تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

أوغوست ماكه رسام ألماني رحل مبكراً

نوفمبر 27, 2022 | 0 تعليقات

تشي لوحات أوغوست ماكه بانطباعية واضحة، وهي بذلك تعبيرية متأخرة زحفت على أعمال الرسام الألماني الذي أسس مدرسة انطباعية أطلق ورفاقه عليها وصف “تعبيريو راينلاند”، وحتى حين لا يرشح عن أعماله نَفَس انطباعي، فإنّ ماكه يحافظ على نظافة ألوانه ووضوح موضوعاته. هو رسام نجح في أن يحتفظ بثيمات كلاسيكية في عصر التجريب.

في مدينة بون غرب ألمانيا مفخرتان خالدتان، الأولى هي عملاق الموسيقى بيتهوفن، والثانية هي أهم رسام ألماني في القرن العشرين أوغوست ماكه…والمدينة تفخر بعد ذلك بأنها ظلت لأكثر من 3 عقود عاصمة ألمانيا الغربية حتى إعادة الوحدة الألمانية في عام 1990.

عمر أوغوست ماكه الفني هو ثمانية أعوام فحسب، فقد قضت عليه الحرب العالمية الأولى، وباعدته عن فنه وعن حبيبته الصبية اليافعة إليزابيت سنوات خدمة الاحتياط…فقد كان عريفاً في كتيبة مشاة بجيش الإمبراطورية، وكلما تحرك شيء في القصر أو في كواليس المصالح السياسية المتشابكة، أو على تخوم حدود الإمبراطورية، أستدعي ماكه وأقرانه للخدمة. خلال ثماني سنوات أنتج ماكه 600 لوحة زيتيه على الكانفاس والخشب، كما أنتج نحو 9000 تخطيط “سكيتش”، وليس بوسع المرء إلا أن يتساءل: ماذا لو عاش ماكه عمراً أطول؟ مجمل اعماله تعد إضافة إبداعية للفن التعبيري Expressionism.

طبقاً لوصف الموسوعة البريطانية المحدّث في 22 أيلول/ سبتمبر 2022، والذي يمكن اعتباره أحدث ما كتب عن الفنان الألماني، فإن أوغوست ماكه ولد في الثالث من كانون الثاني/ يناير 1887 في ألمانيا، ويعد ماكه رائد حركة “الفارس الأزرق” التعبيرية.

اكتشف ماكه أعمال الأنطباعي الفرنسي هنري ماتيس خلال زيارة لباريس عام 1909، وألهمته هذه المعرفة استخدام الألوان البراقة، الأقل اتصالا بالألوان الطبيعية من خلال ضربات عريضة للفرشاة. وما لبث أن التقى بميونخ في نفس العام بفرانتز مارك، وشرع الاثنان يعملان معاً باتجاه تطوير أسلوب أكثر تجريداً وبألوان أشد بريقاً وبهجة. وفي عام 1911 انضم ماكه لحركة الفارس الأزرق التي أسسها فرانتز مارك وفاسيلي كاندنيسكي. وفي لوحته المعروفة ” Three Girls in a Barque ” التي انجزها عام 1911 زاوج ماكه بين الأساليب التي اكتشفها آنذاك، وقدّم الشخوص بألوان بلا عمق وبخطوط رشيقة مستلهمة من خطوط ماتيس، فيما بقيت الخلفية متموجة مجردة، تنتابها بقع لونية تحاكي بقع كاندنسكي. في هذه اللوحة ولوحات أخرى سعى ماكه للمزج بين تقاليد الفن الفرنسي المعاصر (آنذاك) وبين المشاعر القوية التي تطغى على فن الرسم في ألمانيا.

زوجة ماكه بريشته

في عام 1912 التقى ماكه بالرسام الفرنسي روبرت ديلاوناي، الذي تبنى أسلوب الرسم المتأثر بالرسم الكوبي المعروف ب Orphism. وتلا ذلك أنّ ماكه عرض من خلال لوحاته تحليلاً للشكل “form ” بالطريقة الكوبية. ومن خلال تطور أسلوبه، حافظ ماكه على ولائه للتكوين الانطباعي للموضوعة، بتخطيطه مشاهد معاصرة لاسترخاء الحياة في العالم المدني المتحضّر.

في عام 1914 سافر ماكه مع الفنان السويسري باول كلي إلى تونس، حيث رسم ماكه سلسلة من اللوحات التي تقدّم الموضوعة على تدرجات اللون النقية. اهتم ماكه بحركات اللون في تلكم اللوحات التي ما برحت تحظى بأوسع تقدير، والتي تعكس تأثيرات ديلاوني الاورفية الكوبية عليه. ويعد ماكه تعريفاً صادقاً عن ذلك النوع النادر من الفنانين الذين باركوا الفن العالمي بحضورهم، لكنهم غادروا منبره سريعاً للأسف. وحسب موقع مشاهير الرسامين فإنّ ماكه يعد من أعظم الرسامين الألمان في القرن العشرين، وقد حقق تقصيه الدقيق والبسيط لتفاصيل الحياة اليومية المنزلية إضافة هامة للمدرسة التعبيرية.

