هذه المسافة. دون أن تقول له إن عليه أن يحفظ سر ما شاهده من صعودها في قمرة الشاحنة مع رجل يكبرها بسنين كثيرة.

بعد محاولات لتأمين الحمل بعيدا عن سطوة سليمان الأب، ترحل سيون مع سائق الشاحنة، فأمها قالت لها بالحرف الواضح ما لم تتزوجي لا مكان لك في بيتنا. وتترك لصديقها اليافع النحيف وشاحها الأخضر وهو كل ما تملكه.

يعود إفرام وقد هده اليأس بعد رحيل صديقته وباتت وحدته تتفاقم وقد أزف موعد بيع الحَمَل الذي حدده سليمان، وفي الطريق يشاهد راعية أغنام صغيرة تؤدي صلاة المسلمين وقد مدت سجادة صغيرة على ارض صغيرة العشب، بعد أن اتمّت صلاتها، اقترب منها إفرام وطلب إليها أن تضم أوشي إلى قطيعها، وترعاه، فقبلت ذلك طواعية وهي تعلن أنّها لا تفعل شيئاً للخراف، فهي ترعى كلأ المراعي، والبنت تجلبها إلى المراعي صباحاً وتعود بها إلى البيت مساء.

وهكذا تظهر المعاني الرمزية للحكاية تباعا، فأم إفرام يهودية من الفلاشا، ويبدو أنها هاجرت إلى إسرائيل بحثا عن حياة أفضل، أما أبوه فهو مسيحي كاثوليكي، وعائلة سليمان التي تأويه مسيحية بروتستانتية، والحمل أوشي يذهب إلى قطيع الراعية المسلمة الصغيرة فاطمة.

هذه الرموز هي جزء من نسيج مجتمع أثيوبيا، الذي يذكر تاريخ العرب المسلمين أن ملكها الحبشي إبرهة قد آوى الحمزة عم رسول المسلمين ومن تبعوه بعد أن حاصرتهم قريش في مكة.

حانت لحظة عودة إفرام الذي جمع بعرق ودخان الطبخ وغبار الشارع ولهاثه هاربا من عصابات الصبية بضع دراهم يمنحها لسائق الحافلة فيعيده إلى أرض بيت أمه. يذهب إلى فاطمة ويطلب منها أن يأخذ حَمَله ليرافقه في رحلته، فتبدي قبولها ويحاول أن يسحب الحمل بالحبل حول عنقه، فيرفض الأخير مصمما أن يبقى مع القطيع، ويعتلي إفرام تلة قريبة ساحلاً الحمل وراءه، محاولا إجباره على مرافقته. تنصحه فاطمة بهدوء وحكمة أن يدع الحَمل لشأنه، فقد وجد في قطيع الراعية وطناً له ويريد أن يبقى معهم. أين لهذا أن يقنع إفرام، واوشي هو كل وطنه الباقي من رائحة أمه الراحلة.  

في النهاية يدرك عدم جدوى محاولاته، فيفلت الحمل ويجلس ساكتا وهو يراه يركض ليلحق بقطيع فاطمة ويتوارى الجمع خلف القمة.

دموع إفرام تغمر وجهه، إذ لم يعد له أحد يحبه، ورغم أنه فدى الحمل بكل ما يملك ، إلا أن اوشي وجد قطيعاً يضمه، وصدراً يأويه فرحل جاحداً شفقة وعشق إفرام.

يسير الصبي إلى سوق القرية، فيجد حافلة واقفة والمسافرين يصعدون إليها، يسأل السائق أن يأخذه إلى بيته، فيقول له الرجل ببرود أن الحافلة لم تعد تسافر الى ذلك المكان القفر. ويعود إفرام يائسا يجر أذيال الخيبة، ولا شيء عنده سوى بضع دراهم لا جدوى منها تدفئ جيبه.

ينتهي الفيلم بمشهد عودة إفرام إلى بيت سليمان، وهو يحمل كل ما لذ وطاب، فخذ من اللحمة، وخضروات وحبوب وطحين وفاكهة . يعود فيقول لسليمان إنه باع الحمل وجاء للبيت الذي آواه يروم فك دينه. ويشرع في الطبخ  (الذي طالما نهاه عنه سليمان باعتباره من أعمال النساء) ، فتكون وليمة فاخرة يدعى لها كل أهل القرية والجيران والأقارب، ويشيد الجميع بحسن طبخ إفرام ولذة الطعام وجودة اللحمة.

ولأنها أفريقيا السمراء، يشبع الجمع فيطرب الحضور، وتدق الأكف والأقدام في رقصة تضم حتى الجدة المصابة بالروماتيزم. الفرح يغير كلّ شيء. يخرج إفرام إلى الهضبة القريبة فتبدأ السماء تنث مطرا خفيفا، وهكذا يتذكر وعد أبيه بالعودة لاصطحابه مع عودة المطر، ناسياً ما قالته سيون ولم يفهمه قط “بأن التغير المناخي سيحجب المطر عن هذه الأرض، وعلى الجميع الرحيل”.

مخرج الفيلم وكاتب السيناريو والقصة ياريد سليكه، وإفرام الذي أدى دوره الصغير إمره، وسيون التي ادت دورها راحيل تيسهوما حضروا جميعاً العرض الأول للفيلم في كان، ولبسوا أحلى الثياب فنسى الناس أنهم أبطال قصة اثيوبيا الحزينة، رغم أنّ اناقتهم قد تكون ابنة لحظة عابرة واحدة.

نسي إفرام سؤاله الوجودي الذي وضعه إزاء أبيه الواعد بالعودة غب المطر: ” وماذا إن لم تمطر؟”، فقد أمطرت السماء وعلى الأب أن يفي بوعده.

بون- ألمانيا

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

ليل البنفسج بنكهة الشباب ورنين الموسيقى

ليل البنفسج بنكهة الشباب ورنين الموسيقى

عرفت بيوت بغداد والمدن العراقية البنفسج في نهاية ستينيات القرن الماضي، وكان يسمى محلياً ملكة الليل، والليلك الليلي، و "شبوي ليلي" وهو اسم زهرة مأخوذ من الفارسية ومضاف اليه تعريف عربي، "شب بو" بالفارسية تعني ضوع الليل أو عطر الليل، وهو اسم وردة بيضاء وبنفسجية وليلكية...

قراءة المزيد
الجنس وعلاقته بديانات التوحيد

الجنس وعلاقته بديانات التوحيد

الإسلام أكثر أديان التوحيد تحرراً في قضايا الجنس! تقاربُ الاديان موضوعة الجنس من زاوية أخلاقية محضة، مفارقة بذلك حقيقة مفادها أنّ الجنس صناعة الحياة، أو محاولة تقليدها في التجارب الأحادية- الاستمناء دون شريك- والمثلية- رجل لرجل- امرأة لامرأة. وربما كان رجال الدين عبر...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *