تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

أنا وصالحة تحت أعلام الحرية

نوفمبر 26, 2020 | 1 تعليق

لا يتذكر ميثم كيف عرف زميله وصديق عمره الأسمر القصير، لكنه يتذكر بوضوح أول يوم جمعهما في المدرسة على الرحلة الأخيرة في الصف الأول بمتوسطة الحرية. أما أنا فأتذكر كيف اجتمعت به في ذلك اليوم، فكلانا معيدان للسنة، ولذا وضعنا المدرس نوري تكساس، أستاذ اللغة الإنكليزية، لنجلس معاً على الرحلة الأخيرة باعتبارنا كسالى، وكي لا نصيب الطلبة بوصمتنا الفاشلة.

قبل أن يبدأ العام الدراسي الجديد، توثقت علاقتي بزائرتي الليلية “صالحة”، وكانت تتسلل كل ليلة إلى غرفتي بعد أن يأوي الجميع إلى النوم، لتقف منتصبة بكامل رشاقتها عارية أمامي، وترقص لي حتى أخلد إلى النوم. تلكم الرقصات كانت مساحة بين الحلم واليقظة تهتزّ فيها روحي في مدخل سنوات المراهقة العطشى حيث كل شيء يرتبط في وعي الانسان باكتشاف الجسد وحاجاته النارية، وباكتشاف الوسائل التي تصنع الحياة.

في تلك الليلة، رقصت صالحة متلبسة جسد راكيل والش الرشيق الشهي العاري. راكيل كانت نجمة سينما صاعدة صورتها دائمة الظهور على أغلفة مجلات الشبكة والموعد اللبنانية، كما كانت أفلامها تغزو صالات سينما النصر والخيام. راكيل كانت الوحيدة التي تكشف ملابسها أكثر مما تخفي من جسدها الساحر، وهكذا كانت ترقص صالحة، فهي عارية دائماً سوى من فستانها الأصفر الأبيض.

هل كانت صالحة أفعى أم أفعوان؟ اطلقوا عليها اسم صالحة باعتبارها أنثى

على كل حال، لا أحد بوسعه أن يوثّق إن كانت صالحة، أفعى مؤنثة، أم أفعوان مذكر، فهي حيّة ربت في البيت من أزمنة غابرة، وطالما قالت لي أمي إنها كانت تسكن قبو “نه نه علي” وتلتف في ظهاري الصيف على جرة مائها المنتصبة دائماً قرب فراشها في السرداب. ولم أفهم حتى الآن من تكون “نه نه علي” بالنسبة لي، لكني أرى اثارها فيما حولي، واسمع قصصاً عنها. ومن المفارقات، أن غرفتي الطويلة العجيبة، تستقر فوق ما كان سرداباً تسكنه العجوز التي لم أرها. ثم ردم ذاك السرداب، وشيدت فوقه أرضية غرفتي لتصبح جزءاً من حوش البيت الفسيح، وبعد سنوات متطاولة شيدت غرفتي لتحتل تلك المساحة.

حين تسللت الحية، التي يدعوها الجميع “صالحة”، أول مرة إلى غرفتي، كنتُ راقداً شبه عارٍ على فراشي، وأنا اتصفح بضع مجلات ذات ظهيرة ساخنة، وقد جمدتُ خوفاً حين رأيتها عن كثب بجلدها الأنيق بلونه الأصفر المبيّض، وهي مستلقية في زاوية الغرفة تحت نافذة عليّة الكتب المجاورة لغرفتي. تحركت من رقدتي، فجلست في سريري متحفزاً للقفز باتجاه باب الحجرة للفرار، لكنّ صالحة رفعت رأسها من رقدتها ووجهت نحوي نظرة فاحصة متأنية دون أن تخرج لسانها. وتذكرت كل الحكايا التي رواها أهل البيت عن صالحة وصداقتها للجميع، فهدأت هواجسي بعض الشيء، وتحول خوفي إلى فضول لمعرفة رد فعلها على التعرّف بي، فمكثت رافعة رأسها تتأملني، ثم عادت ترقد في زاوية الجدار، فنهضت بهدوء من سريري، واقتربت بحذر منها متفحصاً هذا الكائن الساحر الجميل الغامض. تقلص جسدها وأنا أقترب منه، لكنها لم تبد أي حركة، فتوقفت على بعد نحو نصف متر منها، ومكثت أتأمل جمالها الأخّاذ. ثم خطر لي أن استضيفها، فغادرت غرفتي بهدوء، وجئت من المطبخ بصحن فيه ماء بارد، وقطع لحم صغيرة من كباية شام مقلية فللتها وجئت بحشوتها فوق صحن شفيف صغير. اقتربت بحذر من رأسها، فرفعته متحفزة وهي تنظر لي بإمعان، فوضعت الصحنين أمامها، وانسحبت بهدوء إلى سريري لأجلس مرة أخرى فوقه وأرقب هذا الكائن السحري.

بقيت رافعت رأسها وهي تنظر إلى الصحنين، وتلتفت باتجاهي، ثم انسابت متقدمة نحوهما، وبدأت تشرب الماء بهدوء، ثم عدلت وضعها، وباتت تأكل اللحم من الصحن الآخر. وهكذا قامت بيني وبينها صداقة وثيقة، حتى بات أهل البيت يتحدثون عن غرفة الأفعى في إشارة إلى حجرتي، ولم يعد أحد يجرؤ على زيارتها بغيابي وهذا ما أجبرني على أن اتولى تنظيف الحجرة بنفسي، ثم خطر لي أن آتي لصالحة بتُنكة “جرة” ماء قديمة، لتكون لها مستقراً، وفعلا جئت لها من بيت ميثم بجرة أنيقة، يؤطر خوص النخيل ذراعيها، فيما صُبغ قاعها بلون تركواز. ملأتها بالماء ثم وضعتها في زاوية الغرفة المقابلة للزاوية التي يمتد من عندها سريري، بحيث يواجه كلانا باب الحجرة. بعد أيام صارت صالحة تقضي أيامها ملتفة على الجرة الباردة، ولم تعد تغادر الغرفة إلا نادراً. ومن هذا التاريخ، بدأت هداياها الراقصة لي، كل ليلة تتوسط الحجرة، وتبدأ في الرقص وقد تلبست جسد إحدى الإناث اللواتي كنت أشاهدهن في السينما والتلفاز والمجلات. وكأنها تقرأ أمنياتي فتتجسد في إحداهن لأقضي ليلتي مستمتعاً برقصات صالحة المثيرة.

وابتدأ عامي الدراسي الثاني في الصف الأول متوسط، ولم أكن خجلاً من إعادة العام الدراسي في نفس الصف لأنّ أمي نقلتني إلى متوسطة الحرية في الكرادة الشرقية وكانت تشغل بناية بيتٍ متعدد الغرف، متعدد السراديب، متعدد السطوح والساحات والممرات، يرتكن شارع مشفى الراهبات من جهة أبي نؤاس، مطلاً بكل فخر على نهر دجلة، وحظي المدير بغرفة أنيقة فسيحة بواجهة البيت الكبير تطل على النهر، فبات مدير متوسطة محظوظ مدلل.

علم الجمهورية الأولى في العراق. بتغير الأنظمة تتغير أعلام هذا البلد

الكل يرددون أن البيت كان مركز شرطة، ويبدو أنّ هذا صحيح، فقد بات مركز شرطة بعد الواقعة الرهيبة التي حلت بأهله، وعرفت فيما بعد تفاصيل ذلك اليوم الدامي من قصة روتها لي خالتي، فالبيت في الأصل يعود لثري يهودي عراقي اسمه شفيق عدس، أعدم شنقاً بتهم ملفقة عام 1948، بعد أن هاجر من هذا البيت إلى البصرة حيث بات من كبار تجارها، وكان وكيل لشركة فورد للسيارات ومقرها على شاطئ العشار، وكان شريكه في التجارة الثري المعروف ناجي الخضري. وطالما أثارت تلك الحكاية فيّ الفضول، لاسيما أن أحد بيوت ناجي الخضيري يواجه بيتنا الكبير في شارع أبي قلام، لكني لم أستطع التأكد من القصة، لأنّ بيت الخضيري الذين يفصله عن بيتنا 30 متراً وجاهاً، لم يكن عندهم صبي في مثل عمري، يمكن أن اتقرب منه لأعرف سر الحكاية. وهكذا بقيت أحلم بالتاجر اليهودي عدس وهو معلّق في البصرة وبيته ينهبه الناس في الكرادة الشرقية ببغداد فيما عُرف بالفرهود بحق يهود العراق في ذلك العام.

والحقيقة أن متوسطة الحرية، بقيت بالنسبة لي حتى اليوم لغزاً محاطاً بالغموض، فهي واحدة من سلسة مبانٍ ثقافية متجاورة احتلت تلك المنطقة في الكرادة، إذ تلاصقها من جهة أبي نؤاس بناية عليها يافطة بعنوان “مدارس الإمام الجواد” لكني لم أرها مفتوحة قط، وطالما حيرتني نوافذها الزرقاء المغلقة الواطئة المطلة على الشارع، وطالما سمعت من أصدقائي في المنطقة، أنّ صاحب هذه المدارس هو ثري عراقي من أصل إيراني، لكني لم أعرف قط من هو.

والتصق بمبنى مدارس الإمام الجواد الغامضة، بامتداد كورنيش الكرادة الأنيق، مبنى المركز الثقافي الفرنسي، الذي كان ينشط مساء حيث لا نكون في مدرستنا. وهو مبنى استأجرته السفارة الفرنسية من عائلة مسيحية سكنت المنطقة منذ سنوات طويلة، ثم هاجرت العائلة إلى أمريكا، وعاشت من قيمة إيجار البيت الأنيق الباذخ، كما كان أصدقائي في المنطقة يتهامسون في المغارب التي تجمعنا على نواصي الطرق ونحن نتسامر بأسرار الكرادة الغامضة، حتى نتفرق ذاهبين إلى بيوتنا.

وما أن بدأ العام حتى تطوعت، ضمن عدة متطوعين آخرين، لإدارة حانوت المدرسة الطلابي، وهي وظيفة تدور على المتطوعين بحيث يتفرغ كل منهم مرة في كل شهر لإدارة الحانوت يومأً كاملاً. وهذا يعني أنه سيكون يوماً مدرسياً خالياً من الدروس. وفي المرة الأولى التي شملتني فيها تكاليف هذه الوظيفة، تحتم عليّ أن أعد سندويتشات العنبة، واصفّها في علبة كارتون، كما تحتم عليّ أن أضع قناني سينالكو الألماني بلونيه الأصفر والبرتقالي في حوض معدني كبير، وأكسر قالبي الثلج فوقهما لتبردهما، ثم أوزع قطع الكيك المدورة الصغيرة على صناديق البيع فوق منضدة مواجهة لنافذة الحانوت، كما توجب عليّ أن أحصي عدد المماحي والمقطات والأقلام المصفوفة في علب على منضدة البيع لأعرف كم سأبيع منها. كل هذه الاستعدادات تتم حتى حلول فرصة الدرس الثاني حيث نفتح ساعة البيع.

قرب نهاية ذلك اليوم المزدحم بالعمل، وبعد أن سلمت حساب وأرباح الحانوت إلى معاون المدرسة، اكتشفت نافذة زرقاء في قبو مدارس الإمام الجواد الملاصقة لنا، تواجه نافذة الحانوت الواقع في قبو مدرستنا. واستطعت أن افتح ظلفة النافذة بسهولة، لأدلف إلى قبوٍ مليء بأشياء مدرسية، كتب دينية لا تشبه كتبنا، مصفوفة في رزم كبيرة مغلفة، دفاتر تحمل صور مرجعيات دينية غامضة طالما سمعت بها، نسخ كثير من قرائين بحجوم متباينة، عشرات الأعلام المنوعة المختلفة، ومعها بيارق حسينية ملونة كثيرة، وقدور جديدة كبيرة لطبخ عاشوراء. استغرقت نحو نصف ساعة وأنا أتجول في ذلك المخزن العجيب، ثم سمعت حارس المدرسة يجمع مضارب كرة المنضدة وكرات السلة وكرات الطائرة وشبكتها، ويكنس الساحة كي يقفل باب المدرسة، فغادرت القبو العجيب مسرعاً بعد أن واربت النافذة الزرقاء بحيث تبدو مغلقة ثم خرجت من المدرسة بعد أن ودعته.

في اليوم التالي رويت لميثم قصة اكتشافي الهام، واتفقت معه أن نكرر زيارة القبو العجيب معاً لنكتشف العالم السحري الغريب. وعند نهاية اليوم الدراسي، تسللنا إلى القبو من ظلفة النافذة المواربة، وبقينا نستكشف تلك المخزونات الثمينة ونحن نبحث عن معدات رياضية قد يمكننا “استعارتها” ثم اعادتها لاحقاً إن سنحت الظروف!

ولم نجد ضالتنا الرياضية، لكنّ أعلام الدولة العراقية استوقفتنا، فقد عثرنا على أعلام العهد الملكي، ومنها علم الاتحاد الهاشمي القديم بألوانه الأفقية، من الأعلى الأسود فالأبيض فالأخضر، وبزاويته اليسرى مثلث أحمر مبتور الزاوية وتشغله نجمتان ثمانيتان بيضاوان تمثلان المملكة العراقية والمملكة الأردنية الهاشميتان. ثم عثرنا على علم ملكي آخر يحمل نفس الألوان، لكنه يخلو من النجمتين البيضاويتين، ثم وجدنا كثيراً من أعلام الجمهورية، وهو علم الزعيم الذي كان يزين كتبنا ودفاترنا المدرسية في المرحلة الابتدائية، بألوانه العمودية الثلاث من اليمين الأخضر، ثم الأبيض ثم الأسود، وتتوسط العمود الأبيض شمس ثمانية متعددة الألوان وفي وسطها كتب “الجمهورية العراقية 14 تموز 1958“. ثم عثرنا على نسخ كثيرة من العلم الجديد، بألوانه الأفقية من أعلى اليمين، الأحمر، ثم الأبيض في الوسط، ثم الأسود في الأسفل، وتشغل مساحة الوسط الأبيض 3 نجمات ترمز للوحدة المنتظرة بين العراق ومصر وسوريا. بعض تلك الأعلام كانت صغيرة ترتبط بعيدان خشبية صغيرة، وبعضها كبيرة جداً مزركشة الحافات وتحملها ساريات معدنية مذهبة أنيقة. وقررنا أن نستعير 4 اعلام صغيرة بعيدانها، واخترناها منوعة من مختلف الأزمنة. ثم غادرنا بغنيمتنا، وأغلقنا النافذة، وربطها ميثم بقطعة سلك كهربائي أخفاه بعناية، بحيث يبدو الشباك مغلقاً من داخله.

عصر يوم الخميس الذي تلا واقعة الأعلام، نزلنا أنا وميثم على دراجتينا الهوائيتين إلى حافة دجلة الرملية وقد علقنا الأعلام على مقودي الدراجتين، فباتت تخفق مرفرفة ونحن نسابق ريح الشاطئ المحملة برائحة الماء والرمل والسمك. وصلنا إلى مساحة مائية تقطع الشاطئ الرملي، فارتحنا جالسين على إحدى حافاتها اليابسة، وكانت يخوت وقوارب الصيادين، تمخر النهر تباعاً أمامنا، فانتزعنا الأعلام وصرنا نلوح بها بقوة لركّاب اليخوت، وهم يغنون ويرقصون احتفالاً بالخريف الذي جاء بالبرد لبغداد ودجلة، فردوا علينا التحايا ملوحين بأكفهم. ثم انصرفنا إلى لعبتنا المفضّلة، وهي رمي الحصى ليتزلق على الماء، وكنّا نحصي من يستطيع أن يحقق أكبر قفزات بحصاته المنزلقة فوق الماء، وتطور الأمر إلى رمي الحصى لينزلق على مساحات الغرين الزلقة المغرية.