في سن الثالثة عشرة، التقى ماكه بإليزابيث التي عشقها وتزوجها، فكان لتشجيعها ودعمها المالي له أعظم الأثر في تمكينه من الوقوف على قدميه على أرض عالم الفن.

تأثر أوغوست ماكه بتوجات والده الفنية، رغم أن الأب لم يصبح قط اسماً في عالم الرسم، وترك اهتمام الوالد أثراً في نفس الابن، وكان سبباً في توجهه بالعناية الى الرسم الياباني ومطبوعاته التي كانت تتداول في أوروبا آنذاك. وهنا يجب أن لا يغيب عن الأذهان، أن اليابان قبل مغامرتها المروعة في الحرب العالمية الثانية، كانت تؤسس لنفوذ فكري قوي في أوروبا، وتركت ثقافاتها آثارا ملموسة في فنون العمارة والديكور وطباعة الأقشمة والرسم والنحت وصناعة الأقنعة بأوروبا. وممن تأثر بهم ماكه كان الفنان آرنولد بوكلن، وخلال سنوات دراسته الجامعية، انشغل ماكه في العمل بتصاميم وأزياء مسرح دوسلدورف، وكان هذا العمل يحقق له موردا مالياً مكنّه من الوقوف على قدميه. وتمكن ماكه بتلكم الموارد من الترحال إلى إيطاليا وهولندا وبلجيكا وباريس حيث زار معارضها الفنية ومتاحفها والتقى بفنانيها، وتعرّف على الفن الكوبي فيها.

وطالما اعتبر ماكه الفن رسالة ينقلها الفنان للعالم عبر أغنية أو قصة جميلة تعتني باظهار الملامح الجميلة للاشياء. وانعكست رحلاته الكثيرة على لوحاته، فصارت ألوانها تتوهج مظهرة ملامح شرقية وغربية ولاتينية. وامتاز أسلوبه بصفاء الألوان ووضوح الخطوط، وخلال 3 أعوام فحسب أنتج ماكه كمّاً هائلاً من اللوحات والتخطيطات أهله أن يحتل موقعاً بارزاً في أعلى خارطة الفن الأوروبي في القرن العشرين، كما تحرص المصادر الألمانية على التأكيد.

في سن الثالثة عشرة، عادت عائلة ماكه لتستقر بمدينة بون غرب ألمانيا، حيث التحق بالمدرسة الثانوية، وشرع صداقة ستصبح قرابة دم عميقة مع فالتر غيرهارد، ثم مع شقيقته إليزابيث، التي سوف تصبح بعد أعوام قرينته. وأمضى ماكه معظم حياته بمدينة بون، حيث تكاملت صنعته، واتقن فن الرسم معززاً تلك المهارة برحلة الى بحيرة تون في سويسرا، وبلغ اوج مشروعه الفني إبان زيارته لباريس عام 1908، حيث احتك بعالم الرسامين، وتعرف على أعمال الكبار من أمثال باول سيزان، وروبرت ديلانوي. ثم عاد إلى المانيا حيث قضى بضعة أشهر في برلين دارساً تحت اشراف لوفيس كورينت، وفي عام 1909، تزوج حبيبته إليزابيث، وأنجز لوحته المعروفة “زوجة الفنان بقبعة زرقاء”. وفي المعارض التي نظمتها حركة “الفارس الأزرق” التعبيرية، ظهرت لوحات وتخطيطات عدة للرسام ماكه، واشتهر من بينها “بيت Tegernsee”، و” Tegernsee” وكلاهما انجزتا عام 1910. ولا بد من التنبيه إلى أنّ هذه الحركة ضمّت فيمن ضمت أسماء لامعة في سماء الفن، منها بيكاسو، براك، وفاسيلي كاندنسكي Wassily Kandinsky.

في لوحاته رسم ماكه اشخاصاً بملابس أنيقة يرين عليهم السلام والهدوء في محيط اجتماعي متحضّر، تحف بهم الجنائن والمعارض الجميلة والحدائق النباتية وضفاف الأنهار المرتبة النظيفة ومخازن المدن وهي تعرض بضاعتها، علاوة على مسارح الباليه وباحات السيرك. مقارنة بالأعمال التعبيرية في مجموعة الفارس الأزرق فإنّ لوحات ماكه لم تكن قد رسمت بعجالة، ولا يسودها توتر المشاعر بل أنها في الغالب تعبر عن حوارات هادئة تجري بين الناس، أو تنقل مشاهد لناس يجلسون بهدوء إلى بعضهم وهم يتأملون البراري والحقول، أو يتجولون بينها أو يتأملون واجهات المحلات في المدن الأوروبية. ولذا فإنّ حديقة حيوانات كولونيا طالما استهوت أوغوست ماكه، فرسم اطفالها وزوارها وهم يتنقلون بين طيور الفلامنغو وبين الغزلان والطيور وسائر مظاهر الحياة الطبيعية.

في عام 1914، وهي سنة حاسمة في حياته، مضى ماكه قدماً باحثاً عن كل ما هو غريب وملون، فسافر إلى تونس مع باول كلي وصديق سويسري هو لوي مياليه. وحازت أنوار شمال إفريقيا البرّاقة وألوانها البهيجة على كامل اهتمام الرسامين الثلاثة، فأمضوا كل أيام رحلتهم في ذلك القيظ الساخن وهم يرسمون أشجار النخيل، والجبال، والجِمال والمدن والبلدات التي صادفتهم وهي تستحم باللون الأبيض. بورتريهات واشكال التوانسة وملابسهم وتفاصيل حياتهم اليومية شغلت أوغوست ماكه على وجه الخصوص، فرسم رجال الأعمال العرب وهم يبيعون بضائعهم في الأزقة والأسواق، كما رسم حياة الناس على شواطئ المتوسط والواحات، ورسم صور الرجال المسترخين على تختات المقاهي، كما نرى في لوحته “مشهد في حارة” التي رسمها ذلك العام. وخطط ماكه مئات السكيتشات في أقل من أسبوعين، تحولت بعضها إلى لوحات زيتية ميّزت حياته الفنية القصيرة.

اوغست ماكه بورتريه بريشته

بعد بضعة أشهر من تلك الرحلة اندلعت الحرب العالمية الأولى، واستدعي ماكه للخدمة العسكرية في مطلع شهر آب/ أغسطس من ذلك العام، ليُقتل بعد 6 أسابيع من التحاقه وهو في سن السابعة والعشرين. ونعاه كل من أحبوه، وعلى وجه الخصوص صديقه الأقرب فرانتز مارك، الذي لقي نفس مصيره بعد عامين في تلك الحرب المدمرة.

لقي أوغوست ماكه مصرعه في 26 أيلول/ سبتمبر 1914 في جبهة Perthes-les-Hurlus بفرنسا، وهو نفس العام الذي انجز فيه لوحته المميزة “مقهى تركي في ميونيخ”.

أهم وأكبر متاحف أوروبا اليوم تعرض أعمال ماكه، علاوة على غاليرهات عدة في انحاء ألمانيا تستضيف لوحاته بشكل مؤقت أو دائم.

بيت عائلة ماكه (بيت والديه الذي ضمه وزوجته وابناءه) بمدينة بون بات اليوم معرضاً يخلّد حياته وأعماله ومن بينها أعمال حفر على الخشب، وقطع من السيراميك، ونقوش وصور على الأنسجة. وبني ملحق للبيت، ليكون متحفاً تعرض فيه أعمال أخرى لماكه ورواد الحركة التعبيرية، وفنانين آخرين عاصروه في ألمانيا.

ملهم الملائكة/ بون – خريف سنة 2022 

جولة في عوالم اوغست ماكه

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

بدائع “الفعّال” في لغة العرب

بدائع “الفعّال” في لغة العرب

الاشتقاق إحدى أهم ميزات اللغة العربية، وعلى وزن "فعّال" يشتق العرب آلاف أسماء الفاعل التي يفيد كثير منها أسماء مهن وصنائع. وفي سورة البروح جاءت الآية "فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" بمعنى أن الرب يفعل كلما يريد، دون أن يعترض عليه أحد، بل فعله هو النافذ، وأمره سارٍ ومطاع،...

قراءة المزيد
طاقة عزمي الصفار الإيجابية

طاقة عزمي الصفار الإيجابية

عامٌ جديد حلّ في ربوع الرافدين، مناطق البلاد الانيقة احتفلت بالمناسبة التي يشتمها الشيوخ والسادة على المنابر، فيما يذهب أولادهم وبناتهم خلسة أو علناً لحضور حفلاتها. لكن بعيداً عن هذا الفرح بثياب راعيه بابا نويل الملتحي الظريف والمكلل بالقلوب الحمراء، وبعيداً عن الحلم،...

قراءة المزيد
مشويات رباب على مفرق درب الأحباب*

مشويات رباب على مفرق درب الأحباب*

رباب قُتل أبوها في حروب العراق التي لا تنتهي، وقُتلت أمها بانفجار عبوة إسلامية ناسفة، وتشرّد وضاع أقاربها الأباعد في أرجاء البلد السنية والشيعية والكردية، وهي لا تملك اليوم إلا أختاً تزوجت وسكنت مدينة خرنابات، وأختاً أخرى ترملت وتعيش بمدينة مندلي مع أبنائها. وعلى مفرق...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.