تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

أنا والأسير بمواجهة علي حسن المجيد!

ديسمبر 18, 2021 | 0 تعليقات

في مدخل قرية عتبة، بوابة جحيم المحمرة، استوقفتنا مجموعة من الرفاق ببدلات زيتوني دون رتب أو شارات عسكرية، مسلحين بالبنادق والمسدسات، يسألون عن وجهتنا. كانت تلك مفارز تعقيب الهاربين، واجبها إعدام كل عسكري منسحب دون محاكمة، وبدأت محنة أخرى.

فتح الباب من جهة السائق رجل في الأربعين بيده بندقية ويرتدي بدلة زيتوني دون رتب، خاطب السائق بخشونة” أبو خليل منين جاي؟”، أشار السائق إلى الخلف حيث أجلس مع الأسير، وقال “من لواء 23 متقدم”.

تجاهل الرجل اشارته وعاد يسأله: وين ورقة العمل، ومن سمح لك بالنزول؟

فقال علي البصري بصوت مسموع: اسأل الضابط الجالس في الخلف؟

تقدم الرجل إلى الخلف، وفتح الباب من جهة الأسير في الخلف، ولم ينتبه له، بل نظر إليّ بتحدٍ، وهو يسألني: من أين أنتم قادمون رفيقي؟

فهمت الإشارة، أنهم الرفاق، فقلت له، من مقر لواء 23 المتقدم في الشلامجة، ومعي أسير ايراني أريد تسليمه إلى الفرقة.

أنتبه لكلماتي ونظر إلى الأسير باحتقار وسأله: ها وين تريد؟ راح نوديك للبصرة…مو جاي تحتل البصرة، خوش راح ترتاح عندنا!

ثم التفت إلي وقال: رفيقي إذا ممكن كتاب الإرسال؟

سلمته كتاب الفوج الثاني المعنون إلى اللواء، وبقيت في مكاني ريثما ذهب إلى مجموعة رفاق واقفين، وكلّمهم ثم سلم أحدهم كتاب الفوج، فنظر أكبرهم باتجاهنا، فعاد الرفيق إلينا وقال لي: رفيقي تفضل عندنا.. الرفيق المسؤول يطلبك.

سألته: من هو المسؤول رجاء، ما هو منصبه؟ وكان قصدي التأكد من عدم حدوث سوء تفاهم، لأنّ المدنيين لا يحق لهم مساءلة العسكريين.

قال: الرفيق من المكتب العسكري.

ترجلت من السيارة، وسرت باتجاه الجوقة المدججة بالسلاح ولا أعرف إن كانوا رجال أمن أم استخبارات، أم مجرمين أم دجالين، فهم لا يحملون رتبة، ولكني قررت مع نفسي أن أؤدي التحية لأكبرهم، ثم أساله لو اتيحت لي الفرصة. وصلت عندهم ، فأديت التحية، فرد عليّ أكبرهم، وكان بيده اليمنى مسدس، وباليسرى سيكارة، رد باليد اليمنى نصف تحية مع مسدس! ثم بادرني بالسؤال: هذا الكتاب مالكم من الفوج الثاني إلى مقر اللواء 23، وأنت تقول أنك تريد أن تذهب بالأسير إلى مقر الفرقة… وين سلسلة المراجع، شلون تذهب من الفوج إلى الفرقة؟

أجبته وقد جف ريقي: عفواً رفيقي…ممكن أسأل منو جنابكم، من يا جهة، من الفرقة أم من الفيلق؟

نظر إليّ منزعجاً، فشعرتُ أن نهايتي قد دنت، وندمتُ لأني سألت، ثم قال بحدة بصوت صدئ لكثرة التدخين: أي حقك، تريد تعرف، أخي نحن المكتب العسكري…هسه شتكول؟

آنذاك لم أكن قد رأيت علي حسن المجيد لا في الحقيقة ولا في صورة ولا في التلفزيون، لكني لحظت أن محدثي يشبه صدام حسين، وقدّرت أنه من اقاربه، ولم أتردد في الإجابة بالقول: في مقر اللواء الجوال ليس عندنا قلم، لذا أنا ذاهب بالأسير إلى مقرنا الخلفي في عتبة، حيث قلم اللواء، ومنهم سآخذ كتاب اللواء، وأذهب بالأسير إلى مقر الفرقة 11، ونحن بأمرتها.

التفت إلى رفيق بقربه، وشوش له شيئاً، واعتقد أنّه أيّد له وجود مقر اللواء في عتبة، فالتفت الرفيق “المسؤول” إليّ، وسلمني الكتاب وهو يقول: خوش، توكل بالله، أذهب في طريقك، وعد بسرعة لإخوانك في خطوط النار…الوطن يحتاجكم.

أخذت الكتاب منه، وأديت التحية، ورجعت إلى السيارة، وركبت وأوعزت إلى السائق بالحركة، ونظرت إلى وجهه فكان شاحباً قد سبح بالعرق، وانتبه إليّ فقال: سيدي هؤلاء جماعة الإعدامات، الله سترنا.

لم أرد عليه، وسارت السيارة بنا بضع مئات من الأمتار بين بيوت القرية والنخيل والقذائف التي تتساقط بلا مناسبة في كل مكان، حتى وصلنا مقر اللواء، فتلقانا في باب المقر المقدم لطيف، وأبدى فرحه بسلامة وصولنا، فأريته الأسير وطلبت منه أرسال الأسير بكتاب إلى الفرقة، وابلغته تأكيد مقدم اللواء بضرورة مرافقة ملازم سعد له.

نظر إليّ بحيرة، ثم قال، ليس عندي سيارة ولا ضابط يرافقه، لم لا توصله أنت؟ مقر الفرقة يبعد 5 كيلومتر عن هنا، انزل به لحظة لنراه، ونعمل الكتاب، وأستريح واشرب شاياً ثم اذهب به بالسلامة، على الأقل سيقولون: لواء 23 جلب أسيراً.

قلت له: كما تشاء، وأخبرت السائق، أن يجلب الأسير إلى مقر اللواء، وذهبت لأجلس في غرفة المقدم لطيف، التي هي غرفة مدير الناحية أو شيء من هذا القبيل. وعاد المقدم بعد أن أوصى بشاي لنا. سألته عن مفارز الإعدام الواقفة في مدخل عتبة ورويت له ما جرى معي، فقال وهو الرفيق المخضرم : إنّه الرفيق علي حسن المجيد.

سألته من يكون علي حسن المجيد، ولم أكن قد سمعت باسمه، فأجاب أنه “ابن عم الريس” عضو مكتب عسكري، ومن حسن حظك لم يغضب منك، فهو يعدم بلا سؤال!

شربت الشاي، وأخذت الأسير والكتاب إلى مقر الفرقة، ، حيث طُلب مني إرساله إلى مكتب الاستخبارات، وهناك تلقاه منتسبو المكتب، ونظموا لي كتاب تأييد الاستلام ووقعه ضابط ركن الثاني استخبارات الفرقة.  

في طريق العودة إلى اللواء، مررت بالجسر المؤدي إلى عتبة، فهالني منظر مرعب دامٍ، ثلاثة جنود، ربطوا أسفل الجسر إلى جذوع النخيل، وتواً انتهى من قتلهم فريق علي حسن المجيد، كان الدم ما زال ينزف طرياً، وجثثهم قد تهدلت مدلاة من جذوع النخل، مثل اكياس لحم بائت! وحول المكان وقفت نسوة وأطفال وشيوخ من ناحية عتبة، وقد لفهم الرعب، وكانت بعض الفتيات والنسوة يبكين بحرقة، ويصرخن خائفات. وانتبهت إلى جندي من حضيرة انضباط لوائنا، يصعد من عندهم، وهو يعيد صمام أمان بندقيته، ما يدل على انتهائه من الرمي تواً، هو أذا واحد من فصائل الإعدام الحزبية سيئة الصيت! إنه عبد ال… وأهله من بغداد، مشروع الوحدة، وقد هرب قبل فترة، وانعقد مجلس تحقيقي للغياب بحقه، كيف بات جلاد الحزب؟

وعرفت فيما بعد أنه قد التقى أحد أبناء منطقته وهو من ضمن الرفاق العاملين في فريق الإعدام، وترجاه أن يسحبوه معهم، ليخلص من جحيم الجبهة واحتمال نقله إلى وحدات اللواء القتالية بعد أنجاز المجلس التحقيقي الخاص بغيابه، وكان له ما أراد، فبات جلاداً.

بقي في ذاكرتي منظر الجنود القتلى الثلاثة المشدودين إلى جذوع النخل، بسلك مخابرة د 10، وهو شديد القوة، يمنع تساقط جثثهم التي ثقّبها الرصاص. كان منظراً يجعل العراقي يعيد النظر في انتمائه لوطنه، إنهم يُعدمون لأنهم هربوا من حرب القادسية وقراراتها الصبيانية الجائرة، إنهم يعدمون لأنهم لم يدافعوا عن الرئيس وعائلته وعشيرته و…وطنه، فهو بالتأكيد ليس وطنهم، فالوطن لا يمنح بنيه رصاصات تحرمهم من حق الحياة، وتُلحق العار بأسرهم. هم حرموا من حق الحياة، لأن لا أحد يجرؤ أن يقول للإمبراطور بملابسه الجديدة التي تصفق لها الجموع الخائبة…أنت عارٍ يا سيادة الإمبراطور*.

لا أحد يقول للرئيس أن جيشنا لا يكفي لمسك آلاف الكيلومترات من الأراضي التي احتلها، ولا يملك أسلحة تليق بحرب بات عمرها 3 سنوات! لا أحد يقول للرئيس، أنها قادسيتك، فاذهب وقاتل بها مع عشيرتك الأقربين، فهذا ليس شأننا!

———————————————————————

*اشارة إلى قصة ملابس الامبراطور الجديدة التي انتشرت من التاريخ الصيني عبر العالم، حيث بقيت حشود الشعب، تتأمل الامبراطور العاري، وهو يتخطى بين الناس، فيما يسير خلفه حاجبان، يرفعان ذيل ثوب وهمي لا يرتديه، ليقنعوا الناس أن الامبراطور يرتدي بذلة فاخرة، لكنهم لا يرونها، والجموع تصفق وتهتف لجمال بدلة الامبراطور الجديدة، حتى خرج طفل من بين الجموع، وصرخ بأعلى صوته: “لكن الإمبراطور لا يلبس شيئا، الإمبراطور عارٍ”!

فتعالت همهمات بين الجماهير، ثم تبعها ضحك صاخب من الجموع، وبدأت السخرية من الامبراطور العاري، فيما خجل حتى الحاجبان اللذان كان يرفعان ذيل الثوب الوهمي، وتركا عملها، وانخرطا مع الجموع وهما يضحكان!

 ملهم الملائكة/ فصل من كتاب حين مشينا للحرب                            

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

طيور النقيب عادل

طيور النقيب عادل

كل شيء في النقيب عادل مختلف عن سياقاته، فهو نقيب مشاة لكنه دائم التفاؤل والابتسام، وضباط المشاة والدروع في الحرب هم الأشد كآبة بسبب خطورة وضعهم، وهو موصلي ولكنه منفتح لروح النكتة بعيدا عن جدية الموصليين وتحفظهم، وبقي الاختلاف عنوانه حتى النهاية. حين زرت موقع سرية...

قراءة المزيد
لقاءات على محاور الرازيت والشالتر!

لقاءات على محاور الرازيت والشالتر!

صباح مشمس في بداية شباط 1983، ما إن استيقظنا بعد غفوة الإنذار الصباحي في قاطع كتيبان مخفر زيد، حتى فاجأتنا سرية دبابات عراقية كاملة، بالانفتاح على يسار موضع لوائنا، وممارسة تمارين الهجوم السيار على العدو، رغم أنها كانت ضمن حدود قطعاتنا! في كل وقت، تمثل الدبابات عدواً...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *