تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

زيارة الأربعين- معجزة تمشي على الأقدام

أغسطس 3, 2026 | 0 تعليقات

كتبت رسل جمال:

في عالمٍ تُقاس فيه الأحداث بالأرقام، تبقى زيارة الأربعين الحدث الوحيد الذي يعجز عن احتوائه رقم، أو تفسيره تحليل، أو الإحاطة به تقرير. فهي ليست مجرد حشود تتجه إلى كربلاء، بل ظاهرة إنسانية وروحية تتجدد كل عام، لتؤكد أن للحب منطقًا لا تفهمه الحسابات، وللعقيدة قوةً تتجاوز كل الموانع.
كل عام تتغير الظروف، لكن الأربعين لا تتغير. تتبدل الحكومات، وتتقلب الأوضاع الاقتصادية، وتتصاعد الأزمات الأمنية، وتضطرب المنطقة بصراعاتها وحروبها، فيما يقف العراق في قلب هذه العواصف مثقلًا بتحدياته الاقتصادية، وضغوطه المعيشية، وأعباء شعبه الذي يكافح من أجل لقمة العيش. ومع ذلك، ما إن يقترب موعد الزيارة حتى يتبدل المشهد بأكمله، وكأن العراق يخلع عن كاهله أثقال الدنيا ليرتدي ثوب الحسين.
المفارقة التي يعجز العقل عن تفسيرها أن البلد الذي يشكو ضيق الحال، يتحول في أيام الأربعين إلى أكبر مائدة للعطاء في العالم. تمتد المواكب والسرادق مئات الكيلومترات، تتنافس لا في جمع المال، بل في إنفاقه، ولا في الأخذ، بل في البذل. الطعام، والشراب، والمبيت، والعلاج، والنقل، وحتى الابتسامة الصادقة، كلها تقدم مجانًا، وكأن الكرم العراقي في هذه الأيام يعلن تمرده على لغة الاقتصاد وحسابات الربح والخسارة.

إنها معجزة اجتماعية قبل أن تكون شعيرة دينية. معجزة يصنعها أناس بسطاء، ربما يعاني كثير منهم ضيقًا في الرزق طوال العام، لكنهم يدخرون ما يستطيعون ليخدموا زائرًا لا يعرفون اسمه، ولا يسألونه عن جنسيته أو مذهبه أو لغته. يكفي أنه “زائر للحسين”، حتى يصبح ضيفًا مكرمًا، وكأن كل بيت عراقي يتحول إلى مضيف، وكل موكب إلى وطن صغير يحتضن العالم.
ولم تكن التهديدات الأمنية يومًا سببًا لتراجع هذه المسيرة. فمنذ سنوات، حاول الإرهاب أن يجعل من الطريق إلى كربلاء طريقًا للخوف، لكنه اكتشف أن الخوف لا يجد مكانًا في قلوبٍ عقدت العزم على السير إلى الحسين. وكلما ارتفعت أصوات التهديد، ارتفعت معها أعداد السائرين، في رسالة صامتة تقول إن العقيدة التي رويت بالدم لا ترهبها لغة السلاح.
وفي الختام وقبل السلام نقول ان الأربعين ليست مناسبة تتكرر، بل ملحمة تتجدد، يكتب العراقيون فيها كل عام فصلًا جديدًا من فصول الكرم والإيثار. إنها المدرسة التي يتعلم فيها العالم أن الشعوب لا تُقاس بما تملك من ثروات، بل بما تملك من قيم، وأن العراق، رغم جراحه وأزماته، ما زال قادرًا على أن يقدم أعظم صورة للتكافل الإنساني، وأن يثبت أن الكرم العراقي، حين يقترن بحب الحسين، يتحول إلى معجزة لا يضاهيها كرم، ولا يشبهها حدث، ولا يستطيع التاريخ إلا أن يقف أمامها بإجلال.

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

العقل العربي بمواجهة الذكاء الاصطناعي

العقل العربي بمواجهة الذكاء الاصطناعي

كتب محمد الربيعي: أنا من المتحمسين لإمكانات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وأثمن بثقة الإنجازات الهائلة التي يحققها في مجالات الطب والهندسة واللوجستيات والإدارة. بل أقر بأن هذه الثورة الرقمية تحمل وعوداً حقيقية بتجاوز العوائق العملية التي طالما أثقلت كاهل التطور...

قراءة المزيد
الطوفان العظيم

الطوفان العظيم

بقلم محمد حسين صبيح كبة   قال الدكتور خزعل الماجدي في لقاء متلفز: "لم يتم ذكر طوفان نوح عليه السلام في البرديات المصرية ولا في الآثار الصينية وربما كذلك ليست في الآثار الرومانية و/أو اليونانية ولا في العديد من آثار العالم بل فقط تم ذكر الأمر في الآثار العراقية...

قراءة المزيد
إيران..حرب النيابة هي الحل

إيران..حرب النيابة هي الحل

كتب ملهم الملائكة: على مسافة عقدين من اعدام صدام حسين، تطفو على سطح المشهد السياسي الدولي والإقليمي مفارقة مذهلة، ففي معاركه مع "الجمهورية الإسلامية" يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متعثراً وقد تراجعت إمكاناته أمام العناد الإيراني، بل يبدو إلى حد كبير مهزوماً في...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *