بقلم محمد حسين صبيح كبة
أثناء مكوثي للدراسة في لندن / إنكلترا رأيت في محل لبيع الصحف والمجلات والكتب مجلة شهرية أسمها “الحاسوب” تصدر بالعربية فاشتريتها وقرأت معظم محتوياتها رغم عدم فهمي لبعض قليل منها. وكأي مجلة انيقة الطباعة، كان فيها صفحة بها كوبون ذو مربع كبير فيه مربعات صغيرة بارقام من الواحد إلى لنقل الـ 30 عدد مقالات المجلة ومواضيعها لكل مقالة أو موضوع رقم معين وفي المقالة المعنية نفس الرقم ومكتوب في أعلى الكوبون أنه إذا ما أراد أي كان معلومات إضافية عن هذه المقالة أو الموضوع فما على القاريء الكريم سوى أن يضع دوائر على المواضيع التي تهمه وأن يرسل الكوبون إلى المجلة لكي تعطيه المصادر وإذا أمكن الكتب المعنية بعد ثمن معين.
بالطبع فرحت لهكذا أمر وقمت بوضع دائرة على كل المربع الكبير مع دوائر على كل المربعات الصغرى وارسلت الكوبون مع وضع عنوان شركة معينة اعرفها لكي يرسل لها الجواب. بعد حوالي أسبوعين أو ثلاثة أتصل بي مدير هذه الشركة طالبا رؤيتي. عند ذهابي له قال لي ما الذي فعلته لقد أرسلوا لنا فاتورة بمبلغ كبير وأنهم مستعدون أن يعطونا الكتب والمصادر جميعا فأخبرته أنه ما دامت شركته هي شركة للألكترونيات والحواسيب فهذا فيه فائدة عظيمة للشركة ولحدود علمي أنه قام بدفع المبلغ واخذ المصادر والكتب. بالذات أنه كان هو من نبهنا إلى وجود مقر في الولايات المتحدة يعطي معلومات ما يشاء بها المرء بمبلغ شهري معين عن طريق الاتصال بالحاسوب وكان هذا بدايات أمر الشابكة والانترنت أصلا وكان الأمر في ما قبل 1986. حيث كان هذا الأمر في منتصف الثمانيات تقريبا في فورة أمر الحاسب الدقيق والحواسيب الميني والكبيرة الحجم وقبل أمر الانترنت والشابكة وأمر اللابتوبات والهواتف الذكية بمراحل.
وفي نهايات حياتي في لندن / إنكلترا وأثناء تحضيري للعودة لبغداد عرفت من الجرائد أن هذه المجلة قد توقفت عن الصدور عند العدد 20 منذ زمن معين. هنا فكرت أن أتصل بدار النشر المعنية والتي بحسب ما أتذكر كانت دار الصياد للنشر أو شيء من هذا القبيل وكان لها على ما يبدو موقعا في لندن وربما لها مواقع في بلدان وأماكن أخرى. اتصلت بهم بعد أن عرفت رقم هاتفهم وبينت لهم اني مستعد أن اشتري منهم الأعداد العشرين القديمة جميعا (ولم اذكر لهم أن لدي عدد قرأته) فبينوا لي أن العدد القديم سعر النسخة جنيه إسترليني واحد فأخذت منهم موعدا وذهبت في الموعد المحدد إليهم بعد أن عرفت اين هو الموقع ودخلت المكتب المعني وأشتريت الأعداد ودفعت الثمن وكان الميلغ عشرين جنيها أسترلينيا لا غير والأمر في لندن من دون فرض ضرييبة إضافية وأخذت فاتورة بذلك. جلست على أريكة كانت هناك وبدأت بأخذ حبل ربط كان موجودا وربطت الأعداد العشرين وفجأة رأيت على المائدة مجلات أخرى عربية وربما غير عربية منها مجلة بالعربي اسمها الدفاع بها صور دبابات على الغلاف.
كنت فقط اريد رؤية الصور التي في المجلة ولم أك مطلقا اريد أصلا قراءة أي كتابة فبينت لهم أني اريد هذا العدد أيضا فوافقوا ودفعت الثمن ولما هممت بأن أغادر ظهر شخص فجأة قائلا لي لن تخرج من هنا بعد الآن وسنعدمك. ولحد اللحظة لا أدري هل بسبب عدد مجلة الدفاع أم بسبب الأعداد العشرين كان الأمر أم لسبب ثالث أنهم عرفوا عني شيئا ما أني أحاول دوما أن أكون مع الحق أم لأي سبب آخر؟ كنت أعتقدها مزحة فإذا بها حقيقة وفعلا كان الباب الذي جربت فتحه موصدا وبإحكام. جلست على الكنبة وأنا ألعن الساعة التي قررت فيها المجيء لدار النشر هذه بل وبدأت بلعن الزمن الجميل والأفلام المصرية والهندية والأمريكية ومسلسلات الزمن الجميل.
بدأت افكر مع نفسي أين أنا؟ هل أنا عند مكان من خلايا العدو الصهيوني في لندن أم في مكان من خلايا قرية الفوك لاند (هل هي الفوق لاند بمعنى الأرض الفوق أي الأرض الأعلى؟) والتي يقال أنها القرية المعنية في القرآن بأن فيها ما يعرف بمجرمين نسوا امر ذكر الله أم عند كفار مكة أم عند الضد ألأصلي للمسلمين في مؤتة أم اين أنا أصلا؟ بعد حوالي نصف ساعة من جلوسي دق جرس الباب وفجأة دخل زميل وزميلة من أيام الدراسة في الكلية القديمة وقالوا للقوم أنهم يريدونني. سألتهم ما الذي أتى بكم قالوا نحن نراقبك ولما تأخرت في الداخل قررنا الدخول وراءك. فرحت بالطبع أن هناك من لا يزال يعرفني لا بل ويراقب تحركاتي في سبيل الخير لي ولآخرين. هنا قال القوم أن الإثنين أيضا لن يخرجا وأنهما سيعدمان معي.
بعد جلوس نحو نصف ساعة أخرى بينت لزميلي أنه إذا ما استطاع فيستطيع الاتصال سرا بخاله وأبو المرأة وخالي لكي يخرجاننا من هنا. وفعلا أجابني أنه يستطيع فعل ذلك وأن هذه الفكرة جيدة. وفعلا بعدها بنصف ساعة أخرى أتى الثلاثة ودفعوا مبلغا من المال وسحبونا من هناك. ولحد اللحظة لا أدري لأي جهة تتبع دار النشر هذه ولا اسمها الفعلي ولا أي شيء آخر بشكل كامل ودقيق.
الأمر المهم أن خالي ومن معه فعلا أتوا في الوقت المناسب وليس أصلا أمر الأفلام الهندية أو أفلام الإثارة الأمريكية أن الشرطة لا تأتي إلا بعد أن يقوم البطل بقتل كل العصابة من مسدسه الوحيد ولوحده وتأتي الشرطة بالعادة بعد أن يبدأ بإشعال سيجارته من جهة ولا أمر أن الشرطة لا تأتي أصلا إلا بعد أن يقع المكروه من الجهة الثانية. وعند خروجي اكتشفت أن الرزمة وفوقها مجلة الدفاع هذه ما زالت على المائدة فقررت أخذها. ويبدو أنهم لم ينتبهوا أو شيء من هذا القبيل. رغم أن أحدهم اعترض لكني لم آبه له. على كل حال كيف لا آخذها وهي الدليل الوحيد على قدومي لهذا المكان وما حدث بعد ذلك أصلا؟بعد خروجي شكرت الجميع وتفرقنا وبدأت رحلتي للبيت المؤقت الذي أنا به قبل عودتي لبغداد. كان هذا كله “كوم” وما قمت بعمله بعد ذلك كوم ثان، حيث دخلت قطار الانفاق وعند مجيء القطار الخاص بي ركبته وجلست على إحدى الأرائك ووضعت الرزمة بجانبي حيث كان المقعد خاليا. وبعد قليل سحبت مجلة الدفاع وبدأت أتصفحها. حدث ما لم يكن بالحسبان. قرر جميع من في الفارغون الخروج مع هلع وخوف على الوجوه. أنتبهت أنني قمت بعمل خطأ كبير بقيامي بتصفح المجلة. بعدها بمدة جاءني زميل معين وحكى لي الواقعة وقال أيضا أنه سيأخذ العدد مني ربما ليحرقه بالشكل الصحيح فهذا أفضل ومنعا لأية مشاكل مستقبلية. عند وصولي لبيتي المؤقت قررت بعد راحة سريعة وبعد أن أخذت وجبة غذائي أن أبدأ بقراءة بعض أعداد مجلة الحاسوب فاكتشفت أنني ما عدا العدد إياه لا أستطيع قراءة أي شيء. بعد مدة قصيرة اضطررت لوضع حقيبتي سفري الكبيرتين عند شخص صديق بمعونة شخص ثالث صديق.
كان في الحقيبة الأولى ملابسي غير المكوية والمتسخة. وكنت أفكر كم سأكون محرجا أمام أي تفتيش للحقائب عند عبور أي حدود من مثل مطار وما شابه بسبب هذا الأمر. وفي الحقيبة الثانية الكتب والمجلات التي أود أخذها معي لبغداد واغلبها إن لم يكن جميعها علمية ومنها بالطبع مجلات الحاسوب العشرين هذه.
قبل ذلك قام جيران هذا الشخص وقد لاحظا الحقيبتين وعرضوا علي أنهم إذا ما قرأوا أي من الكتب والمجلات التي في الحقيبة الثانية فإنهم سيدفعون لي ثمن قراءة العشت فوافقت. لكن بعد مجيء الشخص المعني لبيته قرر وبحسب ما فهمت أيضا أنه هو من يجب أن يأخذ مبلغ العشت وهنا لم يكن أمامي سوى القبول فأنا في وضع أحسد عليه من أمر أين أضع حقائبي قبل عودتي لبغداد.
وهنا فكرت في ألأمر أنه لما كنت لا أستطيع القراءة لأي عدد فلماذا لا أعطيها لشخص يستطيع فعل ذلك من وجهة نظر أؤجر ولا تهجر وأنني في حال أخذتها لبغداد قد لا يستطيع أي كان من قراءتها وقد يكون فيها شيء معين قد يودي بي إلى التهلكة أصلا في حال أن في الأعداد ما لا تحمد عقباه وغير ذلك من أمور.
بينت للصديق المعني ذلك واني مستعد لبيعها بسعر وثمن غال باعتباري أنا من جلب المجلات لكنه بين لي أنه فقط سيدفع ما دفعته عند شرائي للأعداد فرضيت وكان المبلغ كما بينت عشرين جنيها استنرلينيا لا غير.
بينت له أني لم استطع قراءة أي شيء فرق قلبه لي وقال أنه سيحاول أن يسمح لي بقراءة خبر واحد وبالفعل كان الخبر مقتضبا بعرض 10 سنتيمات وبطول خمسة اسطر لا غير عن لغة ليسب الحاسوبية العليا التي أعرف عنها بعض الشيء القليل بحكم تخصصي ودراستي للغات الحاسوبية العليا والدنيا والوسيطة وغير ذلك. تذكرت فورا ما حدث لي قبل أكثر من عشر سنوات في بغداد. كان الصراع يومها مما فهمنا على أشده بين جريدتي طريق الشعب والتآخي. دخل خالي بيت جدي، أثناء ما كنت هناك، وهو يقول أن البائع رفض أن يعطيه التآخي بل قال له خذ طريق الشعب. كنت صغيرا وقتذاك وقد بدأت أعرف القراءة والكتابة قبل فترة قصيرة لا غير. فخرجت من المنزل وعدت بعد قليل ومعي العددين. وأتذكر جيدا أن خالي قال لي ما الذي فعلته فقلت له أقنعت البائع بإعطائي العددين واشتريتهما وساقرأ الإثنين. وفعلا نفس الشيء لم أستطع من قراءة أي شيء في العددين. ولما بينت لخالي الأمر قال لي بهدوء طبعا الكل هنا يكرهك يا إبني. وبعد أن رأى بداية دمعة من عيني رق قلبه لي فقال لي سأحاول أن أساعدك وفعلا ومن جريدة التآخي استطعت من قراءة خبر صغير بأربعة أسطر وعرض 10 سنتيم لا غير. بعد قليل أخذ خالي العددين وأرجعهما للبائع. وقال لي بعد ذلك هذا أفضل حلا لأية مشكلة. بعدها بمدة قصيرة ظهرت جريدة العراق بدلا من جريدة التآخي.
وعودة لموضوعنا: بعدها بفترة قصيرة عدت للعراق لأكمل دراستي في جامعة من جامعات البلد. وقبل ذلك قمت بإيداع عدد من الكتب الصعبة عند صديق رابع معين قائلا له أنه يستطيع من قراءتها وإذا ما عدت يوما إلى لندن فسآخذها منه. وأخذت معي إلى بغداد الكتب العلمية وبعض كتب دواوين الأشعار وبعض الكتب والمجلات التي لا غبار عليها والتي كان من ضمنها كتب دراستي وبعض أوراق المحاضرات حيث فقدت البعض الآخر تماما ولو بحسن نية ومع الأسف.






















0 تعليق