الغرين هو أول الطين الذي يخلفه الماء بعد انسحابه عن ضفاف النهر

حين أفَلت شمس ذاك الأصيل إلى الغروب، افترقنا، فالتقطتُ من الشاطئ قطعة غرين شبه مستطيلة رقيقة وملساء وجميلة كأنها لوح شوكولاتة أنيق سميك يعبق بعطر رمل الشواطئ الذي لا يشبهه عطر، ثم وضعتها في كيس ورقي جرفته الريح وعلق بنباتات الضفة، وعقدت الرزمة بأحد الأعلام الأربعة، حيث ترك ميثم أعلامه معي خوفاً من أبيه، وربطتها على سيبايه دراجتي. كانت هذه هدية صالحة لتؤنسها وهي ترقص في غرفتي هذه الليلة. صالحة تعشق السطوح الملساء الباردة في الصيف.

في البيب أخبرني خالي أن رفع العلم السابق الملغي جريمة يعاقب عليها القانون، فكيف وأنا ارفع أعلام العصر الملكي الذي غيرته الثورة إلى جمهورية! وبعد أن استوضح مني حول كيفية حصولي على تلكم الاعلام (والذي اجبت عنه بكذبة مصنوعة بسرعة الحاجة) حذرني من مغبة هذا، تحت طائلة عقوبات متوقعة مخيفة قد تصل إلى الإعدام! وهكذا جمعت الأعلام الملونة، وجئت بها إلى غرفتي لأرفعها فوق جرة صالحة، وباتت زاويتها تزينها أعلام صغيرة تعود لعصور الدولة العراقية المتحاربة.

بعد أن هدأ البيت، وهجع أهله الى أسرتهم، أويت إلى غرفتي، وشغلت الراديو الترانزستر الروسي الثقيل الكبير على محطة “صوت أمريكا” كما أفعل كل ليلة، وبقيت في سريري اتصفح مجلات لبنانية ومصرية. حتى أطفأ أحد سكان البيت ضوء الحوش الداخلي فعمّه الظلام، وبات الضوء المتسرب من غرفتي الصغيرة الطويلة هو الوحيد المتقد في البيت.

وكما في كل ليلة، انزلقت صالحة، هادئة ناعمة ملساء متألقة متأنقة بثوبها اللماع بلونية الأصفر والحليبي من مرقدها الدائم حول الجرة إلى وسط الغرفة وشرعت تؤدي رقصة جديدة لا تشبه رقصاتها السابقة، وسحرتني حركاتها لدرجة شعرت فيها أن الحجرة تشاركها تلك الرقصة الغامضة، أهي فرحانة بالإعلام الحائرة التي علقتها فوق جرتها؟

وعلى كل حال لم تكن غرفتي حجرة طبيعية، فمساحتها متران ونصف عرضاً فيما يبلغ طولها 5 أو 6 أمتار، ما يجعل شكلها مضحكاً. جدارها الأيمن يتوسطه شباك كبير بقي من عصر اطلالة العلية على حوش البيت الفسيح، يطل على حجرة أخرى، صغيرة يصعد لها المرء عبر حجرة الطعام، المرتبطة بحجرة الاستقبال. جدران هذه الحجرة الصغيرة هي عبارة عن رفوف مزدحمة بمجلات، المصور والاثنين وصحف الاخبار والأهالي وعشرات الكتب والكتيبات بلغات عدة. وبين هذا الركام من الورق، كانت تنام خادمة البيت الإيرانية الراحلة “نه نه إسماعيل” وما زال سريرها يتوسط الغرفة العجيبة.

أما الجدار الأيسر لحجرتي فيتكئ على جدار غرفة كبيرة من البناء الجديد. وظهر الغرفة جدار يبلغ سمكه نحو متر، مصنوع من الأجر الطيني، المطعم بأعمدة خشبية، والمبيض بالنورة المصفرة، وهو الجدار الذي يفصل البيت عن بيت الجيران. باب الغرفة خشبي أخضر، فوقه شباك معدني مطلي بالأخضر لا تفتح ظلفتاه قط.

في الحقيقة كانت غرفتي هي الرابط بين البيت القديم والبيت الجديد. ويتصدر الجزء القديم البيت الكبير بعد الجنينة التي تستهل مدخله، وهذه بحد ذاتها قصة. وقد بني هذا الجزء على مرتفع من الأرض يعلو الجنينة بثلاث درجات. ويحتوي على 4 حجرات، اثنتان على اليمين والأخريان على اليسار، ويمر بينهما مجاز فسيح يتجاوز عرضة 4 أمتار. كل الغرف والمجاز مشيدة بسقف من الآجر يتخلله الشيلمان (وهو تعريب لأسم شركة بريطانية Shellman كانت تورّد أعمدة البناء المعروفة بهذا الاسم إلى العراق). في هذا الجزء يسكن جدي، وتقابل غرفته غرفة ضيوف كبيرة.

بعد هذا الجزء القديم من البيت، بُنيت في حوش البيت الخلفي وعلى مراحل زمنية متفاوتة غرف متعددة، بلغ مجموعها 4 حجر كبيرة، ومطبخ ومخزن مؤونة وحمام ملحق به منزع، ومرحاض، وقن دجاج في جنينة خلفية بعيدة لا يشغلها سوى شجرة توت عملاقة، وشجرة زيتون متوارية في قن الدجاج. بين المجموعتين بنيت غرفتي المستطيلة التي أضحت مأوى الأفعى واعلام العراق، وأصبحت رابطَ وصلٍ بين البيت العتيق والبيت الأحدث منه.

لم تعد الحية صالحة إلى غرفتي مذ عرفتُ صديقة أخرى

ثم عاودتُ مع ميثم الغارة على مخزن مدارس الإمام الجواد، وجئت هذه المرة ببيارق حسينية كبيرة ذات صولجانات تتوجها أكف العباس، علاوة على رايات عراقية شُدت إلى سارياتٍ نحاسية وتتوجها تيجان المملكة الهاشمية. ونشرت كل البيارق والرايات والأعلام على جدران غرفتي، كما رفعت بعضها فوق جرة صالحة، فبات مكانها كأنه صحن امبراطوري فخيم.

وحين حلّ الشتاء، اختفت صالحة ذاهبة إلى سباتها الطويل، ولم تعد غرفتي مسرحاً لرقصاتها المؤنثة المثيرة. وفي عيد الميلاد في شتاء ذلك العام، عرفت الأرمنية الجميلة آنا، والتي كانت بعمري، وانعقدت بيننا صداقة اقتصرت على الوقوف معاً في باحة العمارة التي تسكنها عائلتها ونحن متواريين عن الأعين. ولم ترض آنا أن تخرج معي، وقد بلغتُ الرابعة عشرة من العمر، حتى سرقت ذات يوم سيارة أبي وعرضت عليها أن ترافقني في جولة شباطية بمدينة بغداد. وهذا ما كان، ولأني لم أكن سائقاً محنكاً ولأنّ معرفتي بقوانين المرور كانت شبه معدومة، فقد خفت أن أغادر شارع أبي نؤاس المتاخم لبيتينا، وهكذا اقتصرت جولاتنا في تلك المغامرة على الكورنيش الجميل، ولم أجرؤ أن أصل إلى بدايته عند مدخل شارع الرشيد، خوفاً من شرطة المرور، لذا كنت أستدير راجعاً من الفتحة المقابلة لفندق بغداد من جهة الكورنيش، لأصل مع صديقتي حتى نهاية أبي نؤاس المعبدة آنذاك بمدخل الجسر المعلق الجديد في مطلع منطقة الزوية التي تطورت فيما بعد ليصبح اسمها الجادرية.

حلّ الربيع، فاقترب العام الدراسي من نهايته، ودار الحديث عن قرب انتقال مدرستنا إلى مبنى آخر ثم تطوّر الحديث إلى قرار صدر عن وزارة التربية بإلغاء المدرسة بالكامل ونقل الطلبة والمدرسين إلى مدارس أخرى. وحين أنهينا الامتحانات النهائية ارتقينا أنا وميثم إلى الصف الثاني، ثم حُلّت المدرسة ونقلنا إلى مدارس مختلفة وكان هذا الانتقال فراق بيني وبين صديقي ميثم حتى التقينا مرة أخرى بعد سنوات، في ثانوية أخرى بعيدة عن منطقتنا. وبقي مبنى المدرسة خالياً لنحو سنة، ثم رُفعت عليه يافطة كتب عليها “مديرية تربية الرصافة – مخزن المواد المدرسية” ولم نعرف حقيقة ما يحتويه المبنى.

تغيرت المواسم، وحين حلّت العطلة الصيفية، لم تظهر صالحة في حجرتي قط، وبقي صحنها الامبراطوري مهجوراً رغم حرصي على ملأ الجرة بالماء، ووضع صحن طعام وطاسة ماء بارد أغيّر محتواها يومياً حيث اعتادت أن تأكل. يبدو أنّ صالحة هجرتني بسبب دخول آنا في حياتي، وقيل لي أنّ الحية قد تعشق رجلاً، لكنها لا تقبل أن تشاركها أنثى أخرى هذا العشق، وسوف تنتقم من الأنثى المنافسة مهما تقادم الزمن على ثأرها المكنون.

ملهم الملائكة

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

بلاد الرافدين أم النهرين أم العراق؟

بلاد الرافدين أم النهرين أم العراق؟

لماذا اسم بلادنا حائر؟ العراق اسم لا يستطيع أحد توثيق تاريخ ظهوره، بل لا يستطيع أحد أن يجزم بمعناه. وبلاد الرافدين لقب تموزي لحق بالعراق منذ 14 تموز 1958، أما بلاد ما بين النهرين، فهي تسمية غربية من القرون الوسطى وزحفت إلى الخرائط الاستعمارية الحديثة. ما مدى صدقية...

قراءة المزيد
بشائر الممرضة الحزينة

بشائر الممرضة الحزينة

     تلقيت رسالة نصية على موبايلي، كان النص قصيراً ومفعماً باللهفة "رجاء لازم أشوفك، قضية حياتية". وكان عليّ أن أرن على رقم الهاتف الذي جاءت منه الرسالة لأفهم المطلوب. بعد رنتين أجابني صوت نسائي يغلب عليه الهمس، قلت لها إنها قد طلبت مقابلتي،...

قراءة المزيد
العراق…اسم بنكهة الجغرافية والتاريخ

العراق…اسم بنكهة الجغرافية والتاريخ

تأملات بنيوية تاريخية ع أروم الابتداء بحرف العين، وهي عينُ بداية "كتاب العين" أول معجم باللغة العربية وضعه الخليل ابن أحمد الفراهيدي، الذي ولد في البصرة بالعراق ومات فيها حيث عاش زاهدًا تاركاً لملاذ الدنيا، ولا ندري هل كان زاهداً لرغبته في التفرغ للبحث والدرس كما هو...

قراءة المزيد

1 تعليق

  1. ثامر مراد

    كأنني اتجول في ميدان معركة او ساحة مترامية الاطراف مليئة بقنابل عنقودية تكاد ان تنفجر بين لحظة واخرى على روحي التي ذابت مع كل كلمة تنسل من بين مناطق بغداد التي اعشقها بجنون..اي خيالٍ هذا واي رموز صعبة تشير اليها انامل كاتب يكاد ان يفجر قنابل تحيل كل ماطالعته في سنوات الطفولة والصبا والشباب الى اشلاءٍ متناثرة في زمن لم يعد له بقية الا بقايا حسرات تلوك نفسها في الافق البعيد…عاش قلمك….تحياتي. ثامر مراد – بغداد

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.